تضاريس الأنثى وانسيابية البحر والحرف فى أعمال الفنان خالد الفقى

10/10/2020

1٬204

بقلم / د.فوزية ضيف الله،جامعة تونس المنار

سيرة موجزة:

خالد الفقي فنان تشكيلي تونسي، خريج المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس (2002)، حاصل على الماجستير في علوم وتقنيات الفنون من المعهد نفسه (2005). عضو في إتحاد الفنانين التشكيليين منذ سنة 2008.تولى تدريس الخط العربي بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس  والمعهد الأعلى لأصول الدين بتونس من سنة  2004 إلى سنة 2009، ثم تولى تدريس الرسم والنحت بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد  من سنة 2009 إلى سنة 2014، ويشتغل  منذ سنة 2015  أستاذ رسم بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس. 

شارك في عدة معارض جماعية منذ سنة 2000 بتونس وبالخارج، وكانت له معارض فردية من بينها ” حروف..ألوان..” (نوفمبر2008) بدار الثقافة ابن خلدون تونس، معرض فردي “برواق قمودة” بالمعهد العالي للفنون و الحرف بسيدي بوزيد” سنة 2010، معرض فردي بدار الثقافة ساقية الزيت سنة 2016. 

و نظم مؤخرا معرضا فرديا بعنوان “مقامات لونية” (2019). وكانت له تجربة مع المعارض الثنائية رفقة الفنان التشكيلي  برهان بن عربية، “بعنوان رباعيات” برواق محمد الفندري القصبة صفاقس 2019.  كما شارك الفنان خالد الفقي في عدة تربصات تخص النحت والرسم والخط العربي، ويشرف على حلقات التكوين في الخط العربي والرسم في العديد من المؤسسات الثقافية والأروقة الخاصة، داخل تونس وخارجها.

حروف وألوان وأشكال:

تختلف أعمال الفنان التشكيلي خالد الفقي بين رسم ونحت وخط عربي، جامعا أحيانا بين الرسم والخط، أو بين النحت والخط. غير أن هذا التنوع لا يدل في حقيقة الامر على اختلاف أو تباعد بين الأعمال. ذلك  حركة الحرف، هي نفسها حركة اللون، وحركة النحت. 

إنّ ما يتغير هو التقنية أو المحمل، ولكن الحركة التشكيلية تظل هي نفسها، في تموّجاتها العائمة، وفي تفاصيلها المحفورة، أو المكتوبة، أو الملونة.

يرتسم الفضاء التشكيلي في اللوحة لدى خالد فقي على شكل جزيئات متموجة، عائمة، متموجة، كأنها حيتان صغيرة، مختلفة الألوان والأشكال. لا يتهأ للفضاء التشكيلي أن يستقر على حاله سواء لدى الفنان أو لدي المشاهد. وتنبع من فضاء اللوحة ألوان الحياة المتوهجة والحارة، وتتساقط أحيانا على شكل لعب حر للذائقة الفنية. 

إن اللعب بالألوان في اللوحة يرافقه لعب بالأشكال، تنحرف الألوان عن مسارها، وتعترضها مسارات أخرى، وتشقها أشكال متداخلة مجزأة ومفردة، ثم سرعان ما يجمعها من جديد في مفترق الألوان، على هيئة زعانف متموجة، أو أجنحة تحلق في سماء اللوحة.

يختار خالد الفقي،  قامات ثرية وزاهية من الألوان، تجعل من اللوحة منبعا للبهجة، وكذلك أفقا للتأمل التشكيلي اللامتناهي.  تنغلق اللوحة على أفق واحد، بل تظل منفتحة على قراءات مختلفة وعلى مسارات بصرية متنوعة.

إن حركة اللون متماهية مع حركة الشكل، ولذلك فإن التوجه البصري للمشاهد نحو اللوحة، يتوه بصره بين هذه الموجات المنسابة والمتدفقة.  

تتسم اللوحة لدى الفنان خالد الفقيه بالاشباع البصري، واللوني، وكذلك تكون مفعمة بقيم التفاؤل والفرح، وتبعث في نفس المتقبل رسائل الاقبال على الحياة من خلال الثراء اللوني والشكلي، ومن خلال مساحات التأمل المنفتحة التي تترك للمتقبل فرصة للاقلاع خارج اللوحة وبعيدا عن اطارها.

انسيابية الحرف والبحر:

أغلب حركات اللون هي نفسها حركات الحرف، تكون على هيئة موجات البحر، هادئة حينا، وهائجة حينا آخر، رقة حرفها تتناقض مع قوة حركتها، تنساب انسيابا خفيفا في مظهره ولكن قويا في عمقه. تجرف معها اللون الأول لتستبدله بآخر، وتنطوي تحت حرف، لتنطق بغيره. وكأنها سنفونية صامتة مركوزة في أعماق النفس. تستدعي المشاهد الة الانصات رفقة المشاهدة، وتتحرك العين أمام اللوحة متبعة حركة الحرف المتموج، عازمة على الامساك بالدفق الخلاق، ولكن الحركة لا تنتهي، ولا يكف السيل الحيوي عن التدفق الصامت. 

تظهر حركات البحر، وصور المراكب، وصور الأسماك، مختفية في طيات اللون، ولكن المتمعن في التجربة التشكيلية للفنان خالد الفقي، يفهم تأثير عوالم البحر على رسمه ونحته. وتتمازج هذه التجربة الفنية مع مرونة وتعرجات الخط العربي، لذلك نلحظ تواتر حضور الخط في بعض اللوحات، فيعهد الخط بتعميق الحركة نفسها وفي التشديد على أن الحرف العربي حرف متواتر الحضور في الطبيعة أو هو مشتق من حركاتها أساسا.

 تموجات اللوحة وتضاريس الأنثى:

إذا تأملنا حركة النحت في منحوتات خالد الفقي، سنلاحظ أن حركة الموج، هي التي تقيم في جسد المرأة المنحوتة، وأن تضاريس المرأة الجسدانية هي التي تؤثث فضاء اللوحة ألوانا وأشكالا متموجة. يعني ذلك أنه ثمة تلاؤم كبير بين بناء اللوحة والمنحوتة وكذلك تشكيلية الحرف العربي. فالملهمان الأساسيان للفنان هما البحر والأنثى. وادخال الخط للوحة هو ضرب من جعلها لغة للأنثى الصامتة في النحت والمتحركة في حركة النحت المتموّجة. 

يبدو عالم الفنان مائيا بامتياز، فحتى النحت هو الآخر ينساب في سياقاته المتحركة مع تدفق الماء، وتغنج الأنثى، لذلك فإن حضور الحرف على بعض المنحوتات كذلك هو نمط من التعبير على أن تجربة التشكيل لديه هي تجربة حياة بالأساس تتغذى من محيطه البحري، وكذلك من حركية المدينة والمرأة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*