المعلم الأول: الفنان اليمني هاشم علي 1945 – 2009

8/6/2021

0

كتب/ غازي انعيم

تعد تجربة الفنان اليمني الراحل (هاشم علي) واحدة من التجارب البارزة والمهمة في الحركة التشكيلية اليمنية، ورائدها بدون منازع.. وقد مرت تجربته منذ بداية ستينات القرن الماضي حتى رحيله بعدة مراحل.. كان خلالها من أكثر الفنانين إثارة للدهشة على امتداد تاريخ الفن اليمني؛ وهذه التجربة التي كان هاجسها محاكاة الواقع.. انطلقت بأول معرض شخصي عام 1967 م، من مصادر واقعية كأسلوب للإفصاح عن الانفعالات والأحاسيس الإنسانية.. والمتابع لحركة الفن المعاصر في اليمن، سيلاحظ بلا شك أنه أول فنان يمني يفتح مرسم شخصي له ويكرس جهده لتدريس الفن التشكيلي، لذلك يصفونه في اليمن بالمعلم الأول؛ كما أن ما خلّفه هاشم علي خلال سنوات حياته من لوحات فنية، لفتت إليه الأنظار، وكسبت له المجد والشهرة.. ويمكن القول إن ما من فنان آخر سبقه أو استطاع ـ مثله ـ أن يعبّر تعبيراً صادقاً عن الأجواء اليمنية أو المحيطة به أو الظروف التي عاشها.

في ضوء ذلك ” يعيش المرء ويموت في ما يراهن لكن ما يراه هو ما يحلم به وحسب “. هذه العبارة المأثورة (لبول فاليري) قد تنطبق أكثر ما تنطبق على هاشم علي، كان فنانًا عاش طيلة عمره لا يستمد من الواقع إلا ما يسره وما يتفاعل معه فعلاً .. كما يعتبر (هاشم علي) إلى جانب الفنان (فؤاد الفتيح) الأكثر حضورًا وانتشاراً في اليمن ويعد بحق مؤسس الحركة التشكيلية اليمنية.

ـ ماذا عن هذه التجربة التي ساهمت في تأسيس وانطلاقة الفن التشكيلي اليمني؟

ـ ما هي أبرز مراحلها؟

ولد الفنان (هاشم علي الدويلة) في إندونيسيا عام 1945م، وكان والده الذي أنجب خمسة أطفال، كان آخرهم (هاشم)، يعمل تاجرًا متنقلا، ما بين اليمن وإندونيسيا، ولم يكن بين أفراد عائلته من سبق له الاشتغال بالفن. وفي المرحلة الابتدائية الأولى ظهرت موهبته بالرسم، لكنه لم يتمكن من متابعة الدراسة بسبب القرار الذي اتخذه والده بمغادرة إندونيسيا والعودة إلى حضرموت. حيث تابع فيها دراسته بالكُتَّاب.

ظل الرسم الشغل الشاغل للفنان (هاشم علي) الذي كان يريد أن يكون فنانًا يشار له بالبنان، لذلك بدأ هذا الصبي الحالم والمندفع يشق طريقه الفني ويعلم نفسه بنفسه. وفي الثامنة من عمره كانت تعتمل في نفسه، رغبة عارمة للعمل في النحت، وبدافع من حماسته تلك، قرر أن يتعلم النحت على يد الفنان ( علي علوي الجفري )، وأثناء فترة تعلمه التي لم تتجاوز الثلاثة أشهر.. كان يعمل بهمة عالية وبحماسة على سلسلة من التماثيل.. في هذه المرحلة من الطفولة لم يكن عارفًا إن كان سيركز على النحت أم على الرسم، لكنه في تقديري كان يرغب بالرسم من أجل التعبير عن الشكل الكامن في العقل، بهدف تقديم ما يفكر فيه بصورة أوضح دون غموض وبأقل التكاليف.

