الفنان شـــفـــيــق اشــتي.. مسافر بين الوطن والغربة.. زاده الفن

3٬786

غازي انعـيــم

يُعدُ الفنان التشكيلي العربي السوري(شفيق اشتي) الذي اجتمعت فيه الموهبة العارمة، واقترنت فيه الحنكة الأدائية بسعة الخيال الجامح، أحد أهم فناني جيله بلا منازع، فهو يمثل بإبداعاته الحديثة ذات التجارب الأسلوبية واللونية، ثمرة طبيعية لمشواره الفني الذي بدأه من أول درجات السلم في مركز الفنون التشكيلية عام 1977 م، في مدينة السويداء، ثم في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1982 م، وتُـوِّجَ بالدكتوراه في فلسفة العلوم الفنية من أكاديمية الفنون الجميلة في بطرس بورغ / روسيا. بعد ذلك أقام لنفسه سياقًا.. ومنهجًا فنيًا لا تخطئه العين في أن تنسبه إليه.

بدأ (شفيق اشتي) مشواره مع الفن منذ ميلاده في السويداء عندما تفتحت عيناه على الآثار القديمة المحيطة بمدينته. وكانت متعة عينه فيما يراه حوله من بقايا مشاهد عمرانية قديمة، مثل تاج عمود، أو قوس، أو قنطرة، أو مقرنصة، أو ممر، وكذلك مشاهد الترحال في البادية، كما احتفظ لنفسه منذ الصغر بمساحة كبيرة من السكون والتأمل إلى أن ظهرت موهبته الحقيقية من خلال مشاركاته في الأنشطة المدرسية، حيث شارك في عام 1974 م، بمعرض (تحية إلى حرب تشرين) في إعدادية الكرامة بالسويداء، وفي نفس العام أقام أول معرض فردي له في المركز الثقافي العربي بالسويداء، وفي عام 1975 م، أقام معرضه الفني الثاني عندما كان في المرحلة الثانوية أقام في عام 1977 م، معرضه الفني الثالث، وتبعها عام 1977 م، بمعرضه الفني الرابع، وفي نفس العام التحق بمركز الفنون التشكيلية في السويداء من أجل صقل موهبته، وفيه تعلم المنظور والتشريح وأساسيات الرسم والتصوير والجرافيك، وكان من نتاج هذه الفترة المهمة في حياته لوحة زيتية بديعة تُعدُّ أولى خطواته نحو المجد الفني تحمل عنوان:( تكوين من السويداء ) حيث ربط الفنان (شفيق اشتي) في هذه اللوحة ما بين الماضي والحاضر من خلال رسمه لعمود يعلوه تاج ويقابله تمثال وتتوسطهما مدينة السويداء.. وهكذا أتيح للفنان ( اشتي) أن يبهر الأنظار بإبداعاته المستقاة من وحي المكان الذي عاش فيه.

وقد تميزت هذه اللوحة التي تستمد ألوانها من طبيعة الأرض، بقوة الخط وبناء الكتلة وقدرة الفنان على التعبير، كما وضعتنا أمام حالة انبهار عند هذا المبدع الذي قام بربطها مع مدينته، فوصل الماضي بالحاضر والمستقبل. ومن هنا بدأ رحلته مع الأوابد التاريخية يشق الطريق.. وما زال ماضيًا في هذه التجربة يضيف إليها كل يوم جديد إلى نفسه حتى استطاع أن يُكوّن ثقافته بيده.

في عام 1977 م، طرق أبواب كلية الفنون الجميلة بدمشق مزهوًا باسمها، طامعـًا أن يلقى هناك ما تتطلع إليه مواهبه، ولعل هذا كان من حظ فن الرسم والتصوير في سوريا، وحظ (شفيق اشتي) معــًا، لا سيما أن الفن لم يكن عند ( اشتي) هواية عارضة وإنما كان جوهر حياته، فظل أثناء سنوات الدراسة يتعلم ويبحث في تاريخ الحضارات التي أقيمت على أرض سورية، وبشكل خاص المشاهد المحيطة بمدينة السويداء؛ كما امتاز ( اشتي) أثناء الدراسة بغزارة الإنتاج الفني حيث لا يتوقف عن الرسم أبدًا، فرسم الطبيعة والطبيعة الصامتة والبورتريه.. وأثناء دراسته أقام في عام 1981 م، معرضـًا فنيـًا للوحاته في المركز الثقافي العربي بدمشق.

