نادرة العبيدى : دور الفن التشكيلي في تلاقح الحضارات

مقال بقلم : نادرة العبيدي

1٬054

إن الكتابة عن دور الفن التشكيلي في تلاقح الحضارات سواء غربية أو شرقية تصدرعن آفاق و إبداعات جديدة تساهم في إثراء ثقافات و ترابط الشعوب وانصهارها ضد كل أنواع أفكار التطىرف الظلامية و ذلك بترسيخ حب الإبداع الجمالي والتعمق في مبدأ الإنسانيات من الصداقة و التقارب والتصاهر والتحابب بين ثلة من الفنانين المستنيرين الذين يلهمون بعضهم بعضا في إستمرارية محاولة خلق الإبداع والسمو بالحضارة الإنسانية نحو التطور الأخلاقي والعلمي والفني في ظل مناخ رقمنة العالم والتقارب الفكري والإتصالي والعوالم الإفتراضية وما ينجرعنه من نتائج سلبية .

فوظيفتي كفنانة تشكيلية تهدف إلى التعبير وطرح مواضيع ذات أبعاد تاريخية واجتماعية وحسية وحوصلة برامج تلاقح التجارب والحوارات والندوات الفنية والعلمية من خلال تجارب شخصية متعددة تتمحور حول  ملامسة المادة والتعامل مع الأشكال والأحجام بتقنيات وأساليب متنوعة ثم إكتشاف أدوات مختلفة و ملامس جديدة في فنون ما بعد الحداثة وتطويعها لتجسد أفكار متناقضة للإرتقاء بها رغم كل قوى الشر والظلام  والإستبداد،و لذلك أردت التعبير والحوصلة عن الخبرات التي قد يكتسبها الفنان خلال ممارسته للفن سوى من حيث التقنيات أو الأساليب أو الخامات الجديدة و كيفية توظيفها لتساعده رغم أفكاره و تزويقاته و إبداعاته أن يطور أسلوبه الفني من حيث الرسم،التلوين و الحفر  والنحث أيضا باعتباره من اقدم انماط الفنون أو دراسة أي اختصاص يراوده ليشبع ذاته الفنية  أكثر من ناحية الالهام البصري و الفكري .

و بهذا النسق لا يتوقف الفنان عن البحث عبر خاماته و تجاربه و ملامسة المادة نحو احداث مقاربات فعلية تحمل عدة جدليات فنية و تسجل وجود صورة فكرية ،تعبيرية مبتكرة ، تتيح له فرصة الإطلاع و الإستطلاع المباشر او الغير المباشر على ما يجري هناك في ساحة الفن التشكيلي على مر العصور و البحث على ما توصل إليه الغرب أو بعض البلدان العربية من تطورات حديثة ….إذ من خلال إدخال مواد و خامات جديدة كانت إلى حد قريب ينظر إليها على أنها خارجة عن مجال الفن حتى أنها لم تجد أي ميزة تعرفه وهي التي بدورها أحدثت تغييرات جوهرية كبيرة في الغرب كما يقول مارشال دوشان :” إن العمل الفني ينبغي أن يكون حقيقة ذهنية لا شيء يحاكي شيء آخر ” و هنا يكون الحضور نقديا ضمن تحليلات و مقارنات و هو ما ينبغي أن يؤثر على التجارب العربية عامة و علاقتها  بالتجربة التونسية خاصة . كما يحلوا للبعض منا تقديم بعض المقترحات أو التوجيهات بناءا على خبرات كل منا …فالجهد الإبداعي للفنان هو محاولة من أجل تشكيل المادة الأولية لتصبح بمثابة الجوهر الحقيقي للعمل الإبداعي من أجل تنمية و تطوير الثقافة البصرية لدى الفنان و خلق أشكال جمالية مستمدة من مفاهيم أنطولوجية يأهله مشاركة تجاربه الخاصة و الإنفتاح على الآخر و  الإرتقاء بميدانهم على نحو أكثر ثراءا ليجدر به أو يخول له الإشتراك في تربصات ثقافية في مختلف بلدان العالم للإستفادة من خبرات الفنانين اﻵخرين و تجاربهم في توعية الثقافة البصرية لدى أنفسهم و غيرهم من باحثين ضمن العالم الفني .