بعد وفاة والده عام 1955 م، مر الفنان ( هاشم ) بمجموعة من التحولات في حياته وفنه، فاضطر أن يترك الدراسة من أجل تأمين قوته اليومي، فعمل في بداية حياته في ورشة نجارة، ثم في مطعم، وعامل بناء، وخلال ستة أعوام تنقل من عمل إلى آخر، ومن محافظة إلى أخرى، ( حضر موت، أبين، الحديدة)، ومن ثم انتقل إلى مدينة ( عدن ) التي كانت واقعة تحت الاحتلال البريطاني وهناك تعرف إلى بعض الفنانين الموجودين فيها، وساعدته لغته الانجليزية على أن يطلع على تاريخ الفن اليوناني والروماني.. وتجارب العديد من الفنانين الأوروبيين، وبالذات الانطباعيين الذين تأثر بهم، أمثال (ادجار)، (فان جوخ)، (كلود مونيه)، (بيسارو)، كما بحث في التكعيبية التحليلية، والتكعيبية التوفيقية.. وكان يتابع كل مستجد فيما يتعلق بالفنون البصرية.

في هذه الفترة كانت الفنون التشكيلية في (عدن) ذات رواج، وفيها بدأ الفنان الدءوب (هاشم علي) يبحث في عوالم الفن من أجل تحقيق رغبته في الاحتراف الفني.. واستطاع أن يقيم توازنًا بين أحلامه في الحياة وبين الواقع المرير الذي عاشه. ولو لم يركز (هاشم علي) على تنمية هوايته الفنية بتواصل، لانتهى كما انتهى غيره من المغمورين الذين لا حصر لهم من ضحايا الواقع الاجتماعي لأن الفن لم يكن مقبولا في تلك الأيام.

في 26 / 9 / 1962 م، هبت رياح الثورة المجيدة التي انتصر فيها الشعب اليمني على قوى الظلم والتسلط والاستبداد، وفي نفس العام غادر (هاشم علي) إلى الجزء الشمالي من اليمن، ومع انتقاله بدأت الخطوة الجادة في دروب الإبداع لهذا الفتى الذي لم يكمل السبعة عشر ربيعًا.

مع انطلاقة ثورة أكتوبر عام 1963 م، من جبال ( ردفان ) ضد الاستعمار البريطاني، انطلق الفنان (هاشم علي) الذي عاش أعوام مليئة بالمغامرة والفقر والمعاناة إلى مدينة (تعز) باحثًا عن عمل، وعن محطة يحاول فيها الفنان استرداد أنفاسه؛ ليمضي في نزهة وادعة عبر عوالم اللون.. للتعبير عن الناس، وهمومهم وقضاياهم الحياتية اليومية، إضافة إلى التعبير عن المدينة، والطبيعة. كما ربط بين جمال البيت اليمني، وما فيه من عناصر تراثية.. فكان لجمال مدينة (تعز)، وتنوع تضاريسها، وتراثها الفلكلوري، وعراقة حضارتها، الأثر البالغ في نفسه، مما جعله يعبّر عن أحاسيسه، ومشاعره، بطريقته الفنية الخاصة.

في 30 من نوفمبر 1967م، بزغ فجر الاستقلال اليمني بفعل تضحيات المناضلين اليمنيين ومعه بزغ أول معرض للفن التشكيلي اليمني للفنان (هاشم علي)، وهذا المعرض الذي أفصح عن أسلوب الفنان تضمن العديد من الموضوعات المستقاة من الواقع والبيئة اليمنية وعكست رؤيته للجبل، والبحر، والأودية.. وقدم العمارة اليمنية التي عاش بين ظهرانيها، والأشخاص الذين يعيشون فيها، وأحب أن يرسم كل ما يتعلق بالبيوت، والأزقة، والأسواق، والمهن الشعبية، والتعبير عن الملامح الشخصية للوجوه التي تمثل الفلاحين، والعمال، والحطابين، والحمالين، والصيادين، والأطفال.. ونشتم من خلال هذه الأعمال الفنية التي قدم من خلالها التحليل الفني الضروري لكل عنصر وشكل.. هموم الناس ورائحة الأمكنة.

كانت هذه المرحلة بالنسبة للفنان (هاشم علي) مهمة جدًا، حيث أكسبته خبرة في التعامل مع الفرشاة واللون، وإعطاء التعبير الفني المطلوب بالخطوط المعبرة عن الأشياء والأشكال، وكانت تلك هي البداية التي قدمت الرؤية الملونة للشكل وأعطته القدرة على رسم أي موضوع، وتحديد ملامحه.. وهذه البداية حملته إلى مدينة (الحديدة)، إلى مكان جديد، وآفاق جديدة باحثًا عن طريقة للعيش والاستمرار في التنقيب عن مواضيع جديدة من البيئة المحلية للحديدة، فيها تجديد وابتكار، وتلخص ثقافة الفنان ولغته التشكيلية الخاصة.

