التشكيلي اللبناني أمين الباشـا : عـاشـق الطـبـيـعـة والإنســان

18/6/2021

3٬807

بقلم: غـازي انـعـيـم

يُعد الفنان اللبناني (أمين الباشا) الذي ولد في بيروت عام 1932م، من أشهر الوجوه التشكيلية اللبنانية المعاصرة، ومن طليعيي حركة الحداثة العربية المميز.. وقد زاوج منذ بداياته بين الثقافة الأكاديمية وبين التجارب الشخصية العميقة، فانجذب في البداية لتعلم الموسيقى، وتعلق بخاله الموسيقي (خليل مكية)، ولكنه لم يستمر في ذلك فترة طويلة.

وفي السابعة عشرة من عمره أخذ يتردد على محترف الفنان البلغاري ( ستيفان لوكوس) فأخذ على يديه تقنيات وتدرب باتجاه امتلاك معادلة الخط واللون… فتطورت قدراته الفنية في الرسم، وزادت رغبته في تعلمها أكاديميًا…

في عام ( 1954 ـ 1957 )، قرر الفنان (الباشا) الالتحاق بالأكاديمية اللبنانية للفنون، وفيها تعرَّف على أساليبها المختلفة، وعلى تجارب الفنانين أمثال (ماتيس)، و(سيزان)، و(بيكاسو) وغيرهم… وفي هذه الفترة كان (أمين الباشا) يتأمل الطبيعة اللبنانية التي تربى في أحضانها ـ المناظر الريفية والأحياء الشعبية والبحر ـ وسقوط أشعة الشمس على مشاهدها، فترجمها على مسطح لوحاته آخذًا بعين الاعتبار المعايير الجمالية، الخاصة بالتكوين والإيقاع والاستقرار، والارتباط بالعناصر.

وبعد تخرجه بعام، بدأ نشاطه التشكيلي بمشاركته في معرض أقيم في (صالة الخريف) ببيروت، ونتيجة هذه المشاركة أسفرت عن فوزه بجائزة السفارة الفرنسية، وعلى أثرها سافر إلى باريس، وامتدت إقامته في عاصمة النور اثني عشر عامًا، نضجت فيها أدواته الفنية، واكتملت رؤيته الفكرية.

هكذا اجتمعت لديه خبرة الممارسة الفعلية مع الخلفية الأكاديمية الرصينة، وقد وظَّف هذه الحصيلة بشكل رائع في عشرات اللوحات التي نفذها منذ عودته إلى لبنان، حيث فعلت فيه الطبيعة، التي انطلقت عنده من زاوية الإنسان، الذي يعتبره الحجر الأساس في عمارة لوحاته الفنية، فعل السحر، فبات إنسانه متلازم مع الطبيعة سواء في حله أو ترحاله… وهما هنا حصيلة بحثه وموقفه الشخصي من إعادة صياغة الحياة بالخط واللون وبالتقنيات المناسبة.

التنوع في المصادر

والمواضيع الفنية التي تناولها الفنان (الباشا) بعد عودته إلى وطنه لبنان، تبدو برغم تنوع مصادرها، كما لو أنها كانت رؤية شاملة للإنسان وللطبيعة، فهي ليست محصورة في منطقة بعينها، بل أنها شملت العديد من المناطق والقرى ليس في لبنان وحسب، بل وفي الأردن وفلسطين… وهي لم تقف عند محطة زمنية محددة، بل انتقلت من محطة إلى أخرى، وبذلك استطاع الفنان أن يؤرِّخ للمكان الذي مرَّ فيه.

فمثلاً تعكس الأعمال التي رسمها الفنان في قرى ومدن لبنان، عشقًا حميمًا لما صوره، حيث يتحرك البصر وينتقل عبر الأماكن التي تمثل: ( الجبال والبيوت والأشجار والبحر.. )، من جنوب بيروت إلى شمالها في لبنان، بحيوية عالية، وكأنها تستنطق الطبيعة، فاللوحة هنا تُشع من تل قاء نفسها وعبر لونها الشفاف.

وكان لزياراته الخاصة لآثار مدينة عمان وآثار مدينة جرش، بالإضافة إلى الأزرق في شمال الأردن، أكبر الأثر في الانبهار بهم، وتصويرهم بأسلوب تظهر فيه سطوع الشمس وهي تتعانق مع أعمدة المدرج الروماني وأعمدة جرش القديمة وجدران بيوت الأزرق، فتظهر شامخة راسخة مستمدة قوتها من نكهة الماضي وعبق التاريخ… بقول مختار العطار: ” أن الترحال وتنوع الرؤية يمنحان الفنان مفاتيح التجديد والابتكار “.

وتكتسب لوحات هذه المرحلة، أهمية كبيرة، كونها تقترب في جانب من جوانبها إلى اللوحات ذات الطابع الوثائقي، والذي يتحول مع الأيام إلى شهادة نادرة لا غنى عنها.

