دانة حميدان ومغامرات في التعبيرية التجريدية بين رمزية الحركة واللون

3٬535

دانة أحمد حميدان ولدت في المنامة (في 1987) وأمضت بعض من طفولتها في أبو ظبي في مجتمع متعدد الجنسيات. وبعد الانتهاء من المرحلة الثانوية في إحدى مدارس البحرين العامة، أكملت دراستها في باريس في تخصص اللغات التطبيقية. كانت السنوات التي أمضتها في باريس فرصة لتختلي بنفسها مع عدد من المتاحف الفنية.
رغم عدم تكوينها الفني أكاديميًا إلا أن المرسم كان دومًا جزءًا مهمًا من منزلها، حيث كانت والدتها الراحلة من فناني الرعيل الأول في البحرين.
يمكن القول أن بداياتها في الفن كانت متقطعة ولا يمكن أن نعزوها لفترة معينة، ولكن تركيزها عليها جاء متأخرًا وبفضل الإغلاقات التي مررنا بها منذ بداية الجائحة. لقد شَاركت في عدد من الورش القصيرة في الطباعة مع بعض الأصدقاء الفنانين في البحرين مما فتح لها مجالاً إضافيًا في استكشاف مختلف المواد والتقنيات في الطباعة كخط إضافي على عملها. عدا ذلك يمكن القول أنها ذاتية التعلم، واستعانت في السنوات الأخيرة على عدد من المراجع والدروس العالمية الإلكترونية.كان لموقع عرب 22 هذا الحوار مع (دانة حميدان) لتحدثنا حول بداياتها الفنية التي انطلقت منها إلى عالم الفن التشكيلي.
بداية كيف تقدم دانة حميدان نفسها للقارئ؟
بعد عقد ونيف في حياتي المهنية التي ارتبطت إلى حد كبير بالكتابة في مجال الإعلام والاتصال، وجدت نفسي في نقطة ما أهرب فيها إلى عالم لا توجد فيه كلمات، ولا توجد فيه ما تصفه الكلمات، عالم لا يمكن وصفه إلا بالألوان والحركة، عالم مجرد من كل المفاهيم، حيث أحاول فيه إيصال حالات وجدانية أو نفسية لا ترتبط بالضرورة بالواقع، عالم أترجم فيه بعض الحالات العاطفية / النفسية المركبة إلى مجموعة الألوان التي أحسها.
ولا يسع من يتابع أعمالي إلا أن يلاحظ كيف أن الدائرة أو الحركة الدائرية ربما “تأسرني”، فللدائرة، والدوران بالنسبة لي رمزية كبيرة، ولكل شخص فينا ربما تأويله الخاص للشكل الدائري، والرمزيات التي تنتج عنه قد لا تنتهي، فالدائرة هي الحضن، هي رحم الأم، هي الانعزال مع النفس، هي المجتمع المتآلف، هي الخلية الواحدة المغلقة، هي التواصل هي اللانهاية، هي الكون كله، هي شكل الهالة، والدوران حركة المشاعر التي تعصف بنا، هي الأفكار التي تدور في رؤوسنا، هي التفاف الطاقة المتدفقة، والقائمة تطول..كيف كانت بدايتك مع الفن التشكيلي؟
لا يمكن أن أحدد بداية، هي علاقة متواترة أكثر منها بداية، هي فيض من المشاعر التي لا تحكى، وتناسقات ألوان كثيرة ترافقها، حتى تجلى لي يومًا أن هذا فن لم يلق له منفذ. وابتدأت هنا رحلة الكشف عن خطّي الفني ورحلة الجدل الداخلي الذي لا ينتهي، مشكلاً تذبذبًا في الانطلاقة.
أحسست بضرورة اتخاذي هذا المنحنى بشكل خاص بعد وفاة والدتي الفنانة (سميحة رجب)، إحدى فنانات الرعيل الأول، خريجة الفنون الجميلة من بغداد في السبعينات. لم أتلقى قط تدريبًا أكاديميًا في الفن، إلا أنني قد تشربت بعض الأساسيات التي طبعت في ذاكرتي مع ذكريات الطفولة، فالمرسم كان دومًا جزءًا من المنزل ورائحة الأصباغ تعيدني دومًا إلى الأزمنة الجميلة.
نشأت في أسرة فنية، ما أثر ذلك على الفنانة دانة حميدان؟
لم أكن أنا جزءًا ثابتًا في مرسم أمي، ولكن كان بيني وبينها دائمًا حوارًا يختلف عن الحوارات التي قد تكوّنها مع الأشخاص الآخرين، ورثت منها نظرتها المختلفة على العالم، وبعض الحوارات الداخلية اللامتناهية، بالرغم من أن أغلب خطها كان كلاسيكيًا وملاصقًا للهوية التراثية البحرينية، واخترت أنا أن أزيل أية شروط وارتباطات بالأنماط الكلاسيكية، لذا فكان من الضروري بالنسبة لي أن ابقي على ذلك الحوار حيًا بيني وبينها، تعويضًا للوقت الذي أحسست أنه داهمنا ولم نمضه معًا في المرسم.
كان لي اندفاعة جديدة في مجال الفن في بداية الجائحة، الجائحة التي أجزم أنها جعلت العديد من الناس يتصافون معًا، ويختلون بأنفسهم ويعيدون استكشافها. وكان هناك عدد من التشجيعات من عدد من الفنانين البحرينيين الذين اعتز بصداقتهم وأؤمن بثقل أعمالهم، وأشكر لهم كلماتهم التي كانت لي في وقتها وقع أكبر مما يتخيلون.أول عمل رسمته وقيل لك أنت فنانة.. ومن خلاله تم الاعتراف بموهبتك كفنانة تشكيلية؟
لقب الفنان لقب كبير يسعى أي مشتغل بالفن أن يستحقه..ربما يحد من ظهوري بعض من الخجل وعدم الاستقرار في الفن، لذا فكانت مجموعة الأعمال التي ظهرت وأخيرًا لمرأى ورأي الناس هي بعض الأعمال المتناثرة التي عملت عليها خلال فترة الجائحة.
إلى أي المدارس الفنية تميل دانة حميدان؟
أعتقد أنني أجد نفسي أكثر تحت التعبيرية التجريدية (Abstract Expressionism)‏، إلا أنني مولعة جدًا بالانطباعية، خاصة في أعمال (مونيه)، وعلاقته مع ضوء النهار وبشكل أكثر الضوء على مسطحات المياه، وبالأخص هوسه في تكرار رسم زهرات النيلوفر في بركة الماء، هوسه بحد ذاته كان مصدرًا للإلهام.
من هو الرسام العربي أو العالمي الذي أثّر بكِ كثيرًا على المستويين الشخصي والفني؟
من يأسرني أكثر من (مونيه) هو (فنسنت فان جوخ) وخاصة تأويله للحركة في لوحاته، وبالأخص في المناظر الطبيعية، حيث كان يوصل لك الإحساس بالحركة بانحناءات ضربات الفرشاة التي تجعلك تكاد تحس بالنسيم، أو بالحالة المشاعرية التي تنتابه وقت رسم هذا المنظر.
من الفنانين الآخرين أيضًا: فاسيلي كاندنسكي، ميشيل باسكيا، جاكسون بولوك، وروبرت ديلوناي. وأتخذ اهتمامًا خاصًا بكاندنسكي في الفترة الحالية.