لكن ما لبث أن اكتشف (هاشم علي) في عام 1969 م حنينه لمدينة (تعز)، وناسها، ومناخها الذي أحب.. فقرر بشكل نهائي العودة لها ليتفرغ بشكل كامل للفن حيث أصبحت مدينة (تعز) نقطة انطلاقته بالنسبة له إلى جميع المحافظات اليمنية؛ ليستلهم من وحيها بعض المظاهر المألوفة والصور الإنسانية إلى جانب تصوير أجوائها المحملة برائحة الزمن العتيق.. على مسطحات لوحاته بأسلوبه الخاص الذي عمل على تطويره من خلال اكتساب المعارف الفنية اللازمة بالاطلاع على المذاهب الفنية المختلفة وعلى تجارب الفنانين الكبار؛ من خلال الكتب والمطبوعات التي حصل عليها من بعض المراكز الثقافية الأجنبية ومنها بشكل خاص (المركز الثقافي السوفييتي/ سابقًا)، حيث اطلع على تجارب أهم رواد الواقعية الاشتراكية.

لم يأل الفنان (هاشم علي) جهدًا في اغتراف كل ما يمكن اغترافه من المذاهب الفنية بنهم شديد، والاطلاع على تجربة هذا الفنان وذاك في سعيه الدءوب في ركاب الفن المعاصر. وهكذا تعرف (هاشم علي) على المذاهب الفنية، وعلى مفاهيم التعبير الفني باللون، وإذا أضفنا إلى ذلك كله، ما حمله من حب للفنان (فان كوخ) حيث شكلت انطباعيته بداية أسلوبه الناضج، ثم قلد (أدجار)، و(بيسارو)، و(كلود مونيه).. لكنه توصل بعد أكثر من عشرين عامًا من البحث والتجريب بالفن إلى حقيقة مفادها، أن المذاهب الفنية الأوروبية: ” ما هي إلا نتاج لأفكار تدور في دائرة مفرغة للبحث عن حلول لمشاكل المجتمعات عن طريق أشكال تقليدية ومهترئة “. وهكذا نستطيع أن نتعرف على المكونات الرئيسية لتجربته الفنية، ولشخصيته التي تلازمت مع تجربته.

وعلى الرغم من ظروف الحياة الصعبة، التي مر بها الفنان (هاشم علي)، إلا أن ذلك لم يؤثر على مسيرته الفنية التي أخذت تزداد أهمية، وبدأت لوحاته تتمتع بمنزلة خاصة، حيث شارك في معرض التشكيليين العرب الذي أقيم في الكويت عام 1973، لتبدأ من خلال هذه المشاركة ظهور ملامح هويّة الفن التشكيلي اليمني الحديث. شعر بعد هذه المشاركة بأن آفاقًا جديدة قد فتحت أمامه، كما أن هذه الأجواء مدته بالزاد الضروري ليصبح أول فنان يمني يحصل على منحة تفرغ عام 1973، كونه فنانًا من الطراز الأول.

في نفس العام فتح الفنان (هاشم علي) مرسمه الصغير المتواضع الكبير بعطائه إلى كل مريديه من فنانين وكتاب وأدباء ومثقفين عرب وأجانب.. كما أن المرسم، أصبح مقصد عدد كبير من الهواة والمهتمين بالفن؛ ليستفيدوا من خبرته، ونصائحه وآرائه التي كانت مفيدة لكثيرين من جيل الفنانين الشباب الذين تتلمذوا على يديه، وتخرجوا في أكاديميات الفنون.. وهؤلاء يعدون اليوم من أبرز فناني الحركة التشكيلية اليمنية، من أمثال: (حكيم العاقل)، و(آمنة النصيري)، و(طلال النجار)..

