كليمت وبتهوفن للفنان والكاتب عبد الرازق عكاشة

871

علاقة الموسيقى بالرسم،أم كلثوم والجزار،حامد ندا وفيروز،نعم إنها مقارنات تعد ضربًا من الخيال ،خيال مرتبط  بأمزجة الشعوب وظاهرة نقاء المبدع،روحه الشفافة التي تحلق في فضاء من السمو .
سألتني السيدة المحترمة زوجة الفنان الناقد المرحوم محمود بقيشيش،الذي التقيت به في المغرب1997،فى مؤتمر حقوق فناني العالم العربي والدولي برعاية اليونسكو.
هو قادم من مصر مرسل من النقابة ليس معه جدول أعمال ولاحتى موقع المؤتمر ظل يومًا كاملاً يلف في الشوارع في جو حار رهيب إلى أن وجد (يافطة)  بالصدفة عليها اسم المؤتمر كان الرجل مريضًا جدًا، فقط تم إرساله للمغرب لشراء صمته .

مع الاعتراف بأن ما قدمه المرحوم محمود بقشيش كان مشروعًا موسيقيًا في الظل والنور وكان عرضًا رائعًا تضامن معه النقاد في هذا العام.
أما أنا فكنت مرسل من اليونيسكو مستشارًا فنيا،ما حدث داخل المؤتمر قصة كبيرة كتبتها في ذلك الحين في أخبار الأدب ومجلة إبداع وكتبها هو في مجلة الهلال وكتبتها الرائعة المرحومة زهرة زيبواي في الصحافة المغربية وشاهد على الأحداث الفنان العراقي الراقي إياد شلبي لكن لسرد القصة مكان آخر.
اليوم تذكرت أعمال المرحوم الناقد  المرحوم محمود بقشيش،د/ محمد عرابي، في هذا البينالي سؤال السيدة حرم الفنان محمود بقيشيش والتي سألتني مع طلب أن أقف بعدد  من الأسطر بهدوء عند علاقة بتهوفن بكليمت .

الرسام كليمت والموسيقى بتهوفن
من خلال تحليل لما ذكرت عن التحولات عند كليمت وهي ثلاث تحولات أولها علاقتة  الحسية  بالموسيقى،ثم مرحلة 1914وفاة أمه، وأخيرًا 1917 سجن صديقة “شيلي”.
أعتقد ان كليمت كان في حاجة ماسة للهدوء والراحة بعد فترة الثلاثينيات والأربعينيات من عمره تلك الفترة التي ازدحمت اللوحة بالعناصر و تركيب الجمل اللونية القوية فترة المغامرات،النساء،الأولاد ،الطلاب، الصراعات والمشاكل، كليمت كان في حاجة لتغيير لحمة اللوحة،جسد العمل والمفهوم ثم الاشتغال على الإدراك لما وراء الفكرة والابتعاد عن التعبير والجماليات المباشرة حتي تغيير فلسفة اللون وتحويل أهداف بحثه .

عمر جديد وقصة معرض 1905 
في مطلع الخمسينيات من عمره  وفي  معرضه بجمعية  “المنسحبون” 1905،وجد في موسيقى بتهوفن حل لوجدان مرهقة أتعبها الزمن خاصة  السيمفونية التاسعة لبتهوفن التي تحتوي على واحدة من أشهر الألحان التي كُتبت على الإطلاق منذ أول ظهور لها في عام 1824،مستندًا إلي  قصيدة  شيلر التي كتبها عام 1786 والتي تُمجّد فكرة إنسانية عالمية (الإنسان محور الكون ) هنا (مثلث ) جديد يكتمل بكليمت الرسام،الإنسانية تتلون بين الشاعر والموسيقي وأخيرًا الرسام،بالطبع هذا كثير علي جهلة أمون مدرسي الكلاسيكية المغيبون أما الحركة الختامية في السيمفونية، التي تجمع بين الأصوات البشرية والأوركسترا،والتي  تحتوي على حالة استفزاز لوني لكليمت توازي الاستفزاز الإنساني الرائع في القصيدة كان بتهوفن يرسم الأفكار وكليمت كلما سمع صوت خربشات الموسيقي انتفض يرد باللون،الإعداد الموسيقي للنص في أواخر العشرينيات من عمر بتهوفن والنظر إلى الإعجاب  بنابليون،الحالة الثورية في القصيدة  للثائر بتهوفن هي نفس حالة المتمرد كليمت الزعيم،نعم،المجد لمن قالوا “لا” في وجه من قالوا المجد لأمل دنقل وتي اس اوليت والزعيم بودلير في ديوان أزهار الشر نعم البقاء للمنتفضين من أجل الإنسانية والموت حتمًا للمنافقين وعابري السبيل في الاشتغال بالفهلوة .