حدثينا عن السنوات التي قضيتها في باريس.
أمضيت بعض السنوات في باريس كطالبة، وكان لي فترتها أفضلية الوقت والقرب من عدد كبير من المتاحف، الفنية وغيرها، كما أن المدينة ومعمارها مكان ملهم بحد ذاته. الحياة والدراسة في باريس طبعًا فتحت لي أنماط تفكير، وزوايا مختلفة لتحليل الأفكار والثقافات. تنوع الثقافات في مدينة عالمية كباريس، وتباينها، كان كسيمفونية ملونة انطبعت في تكوين شخصيتي. وكل مدينة سافرت لها أو عشت فيها أثر كبير فيمن أكون (والقاهرة إحداها).
لا يسعني الحديث عن مدينة بأهمية باريس بالنسبة لي، من دون الحديث عن القاهرة ومصر بشكل عام، وأهميتها من منظوري، فمصر، لمن يستطيع الإبحار خلال صخب الحياة فيها، وينظر إلى ما وراءها، لها طبقات عديدة من الثقافة والتاريخ، ولكل طبقة ألوانها وخطوطها في مخيلتي، وهذه الطبقات أكثر بكثير، وأهم بكثير من تلك التي وجدتها في باريس.كيف تقيمي الحركة الفنية التشكيلية في البحرين؟
الحركة الفنية في البحرين في ازدهار مستمر، وربما سبق الحراك الفني في البحرين الدول الأخرى في المنطقة مع وجود جيل أول تعلم في شتى أنحاء الوطني العربي والعالم، وفناني الرعيل الأول من خريجي بغداد والقاهرة وباريس.. إلا أنني أرى أن المجتمع الفني البحريني اليوم بحاجة إلى منصات أو حركات ذاتية تجمع مختلف أنواع الفنانين، وتجمعهم بالأجيال الجديدة، ومنصات \ حركات تجمعهم أيضًا بالمبدعين في نطاقات أخرى لخلق تبادل يفتح آفاق أبعد، وفرص جديدة. أتطلع في المستقبل القريب إلى وجود ثقافة الأعمال المشتركة وتبادل الخبرات ومساحات العمل المفتوحة وتبادل الآراء.هل وصلت الفنانة التشكيلية البحرينية إلى المكانة التي تليق بها؟
لم تعد قضية وصول المرأة بشكل عام في البحرين جدلية مطروحة، فلطالما كان للمرأة حضورًا ومشاركة فعالة في جميع نواحي الحياة في البحرين وبشكل لا يختلف عن الرجل بتاتًا، ومجال الفن التشكيلي لا يختلف عن ذلك في شيء.

ما هو جديدك في عالم الرسم والتصوير؟
قمت مؤخرًا بالمشاركة في عدد من الورش في مجال الطباعة، بمختلف أنماطه، الحفر على اللاينو والخشب والبلاستيك، وأقوم بين حين والآخر باستكشاف مواد وطرق غير تقليدية قد تنتج عنها أعمال طباعة تقارب جودة الطرق التقليدية، وأتمنى التطور في هذا المجال أيضًا حيث هناك متعة لا مثيل لها لحظة الكشف عن العمل.ماذا عن هواياتك الأخرى؟
إلى جانب التصوير والسفر والاطلاع على الثقافات، لدي حب منذ الطفولة للموسيقى والغناء.
أخيرًا إلى ماذا تطمح دانة حميدان؟
أطمح إلى أن يكون الفن عابرًا لكل الحدود، وأن يكون الوعي بالفن بجميع مدارسه أوسع لدى جميع فئات المجتمع، وأن يصبح تذوق الفن من الأساسيات التي نربي أطفالنا عليها، كما وأنني بالطبيعة أطمح طبعًا إلى المشاركة في المعارض محليًا وخارجيًا، والتعرف على المزيد من الفنون والفنانين من جميع أنحاء العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*

ArabicEnglishFrenchGermanHindiItalian