الفنان اللبناني جبران طرزي من التراث الفني إلى المعاصرة

0

كتب/ مارك جبران  طرزي
يعد الفنان اللبناني التجريدي الهندسي الراحل (جبران طرزي) (1944-2010) Gebran Tarazi اسمًا لامعًا في الابتكار الهندسي الفني العربي. إذ أمضى حياته في المملكة المغربية وبيروت في مزاولة الفنون العربية التقليدية. وعمل على انجاز عشرات الأعمال الفنية وشاء له في سنة 1988، أن يتفرغ  لتجربة فنية جديرة بالاهتمام وذلك لفترة خمسة عشر عامًا. جاء ابتكار هذا الفنان المجدد للرسوم الهندسية وتخطيطها وتنظيمها على مئات الأوراق والخرائط قبل تحويلها وتطبيقها على عمل لوحة ملونة.
أما  الحديث عن تنسيق الألوان فاستغرق وقتًا طويلا من التأمل وإعادة النظر والتفكر والتركيز والتجارب. وهي عملية شبه هستيرية وجنونية تعيي الصابرين وتتحدى الوقت من الصباح إلى جوف الليل يوميًا خلال ١٥ سنة. حتى إن الوقوف لساعات طويلة كان يؤلم قدميه. كل ذلك من أجل إنجاز عمل فني يليق باسمه ومكانته ويمكن أن نجزم بأن كل لوحة تستر عشرات التجارب من الألوان أي أن اللوحة قد تخفي ٣٠ لوحة أو تجربة للألوان حتى ينتهي من اللوحة الواحدة بعد عدة أشهر برأي “جبران طرزي” لدينا إمكانيات وقدرات في مشرقنا ومغربنا لكي نأتي بفن حديث من دون استعارة تجارب أو أساليب الفنانين العالميين.
هذه الجرأة لتأليف مذهب فني ومدرسة فنية عربية حديثة أغنته عن التغني بأمجاد أجداده في الفنون العربية التقليدية المشرقية. أي أصبحت أهمية إبداعه أهم من الانتماء إلى مدرسة فنية لآل الطرزي التي تمتد جذورها إلى العصور الذهبية العربية. نعم بالإمكان القول كان يهوى الحداثة لكن ليست حداثة يتم استيرادها من الغرب بل هي حداثة أصيلة بنا كشرقيين. إن دقة وخطورة هذه الرسالة شكلت صعوبة في نقل معنى هذه الإنجازات الفنية وحير الناس وجعل عملية تصنيف عمله في إطار الفني العربي الحديث عملية مستحيلة ربما تستغرق عدة عقود من الزمن لتأخذ مداها. وادعى العالمية ليس بمعنى الشهرة العالمية بل أنه يخاطب ويتواصل مع كل العالم بهذا المغنى العربي الحديث.
الجوهر ليس بما أنجز إنما بالمقاربة الفنية الفلسفية التي تتحدى مجتمع الفن وتتحدى الماضي وتتحدى المستقبل بحثا عن الأعماق. لقد أطاح بالنفاق الفني والأدبي وتصدى له وظل مرفوع الجبين مؤمنًا بما يقدمه ومتحديا الألم وهو يعلم أن بعد وفاته سيفهم الناس ويستوعبون ما قدمه ولو صعب ذلك خلال حياته فآثر العطاء على الأخذ.كما أن تعريفه لمعنى الشرق الذي قد يشمل الهند وفق رؤيته ليس توسيع مساحة جغرافية المشرق بطريقة غير مألوفة لكن الشرق الفني الذي يتحدث عنه هو بديل عن الغرب الفني. أي تخطى التبعية إلى الماضي وتحدى التبعية إلى مدارس الفن الغربي.
ويمكن لنا إن نؤكد بأن (جبران طرزي) لم يجمع بين شتى الفنون إنما أتى بالجديد والتجديد والعملية قد لا تنتهي هنا بل قد تلهم جيلا شابًا عربيًا ينهل من هذه التجربة أي التساؤل حول عمق معنى الفن الذي يتمحور حول الكيفية والعمق والفلسفة أهم من الجواب الذي تمثله لوحاته. لذا غاب معنى لوحاته عن كثير من الناس. أما القلة القليلة فساندته في تجربته والألم الذي لازمة في هذا العطاء الفني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*