قراءة إبداعية في لوحة ”ترانيم” للفنانة التشكيلية السعودية جواهر السيد

قراءة الكاتب المغربى علال فرى

1٬312

سواد و بياض و ما يشبه أشباحا قادمة من عمق نفق. و نظرات ثلاث نساء مركزة في الهدف.. ألا و هو المتلقي. نحن. لا تعابير حية في وجوههن و لا في نظراتهن، و الأيادي مسدولة كأن قوى خفية تدفع بهن نحوك. في المجمل، اللوحة فيها حركة غامضة لولبية قادمة من عمق اللوحة إلى خارجها، و استفهام يتشكل بالقوس و بانسحاب اللون الأصفر الذهبي إلى اليسار على فستان المرأة الآتية من جهة اليمين انتهاء إلى أسفل فستان المرأة التي تتقدمهن في الوسط.

هذه اللوحة تختزن تفاصيل كثيرة تدفع بي إلى تصنيفها كلوحة رعب؛ إذ إن حركات سحب الصباغة في اللوحة في مجملها تقريبًا تبني جوًا عامًا تستحوذ عليه البرودة في فضائها العام و برودة نظرات النسوة الثلاث و ثقل و بطء حركتهن إلى الأمام، أي نحونا كما اسلفت، ذلك ما يبدو من النظرة الأولى. هن نساء قد يبدو من بعيد أنهن ينتمين من خلال لباسهن و من خلال توزيع اللون الأصفر الذهبي على شعرهن و على صدورهن، إن بالجواهر، أو على الفساتين بزركشة نسيج الموسلين و الحرير و تنميق حوافيه و جوانبه بالدانتيل، قد يبدو قبل اقترابنا من اللوحة أنهن نساء من الطبقة الأرستقراطية الأوربية بخلفية قوس من أقواس الصالونات الكبيرة الفاخرة التي تميزت بها قصور العصر الذهبي الأوربي.
إلا أن المحيط الأسود العام للوحة و اللمسات البيضاء القليلة التي يغطيها اللون الرمادي المسحوب على البياض، و الفساتين السوداء، تشي باكتناز اللوحة بأجواء الليل؛ أجواء ليل ليس كأي ليل في ذلك العصر، لكن ليلنا في هذه اللوحة أقرؤه قوطيا (gothic) بامتياز. فبصمات أجواء هذا اللون و الاتجاه الغرائبي الذي يمثله تمتليء بها و به لوحتنا، سواء من حيث اختيار و توزيع الألوان أو من حيث هندسة الأشكال أو من حيث موازنة الأبيض بالأسود و انسحاب مساحات النور و الظل التي تشكلت من توزيعهما في اللوحة و أوحت بأن إطارها الزمني ليلي و أن روحها العميقة كلها رعب أو دفع إلى الرعب.
إنها لوحة احتفال بالدم على الطريقة القوطية في الثقافة الغربية، و هذا ما يعكسه على الأقل اللون الأحمر الصاعد من ‘جذور’ النسوة أو من أقدامهن و هن قائمات متدليات الأيدي كالأشجار التي تؤثت فضاءات الرعب في أدب و سينما هذا اللون التعبيري، ذلك اللون الأحمر الذي يصعد في اللوحة بالتشرب ليغذي هؤلاء النساء الثلاثة و ليطرد عنهن لون الاختناق الأرجواني من على أجسادهن و من على وجوههن.
لوحة ”تراتيل” في مجملها تبعث على الإصابة بنوع من الدوار اللذيذ الذي يجذبك ليدخلك إليها خارج إرادتك، خصوصًا إذا كنت رجلا، لكن و أنا أقرأ هذه اللوحة بمسحتها القوطية هذه، مما تجمع لدي من معلومات ضئيلة جدا عن هذا العالم الخيالي، و دون أن أدعي أنني أتقن فن النقد الأدبي أو الفني، هذا العالم الخيالي في صيغته الغرائبية الغريبة الغربية سواء في أوربا القرون الوسطى أو في أمريكا القرن التاسع عشر مع إدغار آلن بو، أتساءل في ذات الوقت، ماذا قد تعني كل هذه الألوان و هذا التوزيع للظلال و القوس و حركة الرعب السائرة إلى الأمام أو التي تتقدم إلينا خارجًا من عمق اللوحة، و النساء شبه المختنقات اللائي يمثلنها في تقدمهن البطيء نحوك ؟ ماذا يعني هذا الاختيار أو هذا التأثر عربيًا مع مهندسة و مبدعة اللوحة التي تقدم لنا هذا العمل مثلا، السيدة جواهر السيد، الفنانة التشكيلية السعودية التي لا يخفى اسمها على من يهتم بحركة التشكيل في المنطقة الخليجية و تواصلها مع النظراء و الأنداد من هذا اللون في الامتداد العربي و الأوربي ؟!
ماذا تريد لوحة تمتح من العصر الفيكتوري في أوربا بكل مسحتها المرعبة القوطية تلك أن تمرره إلينا كخطاب بلغة اللون و الشكل و بحركات و ميل الخطوط و صراع الظلال مع النور ؟ إن الأسئلة التي طرحتها هنا أسئلة كبيرة و ثقيلة فعلا، و إنني لم أطرحها عبثا؛فمن خلال اطلاعي البسيط المتأخر مؤخرا على بعض من اللوحات التشكيلية لثلة من الفنانين و الفنانات العرب من الخليج و من المغرب العربي و من الشام و قراءتي و متابعتي لبعض الحوارات و المناقشات حولها أثار انتباهي نقد جريء رأى بأن الفنانين التشكيليين العرب بعد اطلاعهم على الأعمال الغربية لا يعملون إلا على تقليدها و أنهم لم يمروا إلى مرحلة الإبداع.
