لوحات روبي العلواني بين صرح الرومانسية وتلقائية الحركة واللون

3/5/2021

2٬133

رياض إبراهيم الدليمي

ثمة علاقة حميمية تتواشج بين الحركة الإيقاعية للجسد في تعبيرها داخل النص البصري وبين حركية اللون في لوحات الفنانة البحرينية ( روبي العلواني )، إذ أنَّ هذا التواشج يخلق زمنًا لحظيًا دراماتيكيًا دالا على حالة نفسية ومعنوية وروحية للتشكيل اللغوي والناسج لهذا النص البصري؛  فالفنان هو الذي جسد متون لوحاته بروحية رومانسية جامحة العاطفة وجياشة المشاعر، بمعنى أنَّ اللحظة التعبيرية قد اتقدت في وقتها الصفري للدلالة على مكنونات شخصية الفنان وطاقته المفعمة بروح التفاؤل والأمل.وهذه السمات التعبيرية الخلاقة قد مكنت ( روبي ) على التصوير والتعبير عما يضمره ذهنها وما يجول في خاطرها ووجدانها من انفعالات وأخيلة جامحة لا يحدها حد ولا يفصلها فاصل زمني أو مكاني لأنَّها محلقة في فضاءات وسماوات الوجد والعشق متوحدة في لحظة الانصهار الوجداني، وتحيل تلك السمات إلى أشكال لونية إيحائية في تعبيراتها الجسدية واللونية يتمثل بنرجسية الروح ورهافة الأحلام، لذا تأتي تجربة التشكيلية البحرينية (روبي العلواني ) ضمن هذا النسق الوجداني الطافح بألوانه وشخوصه في أعمالها التشكيلية، فاللوحة لديها بمثابة جسد أنثى مهووس بالرقص والتعبير برشاقته وأناقة حركته ومفاتن أنوثته التي لم تستطع عتمة الألوان من إخفاء اشتعالات الجسد وتفاصيله جماله وطاقته المتفجرة والمتوهجة في ثناياه وروحه التواقة لجماليات الحياة وإشراقاتها .إنَّ تمثلات الحب والعشق والحميمية من خلال الحركة واللون والإيقاع هى السمات التعبيرية التي تمكنت (روبي) من تخليقها داخل متون لوحاتها برشاقة التشكيل واللعب على وظائف اللون والضوء والظل لتعطي لوحاتها دفقا حركيًا وجماليًا تجعل من المشاهد مشدودًا إليها ومتشوقًا للفهم والتذوق والغوص في تفاصيل ثناياها تاركة أثرًا نفسيًا جميلا وإيجابيًا لديه، وهذا يؤكد  قدرة الفنانة على فهم ذائقة وروحية وذهنية المتلقي، فقد أهلتها هذه الميزات لتكوين علاقات حميمية بين لوحاتها ومشاهديها .تعتمد (روبي) على الحركة الساكنة لمجسمات شخوصها الأنثوية، أي أنَّها تترك الجسد في حركة انتهاء وسكون حركي لأعضاء الجسد الراقص كاليد والرأس والجذع وباقي الأطراف كما في لحظة فتل الجذع مثلا لجهة ما فيكون ظهر الجسد ماثلا في واجهة لوحتها، أو يكون الجسد محلقًا ومقوسًا في لحظة طيران راقصة تنم عن خفة ورشاقة وليونة الجسد الأنثوي مع امتداد للأطراف العلوية والسفلية وكما معروف بالعلوم الفيزيولوجية بأنَّ نهايات الأطراف تكون في حالة التأشير، وعندما تتأمل جل لوحاتها تجد أنَّ الأنثى في حالة الجلوس أو البروك أو على شكل بورتريه  أو في حالة طيران، كل هذه المجسمات تعبر عن الحالة الحركية الإيقاعية لتخلق زمنًا تعبيريًا داخل السطح التصويري، فإنَّ انتهاء الحركة عند نقطة ما؛ هي للدلالة على الاستمرارية التعبيرية عن حالة معنوية وجدانية تعبر عن حالة الانتشاء والفرح والتوحد والفخر والثقة بالنفس، وبالتالي تصور لنا أنثاها بطاقتها التعبيرية النابضة المفعمة بالمشاعر الحميمية والعاطفة المتوهجة .من سمات التميز التي تميز فنانًا تشكيليًا عن الآخر هو تمكنه وقدرته على توظيف أدواته وعناصره والتعامل الحرفي مع فضاء السطح التصويري، والمطلع على تجربة (روبي ) سيكتشف أنَّها لا تترك سطح لوحتها فارغًا دون أنْ يشكل جزءًا رئيسًا من سطح اللوحة، بل يشي في بعض الأحيان أنْ يكون هذا الفراغ مكملا للجسد التصويري كما في لوحة (رقود ) إذْ نلاحظ  تشظى فستان الأنثى ليصبح خطوطًا متموجة مع الفراغ مما طغى وهيمن  اللون الأبيض  للفستان على المساحة الكلية للوحة وهذه تعد صفة تعبيرية عن الاستغراق والاسترخاء لتصوير الأنثى في حالة الحلم، وتعكس الإضاءة الخلفية وسطوع الإنارة في واجهة المشهد لترسم للمشاهد مشهدًا دراميًا متكاملا عن الحالة المعبر عنها .عند تأمل لوحة (رقصة الفلامنكو ) للفنانة موضوعة البحث إذ عمدت على تصوير الأنثى في حالة استدارة الجسد بقوام ممشوق منتصب دون ترهل واستخدمت ذات التكنيك الذي يصور الجسد في حالة انتهاء حركي صفري وهو لم يكن مواجهًا للمتلقي؛ بل إنَّ خلفية الجسد أصبحت في الواجهة لكنَّها تركت الوجه في مواجهة كتلة لونية تعبر عن ضراوة النار ووهجها، فشكل النار واللون الأحمر القرمزي  للفستان وحركة الجسد مشهدًا تعبيريًا عن حالة الطاقة المتدفقة للأحاسيس الأنثوية في الحب واللهفة والرغبة والانصهار الروحي، بمعنى أنَّها حالة النشوة للجسد والروح في حالة الانغمار  .المذهب الرومانسي في حقيقة الأمر هو التعبير عن الذات وما يكتنفها من مشاعر وأحاسيس وكذلك تعبر عن قدرة الفنان على التخيل والانطلاق وعدم اتضاح حدود جنوح خياله وتصوراته ليعكس ما يختلج ما بنفسه من مشاعر وانفعالات (وكان من نتيجة ذلك نشوء الرومانسية الجديدة ودعوتها إلى الربط بين العاطفة التلقائية والإرادة الواعية في وحدة فكرية وعاطفية، ومن ثم نشأت الرومانسية الجديدة حاملة معها أكثر المعتقدات القديمة للرومانسية. وقد اعتنق كثير من الحداثيين الرومانسية بل عدها بعضهم أحد اتجاهات الحداثة) فالفنان الرومانسي إنْ صح التعبير لابد أنْ توائم وتنسجم مصوراته مع أفكاره وأشكاله وألوانه وباقي عناصر اشتغالاته.والمشاهد للوحات (روبي العلواني)  سيلمس أنَّ العناصر اللونية الموظفة في غالبية أعمالها ولا نقول كلها قد هيمن عليها اللون الأحمر وتدرجاته، وربما يشكل هويتها الذوقية واللون الأقرب إلى روحها (دلالات اللون الأحمر في علم النفس فهو يدل على الإشراق، والإثارة، والمشاعر القوية، حيث يربطونه بالحُب إلى جانب الراحة الداخلية، كما يعتبرونه أيضًا لونًا شديدًا أو حتّى غاضبًا يخلق مشاعرَ جيّاشة، وفي اللغة الإنجليزية تُستخدم كَلِمَةُ “أحمر” ضمن كلمات مركّبة تدلُّ على معانٍ عدّة).