في هذه المرحلة كان الفنان ( اشتي) يعي دوره الفني؛ ويعلم أين يقف والى أين يتجه، فأطلق عام 1982 م، وهو عام التخرج في كلية الفنون الجميلة، مارد الفن بداخله، وحصل على درجة البكالوريوس ( امتياز وتفوق ) عن مشروعه الموسوم بـ ” السومريون يقدمون أسراهم قرابين للآلهة “. واللوحة من مقتنيات متحف مدينة السويداء.

في عام 1983 م، أوفد (شفيق اشتي) إلى روسيا، وهو المثقف الواعي والممارس للكثير من الخبرات التشكيلية ليدرس في قسم التصوير الزيتي بأكاديمية بطرس بورغ للفنون التشكيلية، حيث حصل في عام 1989 م، على الدكتوراه في فلسفة العلوم الفنية، وهناك كان شغوفًا بالانفتاح على أبواب المعرفة في مختلف تقنيات الفن، حيث تعرف عن قرب على الفن الروسي وأخذ يراقبه ويرصد ظواهره مقتبسا منه ما يتناسب مع قناعاته وتكوينه الثقافي الفني الواعي.

وخلال الفترة ما بين عامي 1989 و 1997 م، شغل(شفيق اشتي) وظيفة أستاذ مساعد في قسم التصوير الزيتي، وكذلك أستاذ مشارك وأستاذ في الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق قبل أن تضطره ضغوط الحياة للسفر في عام 2000 م، إلى اليمن حيث قام بتأسيس ورئاسة قسم التربية الفنية في جامعة ذمار. وأثناء عمله أقام معرضين فنيين له في صنعاء.

في عام 2004 م، عاد إلى وطنه، وإلى كلية الفنون الجميلة بدمشق، ثم عُين أستاذًا في قسم الغرافيك والتصميم في جامعة القلمون، وما بين عامي 2008 و 2011 م، ترأّس قسم الرسم والتصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وفي عام 2012 م، أشرف على تحضير رسائل ماجستير ودكتوراه في كلية الفنون. في هذه المرحلة أراد ( اشتي) أن يصل ما انقطع من رصيد مع الحركة التشكيلية السورية بسبب سفره، إذ توقف عن المشاركات الفنية في تلك الفترة وانقطع تواجده طوال السنوات الأربع التي غابها هناك عن سورية، فشعر بحاجته إلى وصل الحلقة المنقطعة، فعكف على مشروع معرض فني أقامه في غاليري السيد عام 2005 م، كان هذا المعرض بمثابة تمهيد لعودته إلى الساحة الفنية وأيضــًا تمهيدًا لمعارض أخرى أقيمت في ” غاليري ماما سعاد 2006 ” و ” المتحف الوطني في دمشق 2009 ” وفي ” صالة الشعب 2010 ” و ” غاليري الزمان / بيروت 2010 ” و ” القاهرة والإسكندرية، وايطاليا 2011 “.

شهدت هذه المرحلة تبلورًا في تجربة ( اشتي) الفنية. فاتسمت بتشخيص درامي مشحون بالرمزية، وبدرجات ألوان متجانسة وإيقاعات خطية متعددة الاتجاهات ترتكز على علاقات بنائية متوازنة؛ كما عكست قدرة متميزة لدى الفنان ( اشتي) في لملمة عناصره وتوحيدها في بناءٍ تشكيلي تكويني، هذه التجربة بنى عليها ( اشتي) وطورّها في تجاربه اللاحقة. حيث عمل من خلال لوحاته على تجسيد المغزى العميق للماضي من خلال التأّكيد على الأسطورة؛ وسعى عبر مسطحات لوحاته أن يحقق مضمونه الإنساني المعاصر.. وقد جاءت لوحاته التي تتركز في البنيات والرماديات والأزرق والبرتقالي أكثر إحكامــًا من ناحية التشكيل ومتطلبات التوازن في اللون والتصميم والإيقاع.