و أنا أقرأ هذا الحكم على جانب من جوانب الفن التشكيلي، استوقفني هذا الرأي كثيرا و ذكرني بموقف لي من الحداثة و ما بعد بعد الحداثة التي نتسابق بالتراشق فيما بيننا بالكلام و الأحكام و الكلام المضاد و الأحكام المضادة كعرب خلفها و خلف أنوارها المزعومة البراقة، موقفي الذي أقول فيه بأننا لسنا بحاجة لمن يجرنا إلى الأمام و إن كان يبدو أن عربتنا قد أصاب محركها عطب ما و توقف عن الدوران.
أقول في نظريتي الخاصة أننا بحاجة إلى العودة إلى حيث توقفنا للانطلاق من داخل هويتنا من جديد و بروح فنية عالية تحرك معها جميع أوجه ثقافتنا عامة. فلما أنظر إلى لوحات الفنانة التشكيلية جواهر السيد، المتمردة بامتياز و القوية في تفاعلها بكل وضوح، و خصوصا باختيارها الوقوف على الأعمال الفنية للفترة الفكتورية في أوربا و اهتمامها و ولعها بالعمارة العثمانية، خطر لي أنها تنتقل عمليًا إلى مبدأ و روح الثورة على المألوف الراكد الحاضر باستدعاء أسباب انطلاق الحضارة الغربية من ماضيها و الآثار العمرانية لتوقف الحضارة الإسلامية لتصرخ بألوانها المتمردة القوطية المستوردة في وجه الجمود الحضاري الذي نعيشه و نرقد فيه و في وجه التسلط الذكوري الذي لا يساهم في تحريك عجلة الحضارة الإسلامية العربية و لا يدفع باتجاه استدعاء روح الابتكار و تجاوز ما يعرضه علينا الغرب مع تجاوز عقدة الانبهار بالإنسان الغربي و تصعير الخد لفنانينا و مبدعينا و علمائنا و مهندسينا المسلمين عربا و فرسا و عثمانيين.
إن الحضارة الإسلامية لم تكن لتقوم لها قائمة لولا الترجمة اليونانية و الانفتاح على العوالم الأجنبية و على الاختلاف و إيلاء الاهتمام بجميع ألوان الفنون خصوصا فنون الهندسة المعماريية و الموسيقى و الغناء. و هو ما يشبه في دفعته تلك دفعة الانفجار الحضاري الغربي أو الثورة الثقافية الغربية التي انطلقت مع فنانين ينتمون لمجال الرسم أولا ثم بعده نمت جميع المجالات الأخرى من خلال نمو و تحرك روح الفن في المجتمع. و إنني إن دخلت في تفاصيل هذه اللوحة فإنني لن أنتهي من تعداد أوجه الحياة و التمرد فيها بروح نسوية عالية تتحدى الرجل الذكر من أجل فرض الجمال على العالم، هذا الرجل الذي لا يظهر إلا في حالتين ربما في جميع لوحات فنانتنا التشكيلية السيد كأنما تريد أن تقول له بأن يتوارى إلى الخلف قليلا و أن يتواضع و ينصت كثيرا للمرأة، فإن النساء هن من زين وجه العالم في أكبر محطات نقلاته النوعية و في أكبر مراحل تقدمه سواء من داخل قصور سلطتي الحكم و المال أو من وراء ظهور الفلاسفة و العباقرة و الرسل و الأنبياء.
”تراتيل”، و إن بدت في ظاهرها تقليدًا لفن غريب علينا، إلا أنها لوحة أرادت الفنانة التشكيلية السعودية جواهر السيد أن تتناولتها من الناحية الروحية، أو إنها وجدت نفسها قد تناولتها من تلك الناحية، و إن الخطاب المتواري بداخلها الذي يشكل جسده اللون و تضاريسه حركة المسح و السحب على الألوان يقول أن ”أفسحوا يا رجال المجال للمرأة لكي تهمس لكم من حدسها الفطري و بروح الطفل العبقري من وراء أكتافكم لكي تتوقفوا و تلتفتوا إلى أصلكم كما فعل الأوربيون و لكي تتجرؤوا و تنطلوا من داخل عمارتكم و فنونكم العثمانية و الأندلسية عربيًا و من جميع الطوائف و الجنسيات.. إسلاميا…”.
إن لوحات جواهر، و من خلال هذه اللوحة كمثال، تعتبر في معظمها درعًا لها تحمله في يد لتستعمله في مقاومة السطوة الذكورية في مجتمعها، لكي تفرغ اليد الأخرى لريشتها و لكل أسلحة الرسم التي تتوفر لها من أجل أن تخط بالألوان و بالضوء رسالة تدعو العرب و جميع القوميات كمسلمين من خلالها إلى العودة إلى الوراء من أجل انطلاقة أصح لاستعادة الهوية و إعادة غزو العالم بالجمال.. و كفانا ظلامًا !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*