و بعد فإن تجربة بسيطة كهذه دفعتني للبحث عن ما يمتلكه الفنانين الغربيين المعاصرين من تراث المدرسة الفلامندية و كيف يمكن تطبيق هذا الشيء من ناحية إستفادة فنانين شرقيين معاصرين من الإرث الحضاري الفني على مر العصور بما في ذلك العصر الروماني و الفينيقي و البيزنطي و الاسلامي…الخ
فلا يحلوا الحديث في مجال الفن أو الكتابة عن خفاياه و اسراره الا من خلال الفسحة التي يحرر فيها كل فنان عقله بين المشاريع الفنية ، ويحاول من خلال ذلك استكشاف جوانب و بواطن عالم  الرسم والتلوين الغير المستكشفة دون مراعاة اي دافع فني أو هدف باطني، بل يركز فقط على النتائج التي تظهر بالصدفة من خلال التجربة، فالخامة و التقنية بالأساس تمثل بصمة الفنان و تحدد طابعه الخاص من خصوصية أثر الفرشاة أو آداته الحادة …لتولد لوحاته التجريبية أو التعبيرية بشكل حداثي، فطاقة الفنان تتسم بالتلقائية والقوة حيث تنسج هذه الحركية داخل فضاءه التشكيلي توترا و صراعا نابعامن إحساسات و إرهاصات داخلية لذات الفنان فتبعث لدى القارئ فضول الحيرة لمعرفة لمن تلك اللوحة ؟ أو ذاك العمل ؟ فلكل فنان طابعه و اسلوبه الخاص يعكس حالته النفسية و التي يصعب للرائي أحيانا فهمها أو تحديد معناها إذ عبر ابن الهيثم في هذا السياق بقوله :  “ليس البصر قدرة التميز و لكن القوة المميزة هي التي تميز المعاني المبصرة ” .

إذا فالفنان يتنقل برغبته الشخصية بين أدوات وتقنيات مختلفة، فالأمر الذي يظهر بوضوح في التباين الكبير بين الأعمال المعروضة بقاعة العرض، و ذلك الإنسجام بين ألوان معبرة على مساحة قماشة عذراء و بين كتل منحوتة أو أعمال تحمل آثار حفر أو خدش …  هذا الثراء الفني يسجل لحظات قد يولد خلالها العمل الفنى من رحم الفنان و أن ما انتجه بالأساس هو  شيء قد ينبع أو ينفلت من الروح الحديثة للفنان فتجعله منسابا إلى إعادة آرساء أسسه الأكاديمية بفرشاة رقيقة أو عنيفة أو إسفنجة كبيرة مخصبة بقيمة لونية داكنة تعيد بعض العناء لكيفية آستظهار الشكل من باطن اللون أو تلك الآداة التي تكون الشكل الملحمي الملفت للإنتباه ،فيتجاوز خلالها الفنان لحظات إلهام مذكرات الفعل و مرجعيات العقد لتلك القواعد و الظوابط الكلاسيكية . و بذلك تفضح لديه مراحل العمل أو المجال الفني الذي آتبعه ، ملامح من الجرأة و التمرد على الفن ليرصد خصوصية الطابع المنصوص و تنهل عن دراسات تلك المراحل العملية أو الجزئيات الفنية التي تحافظ عن ترتيبات و مراحل تكوين العمل الفني من البداية حتى النهاية .

فلو حاولنا التطلع و البحث داخل معارفنا الضيقة لأدركنا أن العديد من التجارب التشكيلية للعديد من الفنانين التونسيين قد شملت معارف و إبداعات و تعابير مختلفة ناتجة عن عدة تجارب فنية قد تكون إما نتاج لمعارف أكاديمية أو حوصلة لإنتاجات فردية أو ما تشمله من خصوصيات و  مواضيع تعبيرية يكون ضمنها العمل الفني رسالة يوصل ضمنها الفنان  فكرته أو  إنطباعاته فيدرجها عبر مواقف عملية تخرجه في بعض الأحيان من عفوية و تلقائية التعبير الذاتي و تدفعه لالتماس منهج خاص واسع يؤطر ضمنه انتاجاته الفنية نحو تمشي فني خاص منطقي و منتظم .
فالممارسات الفنية غالبا ما لا تستند الي إديولوجية معينة بل تكون إثبات فاعلية الذات الفاعلة و المتحفزة بإحساس عميق ينتج عنه صراع داخلي يتحاور فيها التشكيلي مع مادته و آداته لتجعل من ممارسته تفردا و تميزا خاص بتفاعله و فعله التشكيلي ليجعل عالمه مراوحة بين اخذ و عطاء  .و على هذا الاساس يبنى النسق الديناميكي ضمن مواصلة جاذبية تفسح المجال لذاك المنتج ( الفنان ) على اثبات مكانته عبر ابجيات تجربة مخصوصة داخل فكر الساحة الفنية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*