في عام 2012 غادر ( اشتي) دمشق للعمل في الجامعات الأردنية وكان آخرها جامعة البتراء. وخلال إقامته في عمان ما بين 2012 و 2019 م، انشغل بالعمل الأكاديمي وبالعمل الإبداعي، ورفض الانسياق لمتطلبات السوق، واستمر في بحثه الفني، وبنفس الأسلوب الذي عُرف به؛ قدّم صيغـًا جديدة للعلاقة بين الشكل والفراغ، اللون والخطِّ، وكان الثّراء البصري للعمل الفني هو الأهمُّ بالنسبة للفنان إلى جانب اللون الذي يتحرك بين الهارمونية الخافتة والإرهاف الشديد، مع التأكيد على المضمون الانفعالي للعمل الفني، وقد أقام الفنان( اشتي) خلال هذه الفترة أربعة معارض فنية فردية وهي: معرض ” أجساد عابرة ” عام 2014 م في غاليري البلقاء، ومعرض ” لمسات انطباعية ” عام 2014 م، في غاليري الدغليس، ومعرض ” صخور من بلاد الشام ” عام 2015 في فندق الشيراتون، ومعرض ” روح بالميرا ” 2018 م، في غاليري ” الأورفلي “.

هذا النشاط يؤكد أن ( اشتي) من أولئك الذين لا يركنون إلى الكسل، بل كان شعلة من النشاط والتدفق سواءً على مستوى الإنتاج الفني أو العرض العام؛ وهو ما تكشفه مشاركاته الغزيرة بالمعارض الجماعية، سواءً منها المحلية أو العربية أو الدولية.

إضافةً لذلك كانت أعمال( شفيق اشتي) رائجة على مستوى المؤسسات الرسمية والأفراد والمتاحف، كما حصل على العديد من الجوائز، نذكر منها: الجائزة الثانية في التصوير الزيتي لمراكز الفنون التشكيلية في سوريا عام 1977 م، الجائزة الأولى – فن التصوير الزيتي – لمعلمي القطر العربي السوري – دمشق 2006 م،الجائزة العالمية الأولى في مسابقة يوم القدس العالمي في ( فن التصوير الزيتي ) 2006 م، جائزة الباسل الأولى الذهبية في البحث العلمي في الجامعات السورية عام 2011 م، كما كُرّمَ عام 2007 م، من قبل وزارة الثقافة كأحد الفنانين الأوائل في سوريا.

