شاعرة التشكيليين (مهدية آل طالب) كسر التابو بحنكة المرأة العربية

23/6/2021

4٬007

كتبت/ سمر العربى
” إنَّنا نتعامل مع الثقافة ضمن مفهوم ثانٍ ذي نكهة كونية موضوعية تعتبر الثقافة فعل تجاوز مستمر يقوم على قدرتنا على الابتعاد عن بدائية ارتباطنا بالطبيعة وفطرية هذا الارتباط، وعلى قدرتنا على صوغ حريتنا وممارستها، ذلك بأنَّ الثقافة هنا هي جهد دائم” إدوارد سعيد.

وبحسب المفهوم السابق الذي قدمه المفكر الكبير (إدوارد سعيد) فإنَّ كتابة قصيدة، أو تأليف قطعة موسيقية، أو إبداع لوحة تشكيلية يمثل الفعل الثقافي وهو قائم على الفرادة والتجاوز والتجديد جنبًا إلى جنب استئناف الماضي وموروثه وتقديم تفسير جديد ومعنى مغاير للعالم ولتجاربنا الحياتية المعاشية.

بتأمل المسيرة الفنية الطويلة للفنانة التشكيلية السعودية (مهدية علي آل طالب) نجدها تجسيدًا لهذا المنظور الفلسفي متعدد الأبعاد، فهي فنانة متعددة الأوجه ومتعددة الإمكانيات، وهي مثقفة من النوع الدائم الاشتباك مع واقعها المعاش بعيدًا عن صورة الفنان التشكيلي المنعزل الساخط، تقف (مهدية) منغمسة في أدق تفاصيل حياتها، تدركها بفطنة وحساسية تليق بامرأة عربية موسوعية الثقافة، فتنطلق إلى كسر التابوهات التي تلاحقها، فتواجهها بصبر وجلد ونعومة المرأة، تكسر التابوه تلو التابوه دون صخب، ودونما عنف رغم جذرية الاشتباك وفرادة النتيجة.

ترى (مهدية علي) في فن النحت فنًا قائمًا بذاته لكنه في ذات الوقت مكملا لفن اللوحة وفي سبيل ذلك وجهت بسيل من العوائق على رأسها رفض تحريمي شديد لأعمال النحت لكنها واصلت بل وتنقلت بين أكثر من شكل وطريقة لتجسيد أفكارها على شكل مجسمات ثلاثية الأبعاد فتنقلت بين استخدام الطين، والحجر، والخشب وأبدعت حيثما شكلت.

لم يقف معول (مهدية) لتحطيم تابوه التحريم عند تخوم الإبداع بل تجاوز ذلك للقيام بالتدريب، فكان لها طالبات ومريدات وكما أخذت هي بايديهنَّ كي يجتزنَّ العتبة الفارقة للإبداع، شكلنَّ هنَّ لها سندًا في مشوارها للتغيير والقدرة على صوغ حريتها وعلى ممارستها.

تمتلك (مهدية) حواسًا رهيفة تلتقط الجمال أينما حل في الموجودات من حولها لتعيد صياغته في أعمالها الإبداعية التي تتنوع ما بين النحت والصورة وتنتقل ما بين المدارس التشكيلية المختلفة السوريالية والتجريدية والرمزية فحدودها الإبداعية مرنة بلا سقف إلا ما تبوح بها مشاعرها وما تجود به ثقافتها الموسوعية، وطموحها لا يثنيه مرور الأزمنة وفي هذا الإطار تقول (مهدية) عن الطموح:

“إنَّ طموح الفنان لا ينتهي كالأفق اللامنتهى، فعلى الفنان أن يلج طبقة تلو طبقة من هذا الأفق، وها أنا بعد سنوات طويلة ومشاركات عديدة في الوطن العربي اخترق مدارًا جديدًا وأنا أعمل عليه منذ ثلاث سنوات مهتمة بالمشاركات والحضور في أوروبا وهذا هو تركيزي في السنوات المقبلة”

“ترحال، ثمرة الرماد، أهازيج سنبلة، دروب وجد، مكنونات ظل الرماد، حتى اكتمال الدائرة، حرفيات”

المتأمل في يافطات معارضها السابقة ومن الوهلة الأولى يكتشف شاعرية فياضة لتشكيلية تؤدي بروحانية فتقع مناطق داخل لوحاتها في مساحة ما بين الحلم، اليقظة، الوعي، اللاوعي، تجعل اللوحات وكأنَّها مصقولة بلون شفاف يدركه المتلقي ولا يراه، يؤطر كامل اللوحة ويضمها مضفيًا عليها غلالة ما ورائية تعيد صياغة عملية التلقي الإبداعي نفسها.

ثلاثون عامًا من التشكيل تتقاطع مع عشرين أخرى من النحت، أزمنة تمخضت عن ما يقارب الثلاثة آلاف لوحة حيث بدأت (مهدية علي آل طالب) مشوارها الفني وهي في العاشرة من عمرها حيث بدأت من سطح منزلهم الذي ملأته بخربشاتها المبهجة الجميلة فتحول سطح المنزل إلى ما يشبه المعرض المصغر، وجذب قاطني الحي وأبهرت الزائرين، وفى سن التاسعة عشرة كان لها أول معرض بشكل رسمى.

تنطلق الأعمال التشكيلية للفنانة (مهدية علي) من مفاهيم فلسفية ورسالة تختلف من مجموعة فنية إلى أخرى ولكن تظل المرأة اللاعب الأكبر، والحاضر الدائم في لوحاتها تراها في حاضرها ومستقبلها مثلما تعيد صياغة الأساطير عنها دون أن ينسيها ذلك معالجة تفاصيل واقعها المعاش فهي حكت بريشتها عن أزمنة الكورونا وعزلتها، وعن اللاجئين السوريين كجانب إنساني، كما حكت عن خبراتها وحياتها، حلها وترحالها، للموروث والماضي نصيبه من الحضور في أعمالها كما للحاضر والمستقبل، تزاوج بين حضارات الشرق والغرب وتغسل ما علق بالروح من ضجيج الحياة ومن وجع المدن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*