وفي مرحلة أخرى، ترك الفنان (الباشا) لأشكاله وعناصره والتي تمثل: ( الناس والبيوت والبحر والمراكب والأشجار والزهور والشوارع وما رسمه من فواكه وأماكن أثرية… )، لكي تنتظم في مواضيع متعددة وبصياغات تتلاءم كل منها ما صوره من دون التزام حرفي بأشكال الطبيعة.

الجمع ما بين أسلوبين

ورغم سفر الفنان (الباشا) ودراسته بالخارج للتيارات الغربية، فإنه بقي يعبر عن بيئته اللبنانية، فنلاحظ في لوحاته العديد من الرموز الشعبية المستوحاة من العادات والتقاليد مثل: ” القلوب والطيور والأسماك وأشكال النباتات المختلفة، بالإضافة إلى الرموز التي تزين بها الشرائح الشعبية العربية بيوتها في المناسبات، مثل الأفراح والحج… ” وهنا لم يبدع (الباشا) لوحات توثيقية تسجيلية للبيئة اللبنانية على نسق ما سجله في السابق، ولكنه صور روح الحي الشعبي وشخصيته في تكوينات تجمع بين عمارة الأحياء الشعبية والعديد من موتيفاته والنماذج الإنسانية.

ونلمس في هذه اللوحات صدق التعبير الناجم عن صدق التجربة الشعبية المحلية والجمالية، وبذلك آمن (الباشا) بأن الطريق إلى العالمية يبدأ من المحلية…

بعد ذلك انتقل إلى (التجريدية) أي إلى مرحلة الاختزال والتحوير في العناصر والألوان مع الاهتمام بملامس الأسطح، وقد يسأل بعض المتابعين لتجربته: كيف يمكن أن نتصور فنانًا مثله، عاش عمره يرسم من الطبيعة والأحياء الشعبية، يتحول إلى التجريدية؟

للإجابة على ذلك السؤال، نقول: أن تجريدية (أمين الباشا) لم تخرج عن المسار الفني الذي رسمه لنفسه، وبقيت مرتبطة بالشكل الطبيعي وبالمضمون الإنساني، وأن ما حققه من أعمال تجريدية تتحدث بالألوان، تقيم العلاقات إلى جانب المناظر الطبيعية، أي جمع ما بين الأسلوبين.

الكاميرا والريشة

تناول الفنان (الباشا) والمصور (رضا سالم) في معرضيهما المشترك قبل ثلاث سنوات، مئات الصور التي تمثل الملامح البيئية والاجتماعية المختلفة لأهل الكويت، فصورت كاميرا رضا سالم، الذي قام بدوره بتقديم الصورة الملتقطة، حيث كان يتعمد بأن يترك بعض الفضاء في الصورة الملتقطة ليتسنى للفنان أمين الباشا كي يرسم فوقها خطوطه وألوانه.

وكانت الصور الملتقطة تمثل شخصيات كويتية مرتبطة بالبحر، كالصيادين والمصطافين، والأسواق والباعة والناس والمقاهي والكورنيش، وكانت البيئة الكويتية مصدر إلهام مشترك بين المصور الفوتوغرافي الكويتي المبدع ” سالم رضا ” بكاميراته والفنان التشكيلي اللبناني (أمين الباشا) بريشته، وقد وقعت اللوحات من قبل الفنانَين.

مميزات فنه

والمتابع لتجربته وللوحاته، المنفذة بتقنية الألوان الزيتية والمائية والغواش والباستيل.. يلاحظ أن لمساته، تتداعى على السطوح، في حيوية حرة بحركتها الإيقاعية، وتنتقل العين من مكان إلى آخر، ويؤكد ذلك استخداماته لأرضية المسطح الأبيض، حيث خلق من الضوء الذي يأتي من مصادر متعددة، ليصنع بتوهجه في نقاط كثيرة على السطح، متساوية الجدب للبصر، متنقلاً من منطقة إلى أخرى بلا انقطاع، حيث يبدو كل ما على السطح له قيمة، مما أضفى عليها غنى تشكيليًا مثيرًا.

والفنان (الباشا) يرسم ليعبر عن نفسه في الحياة، يقول في هذا المجال: “… حاجتي للرسم حاجة يومية، لهذا فإن الموضوع ليس هو المهم دائمًا، بل كل شيء مهم، كل ما يقع عليه نظري مؤهل للرسم… أُعبِّر عن أي شيء بحرية وبأية أدوات أراها مناسبة “.

وأخيرًا قدم الفنان (الباشا) الذي رحل في 4 / 2 / 2019، من خلال أسلوبه الخاص المنفرد والمتميز والقائم على تناول الطبيعة والإنسان، عبر رحلته الفنية الممتدة لأكثر من نصف قرن، رؤية شاعرية شديدة الرقة والعذوبة والشفافية، حيث أثرى خلال هذه الرحلة الساحتين اللبنانية والعربية بأعماله الفنية المتميزة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*