هذه الجوائز تؤكّد أن (شفيق اشتي) ليس مجرد فنان يمارس الفن من قبيل ( الهواية )، ولكنه فنان يمارس الفن من قبيل ( الغواية )، حيث استغرق التدريس والفن منذ بداية مسيرته الفنية حتى الآن جُلَّ حياته، هذا الالتزام بالفن وبالفكرة وما يطرح على مسطحات لوحاته من مواضيع، جاء عن وعيٍ، فكان الفن بالنسبة له أداة كفاح ودعوة إلى غد أفضل.. وهو موقف فكري سار إليه منذ انطلاقته الفنية؛ ومعارضه الفنية التي أقامها في عدة بلدان تشهد على خبرة السنوات الطويلة من الصنعة، رسمـًا، وتصويرًا، وحفرًا ، ونحتـًا، وخزفــًا ، حيث استطاع أن يوجد لنفسه أسلوباً فنياً وعالماً خاصاً من الفن الجميل الذي لا تخطئه العين في أن تنسبه إليه، بأسلوبه الخاص، الذي وصل فيه الفنان اليوم درجة الأستاذية على تقنيته المفضلة التي اختارها من البداية وكان أميناً لها فأعطته الكثير من أسرارها وهي ألوان الزيت ثم الأكريليك ومواد أخرى، حيث قام الفنان من خلال تقنية الأكريليك باستعادة روح المكان على مسطحات لوحاته، مثل: العمائر، والصخور، والخرائب، والأطلال، والناس، والطيور، والحيوانات… هذه العناصر التي تشكّل كتلة شامخة لوحدة العناصر؛ تظهر القيم الجمالية البحتة كالملامس، وتنغيمات الخطوط وتنظيم إيقاع العناصر وتباين أحجامها، وتوزيع الألوان وما بينها من درجات واضحة تكتسح التفاصيل، وبذكاءٍ شديدٍ يترجم الفنان ” اشتي ” التقابل والتعارض بين الفاتح والغامق ويظهر ذلك واضحا في مجمل تجاربه من خلال المجاميع البشرية التي تحتل بؤرة الضّوء وبؤرة اللوحة.. كما تكشف لوحاته عن دلالة أساسية اعتمد عليها الفنان منذ تخرجه في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وهي دلالة تجسيد الرّمز البطولي، الرّمز / الماضي، رمز انتصار الإنسان، وهذه نقطة فخارٍ له، حيث استطاع أن يجعل من الموضوع محور فنه يدلي به من خلال رأيه الشخصي بشجاعة، وكل لوحة من لوحاته تعكس رأيّه وتحكي حكاية من اتخذ موقفــًا.

والمدققُ في لوحاته التي تمثل مراحل مختلفة من مسيرته التشكيلية يلاحظ أنَّ مشخصاته الإنسانية تأخذ عدة أشكالٍ في لوحاته، فهي أحيانـًا في عناقٍ تزدادُ عاطفةً وسكونـًا، وأحيانـًا منحنية ومنكفئة، وأحيانـًا ترفع رأسها وتشمخ متطلعة إلى أمل بعيد، وأحيانــًا أكثر حرية وحركة.. كما اشتملت لوحاته المؤثثة بشحنة عالية من التعبيرية على لحظات معبرة عن القتل والدمار والحزن والفجيعة والحب والموت وطلب الخلاص.. وبلغة درامية تحدثنا الشخوص في مسيرة الفنان ” اشتي ” عن لواعج الألم الكامن في أعماقها، وعن الرحيل حيث يُصوّر الفنان على مسطح لوحاته ” الرحيل ” مجردا عن كل مكان وزمان، إنه الإنسان متروكا لحزنه وألمه يؤدي طقوس مأساته بفعل الحروب التي تُشّنُ عليه وعلى أرضه..

وكثيرًا ما تولينا الشّخوص في ” الرّحيل ” ظهورها للخراب، وهي تمضي في أغوار اللوحة.. مكانـًا مجهولاً، أشخاصـًا مجهولة. لقد أراد الفنان ( اشتي) إسقاط الماضي على الحاضر من خلال إشارات بصرية مُحملة بالرموز والدلالات العميقة ليصف الصراع القائم حاليا مع قوى التكفير والظلام ومن يدعمهم من صهاينة وأمريكان ورجعيات عربية، وهذه المشاهد التاريخية تذكرنا بما حدث في سورية والعراق وفلسطين ولبنان وليبيا واليمن، حيث حاولت تلك القوى الشريرة وبشكلٍ مُبرمجٍ قتل البشر، وتدمير المدن والأوابد التاريخية، وتهجير السكان ليذهبوا نحو المجهول.