اعتماد بتهوفن علي قليل من الشخصيات،البحث عن التبسيط  موازي إلي حالة كليمت فهو في حاجة إلى التجريد،الاختزال، صوفية الإبداع،سمو اللون،رقي الفضاء،الاستغناء عن الشوائب البصرية حتى لو أعجبت الجمهور في  فترات سابقة  فهو المتمرد على التمرد،هو يريد رسم ذلك الشيء الذي لا يرى بالعين المجردة وهذا درس مهم عزيزي الباحث عزيزتي الفنانه لكل فنان مزيف غشاش يرسم لك لوحة  لأم كلثوم  أو نجاة وشادية وغيرهم،وأحيانًا الرسام أوالرسامة يكتب اسم الأغينة علي اللوحة .
ياعزيزي المتلقي،إذا أردت أن ترى موسيقى أم كلثوم انظر للوحات الجزار،السد العالي، تأمل ذلك الفراغ اللوني في علاقات حميمة بين الناس وموسيقى أم كلثوم، ارسم مشاعرك، هذا هو الفن؛لا ترسم أهدافك فسوف يفضحك الزمن،أغنية قصة السد كتبها عزيز أباظة ولحنها رياض السنباطي، انظر للوحات محمد ناجي وأنت تسمع عبدالوهاب،النيل نجاشي السيد درويش و سيف وأدهم وانلي المشاعر المتبادلة الإنسانية الظل والنور في صوت الموسيقى،انظر للوحات حامد ندا وأنت تسمع فيروز تأملوا،أرجوكم ياشباب،أما الرسامين الذين يتاجرون بالملامح بمنديل الست فهي أعمال تجارية بحته.

كليمت الرائع قدم لنا فراغ لوني لرسم موسيقى لم ير بالعين إنما يتحسسة الوجدان العطشى للمحسوس و ليس للمادي لدى العبقري بتهوفن
أعمال  فيها تصوير  بين اللحظة الحسية الحية والتاريخ في الأساطير الإغريقية عند  الفنانين (الافنجارد ست ) الطلائعين في تلك الفترة منهم “رودان” النحات شخصيات أسطورية كانت تصاحب إلقاء الشعرعند الإغريق وبالتالي وجودها في اللوحة يعبر عن الشعر الموسيقى في آن واحد، أو أن الكورال في مقطع من السعادة في السيمفونية يتغنى بقبلة إلى كل العالم، الجائع من المحبه كليمت يامن عملت على (دوشة) وجدان المتلقي باللون والعنفوان اليوم تأخذنا في أعماق  بحر آخر،نعم،أقل هياجًا، بحر بلا أمواج ولا طوفان مع  موسيقى العبقري بتهوفن.
تريد ربط ذلك الفضاء اللوني بتلك الصعقات الكهربائية وقلبنا يرتعش مع مطلع وإنزال عصى العازف المايسترو في يد سباح القلوب سيد المشاعر الثوري .
وأخيرًا اللوحات المصاحبة لهذا الفصل لا تفسر لا تبحث عن شكل فيها عزيزتي،عزيزي،أخرج قلبك اجلس معه على رصيف قهوتك استبدل سكرك  بمعلقة من عسل النحل  لربما ترى ما عجزت أنا عن شرحه وايصاله لك ربما تصل مباشرة  لفكرة اللوحة البحث عن السعادة للبشرية في الموسيقي ومشاعر “شيلر” العبقري .

تعليق 1
  1. نبيل نجم يقول

    مقال رائع تحياتى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*