حتى أن الكاتبة السويسرية (لورنس ديونا) حين زارت مرسمه اندهشت لخبراته فقالت في كتابها (اليمن التي شاهدت):” كثير من الأوربيين المثقفين، ممن يحوزون مكتبة ومتحفًا، يعلمون عن فنهم أقل من (هاشم) اليمني المعزول في أقصى طرف العربية. لقد شاهد كل شيء وقرأ كل شيء: عذارى رافائيل، والرسوم الخداعة للباروكية، وزخارف الحصى للزخرفة المثقلة، وورقيات كورو، ونساء رينوار، وملصقات براك. وهكذا بالنسبة لهاشم، كما بالنسبة لكثيرين غيره، فإن سيزان هو سيّد الرسم الحديث”.

نستطيع التساؤل هنا، كيف تطورت تجربته الفنية خلال عقد السبعينات من القرن الماضي؟

إذا رجعنا إلى التجارب التي رسمها الفنان (هاشم) في ستينات القرن الماضي – المرحلة التكوينية – سنلاحظ أنه ألح على المضمون الإنساني والمكان، حيث توزعت لغته الفنية حسب المواضيع التي قدمها كما أنها اكتسبت أهمية كبيرة في رسم الشخوص والأماكن، ونلاحظ أن التكوين قد اعتمد على مساحات لونية.. وقد لاقت لوحات هذه المرحلة رواجًا عند العديد من المتذوقين، فلم يتم توثيقها، إذ كانت تباع عند تنفيذها مباشرة سواء لأشخاص أو مؤسسات رسمية.

الأسود والأبيض

سعى الفنان (هاشم علي) في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي من خلال بحثه الفني إلى مزيد من النضج والاكتمال فخاض تجربة جديدة اعتمد فيها على تقنية ” الحبر الأسود على الورق ” حيث برع في رسم مجموعة من اللوحات المستقاة من البيئة المحلية.. التي راح يطوف بها منتقياً بعض المظاهر التي اختصت بها أو حولها.. حيث عكس من خلال مسطحات لوحاته حب الفلاح اليمني للأرض وللمكان.. كما ركز في هذه اللوحات سواءُ كانت منفردة أو مزدوجة أو جماعية، على نقل العواطف المتباينة بوساطة الملامح المرتسمة على الوجوه، والإيماءات، والجلسات، والوقفات المعبرة والمجسدة في قوام الرجل أو المرأة اللذين بفضل ما تفصح عنهما حركاتهما، يشيعان جو من مشاعر الفرح والحب للأرض والحياة.. وكقاعدة عامة، فإن شخوصه رغم نحافتها وشكلها الانسيابي تتسم بالقوة والصلابة.. وهذا ما نشاهده في سلسلة لوحاته التي حملت العناوين التالية:” جنبية، راعية، صاحبة الدبية، ساقي، منشدين، علف، بائعة الملوج، المداعة، بائعة العنب 2، رقصة العصا، رقصة البرع، محنجل، بقرتي، صياد، رقصة الجنبية، أمومة، أنا والشمس، راعية 5، الحقل، جنبية “.

هذه اللوحات التي شكّل الإنسان موضوعها الرئيس في بعديها التشكيلي والتعبيري، ترصد مظاهر الحياة اليومية اليمنية، وهي لا تمثل مجرد انطباعات عن البيئة، وإنما هي دراسات أيضًا للتراث الشعبي اليمني، صاغها الفنان (هاشم علي) في تشكيلات مختلفة، ضمن تكوينات مدروسة، تجلت فيها قوة البناء ورسوخه بإحساس الرسام (الغرافيكي) المتمكن، حيث ركز من خلال الخط الأسود والأبيض على العنصر البنائي، والبنائية هنا لا تحتاج إلى ألوان تغني وإنما إلى الإيحاء بالصلابة والرسوخ..

كما اعتمد على الخط الأسود والأرضية البيضاء في إظهار حركة الإنسان، والحيوان، ومساحة الأرض من سهل وجبل، وتفاصيل الأشياء المحملة برائحة الزمن العتيق؛ ليجسدها بأسلوبه المتقن ضمن إيقاع حركي.

واستطاع من خلال التلخيص والتحوير لعناصره المتنوعة، أن يشغل مساحات لوحاته بقيمة خطية متنوعة، سيما أنه اعتمد على تنويعات الخطوط السوداء والمساحة البيضاء في إظهار تفاصيل موضوعاته المحببة، وهنا تبرز إمكاناته كرسام متمكن من خطه، وكمصور قادر على محاكاة الواقع والتقاط أكثر الصور إنسانية ليجسدها بأسلوبه المتقن.

