لوحة (الوصيفات) بين تشابه الكلمات وقوائم الأشياء

17/7/2021

3٬516

كتب/ محيى الدين ملك

تقول الرواية القديمة: أن الناقد الشهير (تيوفيل غوتييه) وقف أمام اللوحة مستغرقًا.. وبعد حينٍ، يلتفت إلى الجمع المُحتشد خلفه أمام اللوحة، وعبر إيماءات لم تخل من الدهشة والاندهاش، قال: ” والآن، اسمحوا لي: أين اللوحة؟ هذه ليست لوحة، إنها حياة مديدة “! هل أصابه (مَسٌ) حتى شَذَّ عن (النقد) الذي لعب (التشابه) فيه دوره في المباني المعرفية وفي التأويل؟ أم أنه وفي لحظة استغراقه اصطدم بـ (القوائم اللانهائية) للوحة (…) ؟ لا توكيد يستوجب أجوبة لن تكون مُلاصقة لـ (بيت اللوحة) من الداخل…

وفي المرويات الحديثة: أن (بيكاسو) حين رأى اللوحة، صاح: ” يا لهذه الواقعية الرائعة، ويا لهذا الفوز العظيم “)، أي فوز عظيم ران على قلبه حتى نطق بتلك الكلمات المنتشية وقادته نحو شعرية الأشياء فيُصوِّرَ مجموعة من اللوحات المستقاة منها؟ والمعلوم، أن بيكاسو وخلال تلك السلسلة لم يكن يقدم نسخ متعددة ومحاكاة عن الأصل؛ بل كان يبحث عن وصيفاته هو وتحليله هو.

وفي نموذج تفكير (حداثوي) ومختلف، يخترق (ميشيل فوكو) تلك السرديات المدهشة، ويكتشف أن ثمة قراءة مغايرة أو ثمة ألوان تهمه ويهم (العقل الغربي)، وهي الألوان التي تُشكِّل الطرفين، والآخر والآخرين، لكنها، كالعجينة تبدأ من المزاجة (الباليت)، ثم تنتهي على سطح اللوحة. والسؤال هنا: هل رسم (فيلاسكيز) كل الذين شاهدوا وسيشاهدون اللوحة (أنا – أنت / هو – هي / نحن – هم)؟ وأية لعبة تبدأ ولا تنتهي بين الضمائر وبين الكلمات و(الأشياء – أمام / أو داخل) مشهد يوشك أن يحطم الإطار الضيق فيتسع ليسع الجميع؟ وكيف…؟

هكذا فهم (فوكو) (فيلاسكيز) وضع قواعد (بَعْدية)، وعلى أساسها رتب عناصر لوحته وترك قدرها للزمن، بعد أن أحكم مغاليقها، اللوحة… هل فشلت اللغة في التعبير عن الأشياء كـ (ذات) وعلاقتها المتناهية بالإنسان كـ (ذات)…؟ من هذا المنظور الفلسفي فهم (فوكو) أن (فيلاسكز) لم يرسم (وصيفات الشرف) وعوالمها التي تحددت ولم تتحدد بعد، من منظور (معلم) في الأداء والأدوات… ولهذا، خصص في كتابه (الكلمات والأشياء) فصلاً كاملاً، وعنونه بـ (الوصيفات)، ثم وضعه في بداية الفصول، في دلالة لا تخلو من قيمة الفن، وقدرته على اكتشاف المعرفة وتجلياتها، وهذا جانب من قراءته (ذات البعدين – الفلسفي والاستطيقي) لـ (اللوحة ): ” إنه محض تبادل: إننا ننظر إلى لوحة وفيها رسام يتأملنا بدوره. لا شيء أكثر من وجه لوجه، من عيون تفاجئ بعضها، من نظرات مستقيمة، تتراكب حين تتقاطع. ومع ذلك فإن هذا الخيط الرفيع من الرؤية يحتوي بالمقابل شبكة معقدة من الشكوك، والمبادلات، والتهرب. فالرسام لا يتجه بعينيه نحونا إلا بمقدار ما نتواجد في مكان موضوعه الرئيسي، ونحن المشاهدين، لسنا إلا مجرد زيادة. وإذ نستقبل هذه النظرة، فإنها تطردنا، ليحل محلنا ما كان منذ بدء الأزمنة يتواجد هناك.. قبلنا: النموذج نفسه “..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*