وكذلك توظف اللون الأسود في لوحاتها (ويستخدم اللون الأسود في الترميز والدلالة على الشخصيات الغامضة التي تلفها الأسرار والألغاز، وغالبًا ما يرتبط اللون الأسود أيضًا بالسحر والشعوذة وهذا وارد في ثقافات بعض الشعوب المختلفة، كما يرتبط اللون الأسود بالحداد والموت والمصائب والهم، ويرتبط بالشكليات، ومن دلالة اللون الأسود التحكم بزمام الأمور وتعزيز الثقة بالنفس، ولهذا السبب يقوم بعض الناس باختيار ارتداء الملابس السوداء، ولربما إبراز ما تمثله شخصياتهم، فاللون الأسود هو لون مرتبط بالأناقة وبعالم الأزياء ).وكذلك  تستخدم اللونين الأصفر والأبيض في مختلف أعمالها  (يُعتبر اللون الأصفر من الألوان التي تمنح الشخص الذي يختاره الطاقة والحيوية، كما يمد اللون الأصفر صاحبه بالحماسة، والأمل، والبهجة، وهو على غرار ما يُعتقد عنه بأنّه لون يدل على الغيرة، إنَّما هو لون يدل على الفرح، لذلك لا ضير في إهداء أحدهم باقةً كبيرةً من الزهور الصفراء، فذلك يدل على الفرح والطاقة الإيجابية، ممّا ينعكس على يومه) و (يعتبر اللون الأبيض رسالة سلام، حيث يعكس اللون الأبيض حالة من السلام والحب، ولا عجب من استخدام اللون الأبيض في الرايات الخاصة باستسلام الجيوش، فاللون الأبيض يستخدم دائمًا في إعطاء شعور عام بأنَّ صاحب اللون الأبيض راغب في الاستسلام وعدم القتال، وأنَّه متصالح مع نفسه ولا يرغب في الدخول بأي معارك مع الأخرين )، وكل لون من هذه الألوان له دلالاته التعبيرية في المشهد البصري الذي تشكله ( روبي ) .لقد تكللت تجربة (روبي)  ليس بالرسم الحركي والبورتريه بل تمكنت من تصوير المناظر الطبيعية الحية بذات الأسلوب الرومانسي وكأنَّها تصور لنا أمكنة الحلم وهذه المناظر مليئة بالمشاعر الجميلة تبعث في نفس المتلقي روح التفاؤل والأمل وهي محاكاة جميلة بين الذات والمكان  كما في لوحات ( زوارق الأمل وأطياف الشفق ) .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*