وإذا درسنا العناصر التي ضمنها في لوحاته (رجل، امرأة، طفل، حمار، بقرة، ثور، ماعز، صبار، سمكة..). نجد أننا أمام عناصر مصاغة من جديد، فالرجل ليس الرجل الذي نراه في الواقع ففي لوحة (أنا والشمس)، نلاحظ أن الفنان ومن حيث التشريح قد بالغ في طول اليد اليسرى للحراث والتي امتدت نحو الشمس، وفي موازاة اليد امتدت أخمص القدم إلى نفس مستوى طول اليد. وفي لوحة (الصياد) بالغ الفنان في حجم الكف وأخمص القدم ليتناسبا مع الجسم الذي يحمل السمكة، وفي لوحة (بقرتي)، بالغ الفنان بحجم وطول البقرة من الناحية التشريحية عندما قام بمطها.. وأما لوحة (الجنبية) فقد بالغ الفنان في حجم الجنبية وكذلك في كفوف الرجل. وتنسحب هذه المسألة على لوحته الموسومة بـ (أمومة) حيث أصبح الطفل جزءا من الأم التي تحتضنه.

(هاشم علي) الذي استقى موضوعاته من الواقع، وصل إلى خصوصية جمالية وتعبيرية في هذه المجموعة من اللوحات.. حيث اعتمد فيها على الاختزال والتلخيص، وقدّم من خلالها رؤية جديدة ليست بمعزل عن المشهد اليومي للإنسان اليمني ولا عن الأرض التي عشقها فناننا.

لقد تعامل الفنان هاشم على خلال مسيرته الفنية، بتقنيتين، هما: (الألوان الزيتية) و (الحبر الأسود). ورغم استخدامه لهاتين التقنيتين إلا انه بقي على صعيد الأسلوب محافظًا على موضوعاته، وجماليات بيئته، وتراثه. ففي مجموع ما أنتجه من لوحات سواء في مرحلة ما قبل وما بعد التسعينات حتى رحيله، نلاحظ أنه عمل رصد مظاهر الحياة اليومية اليمنية بصيغة تسجيلية صورت التفاصيل الدقيقة والمشاهد المختلفة لمدينة صنعاء وتعز وتهامة، والطبيعة المحيطة بهذه المدن، وتوضّح لوحاته: (منظر من تعز 1، 2 ، 3 ، 6 ، 7 )، و (منظر من تهامة)، المدى الذي حظيت به هذه الطبيعة باهتمام هاشم علي.

وتدل هذه اللوحات التي شملت مشاهد مغمورة بضوء الشمس، أو مناظر ربيعية أو صيفية، على لحظة مهمة من أسلوب الفنان المتطور، حيث يقف الناظر مشدوهاً أمام المشهد المتخيل بهذه الحيوية المذهلة، والذي نفذ بألوان غنية من الأزرق والبنفسجي والأصفر والبني والأبيض، متناوبة مع الأخضر البارد على النباتات والأشجار والسهول، وهناك غوامق معدّلة بين آونة وأخرى بالأزرق الغامق تنسل عبر المياه والجبال بعيدًا، وينحدر ضوءها من السماء على المنحدرات المكسوة بالأشجار. هذه اللوحات التي تمثل الطبيعة الخلوية.. قدمت تأليفات جديدة مبتكرة، سواء بالمساحات اللونية أو بالخطوط اللينة.. وتميزت بثراء أعظم وبلون أبهى، عكست أسلوب وعشق الفنان للموضوع الذي يرسمه وهي خير شاهد على انغمار هاشم علي في الموضوع، الذي قرن الشعر فيه بالحقيقة.

كما انه أعاد صياغة وإنتاج العديد من لوحاته التي نفذها بالحبر الصيني (الأسود والأبيض)، على ضوء مفاهيم فنية محضة، فأعاد رسمها بالألوان الزيتية، ونرى ذلك في لوحاته عن: (راعية الغنم)، و (وارد الماء)، و (منشدين)، و (ساقي الماء).

من خلال هذه العناوين نلاحظ أن الفنان (هاشم علي) اكتشف أهمية الفن الشعبي وأوجد الأسس والمنطلقات لهذه التجربة التي أغناها بلقطات تمثل مشاهد يومية لعمل الناس سواء في المدينة أو القرية، إذ صور لنا النسوة بلباسهن المحلي وهن يقمن بعملية الرعي أو البيع.

إلى جانب موضوعات المناظر الطبيعة، عالج الفنان (هاشم علي)، في العديد من أعماله الفنية، مشاهد من مدينة (صنعاء) و(تعز) و(تهامة) بأسلوب واقعي مبسط، وحاول من خلالها تعريف المتلقي بالنسيج العمراني اليمني الفريد بجمالياته وخصوصيته الزخرفية، ويأتي تناول الفنان (هاشم) للطراز القديم من أجل التأكيد على النواحي الجمالية فيه، وليلقي الضوء على أهمية هذا التراث المعماري الذي يعكس الأصالة.

وكانت هذه المدن وتحديدًا مدينة صنعاء القديمة العامرة بأنفاس أهلها، مصدر وحي لا ينضب للفنان (هاشم علي) الذي قدم مشاهد مختلفة لما تحفل به شوارع المدينة، إذ صور لنا البيوت بأبوابها ونوافذها ومآذنها، كما سجل المشاهد المختلفة التي يراها في الطريق، مثل حركة الناس والباعة والأطفال وهم يتحاورون مع الكرة في الطريق.

وعكست تجاربه في موضوعات المدن اليمنية متانة العمل وقوة تأليفه، ووصل بلغته الفنية إلى كمال في الأسلوب عندما قدم بشكل مدروس ومتقن التلخيص للأشياء، والإيقاعات اللونية التي تخدم الموضوع، والذي جعل الموضوعات تحاط بها الأنوار من كل جانب، وتجعلها بمساحاتها اللونية أكثر إشراقا وحيوية.

ظل الفنان (هاشم) مخلصًا لأسلوبه الخاص، وذلك حين بدأ يرسم موضوعات مستقاة من الفولكلور اليمني، حيث نشأت رابطة روحية بينه وبين الأمسيات الموسيقية الجميلة، التي أثارت اهتمامه، وحركت مشاعره، حيث يتجمع الناس في جلسات طرب للغناء والعزف على الآلات الموسيقية البسيطة، كما في اللوحات التالية: ” المداح أو ضارب الطار، رقصة الجنبية، رقصة العصا، رقصة البرع، طبل ومزمار، الطار الباكي، منشدين، عازف الربابة، المزمار، عازف الناي، رقصة الزرانيق “. وهذه اللوحات تمثل مشاهد لقارعي الطبول وعازفي الآلات الموسيقية الشعبية، الذين يعزفون بمهارة على آلاتهم الموسيقية أنغامًا وألحانًا شجية يرقص عليها الراقصون تلك الرقصات الفولكلورية.. وقد اهتم الفنان (هاشم) بإبراز الجانب التعبيري في مشاهد تلك اللوحات بتصويره الحركة والانفعال وإبراز التعبير المباشر الصادر عن التفاصيل الدقيقة لملامح الوجوه.. كما أظهر الحركات التي يتميز بها عازفو الآلات الموسيقية أو قارعو الطبول والدفوف نتيجة انفعالهم أثناء الضرب والعزف، فركز على حركة الأيدي التي تعزف أو تقرع الطبول والدفوف، وذلك بلمسات فرشاة قوية، جريئة، مشبعة بالألوان، تحمل شحنة انفعالية قوية، لتنقل تأثيرها إلى المتلقي بنفس درجة الإيقاع الصوتي. وهكذا قدم لنا موضوعات تسجل أنواع الآلات الموسيقية اليمنية الهامة.

ونستطيع أن نقول في الخاتمة أن الفنان (هاشم علي) الذي قدم لغة فنية، هي مزيج مما تعلمه، وما فطر عليه من موهبة أكيدة، قد عرف عنه أنه كان من المؤمنين بقضية الفن، ومن الأشخاص الذين نذروا أنفسهم لخدمة الحركة التشكيلية اليمنية، وتوصل بأن يكون فنان اليمن، المحب لكل ما فيها والمعبر عن واقعها.. بل هو المعلم الأول الذي ترك أثر واضح في اليمن من خلال انجازاته المتواصلة التي تمتد منذ مطلع الستينات وحتى رحيله في عام 2009 بعد صراعه مع المرض عن عمر يناهز ألـ 64 عامًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*