لكن لم تفقد مشخصات ( اشتي) قدرة التحدي لما يحيط بها من أسباب الخراب والدمار والموت، ولهذا أضاف الفنان ( اشتي) اللون البرتقالي والأصفر بكميات قليلة، فهما يرمزان للغد والمستقبل والإشراق الذي يشع في العالم بدل الظلام.. ولهذا اختار الفنان( اشتي) في مجموعة ” روح بالميرا ” ( تاج تدمر ) مثلا، رمزًا للتعبير عن انتصار عدالة الإنسان… وهو بذلك يعيد تكوين الحكاية التاريخية وفق رؤيته لها، ووفق وعيه لعملية استلهام الجانب القصصي البطولي من خلال تركيزه على الإنسان باعتباره المحرك الأول وصانع التاريخ ومغير الحياة؛ لذلك عرف ( اشتي) منذ تخرجه في ” كلية الفنون ” التصوير المفعم بالرموز والأبطال، في محاولة منه للتعبير عن مخزونه الحضاري والتراثي .

لقد حاول الفنان ( اشتي) أن يُغني تجربته الفنية عندما استلهم من روح ” بالميرا ” ذات العلاقة العميقة بالواقع، وبالمشاعر الإنسانية بعض الرموز الحية مثل: الطائر، والثور، والحصان، والأسد.. وهي رموز تمثل القوة، والتحدي، والصراع.. هذه الرموز التي قام( اشتي) بإعادة توظيفها على مسطح لوحاته بما يناسب العصر، لم تكن قيمةً مُجردةً وإنّما هي قدرة على إعطاء الرّموز بعدها المتجدد، لذلك خلقت هذه الرموز معادلاً بين الحكاية المأساوية والرّموز التي تخدمها وتناقضها؛ وهنا نجد أنه في تصويره مثلا للحظة الموت لحظة (الشهادة) التي هي من واقع الأمر لحظة هجران قاسية.. تزفه ترانيم جنائزية طالما رددها في ألوانه.. وخطوطه.. سواءً في الخلفية أو في تجسيد الظل والنور.

كما عكست ثقافة الفنان( اشتي) التي مثّلت مُحفـزًا إبداعيًا في تجربته التشكيلية التي تميزت بتنوّع التّقنيّة وبتنوع المنتج الفني الذي اشتمل على عناصر مختلفة؛ حيث مزج فيها بين التعبيرية وسحر اللحظة في إيقاع حركي مميز يجافي الصّمت والسّكون المخيّم عليها، وهي عبارة عن كتل ذات رسوخ وثقل يتماشى مع الحالة المستحوذة على روحها التي تحمل في طياتها موسيقى اشتملت على لحظات معبرة عن الحزن، والفجيعة، والخوف، والحب، والموت، وطلب الخلاص، وبلغة درامية تحدثنا شخوصه المفعمة بالإثارة والمنطوية على شحنة تشكيلية وسيكولوجية ذات طابع مأساوي عن لواعج الألم الكامن في أعماقها.. وبالتالي فنحن إزاء رحلة إلى داخل العمل الفني ومكوناته، رحلة إلى داخل الإنسان وأسراره التي كشف عنها الفنان ببعد جمالي ليخدم هدفه التعبيري بإثارة رؤاهُ الذاتية للواقع في خلفية درامية.

وبالرّغم من القصص والحكايات التي تبدو في لوحات( اشتي) وإيحاءاتها الإنسانية المصممة وفق قواعد حسابية تشحذ فكر المتلقي وتمتع عقله وتفعل بنفسه ما تفعله الموسيقى الرفيعة، إلاّ أنّها جاءت أكثر إحكامًا من ناحية التشكيل ومتطلبات التوازن في اللون والتصميم والخط والإيقاع، مع الاحتفاظ بالأساسيات في الشكل، مما جعلها ذات نكهة تعبيرية إنسانية مثيرة بهيئتها البنائية وألوانها المتعددة المتباينة التي أضفت على موضوعات لوحاته حيوية فياضة، فكانت الأضواءُ تخفت أحيانًا وتشع أحيانًا أخرى، وكأنها ومضات براقة من ظل ونور تتلاحم مع الأشكال الآدمية، أو الحيوانية، أو العمرانية، فنراها تؤكد الشكل ثم تبعده في حوار فني ثري، قادرة على اجتذاب العين، وشدَّ انتباه المشاهد، وهذا يدل على حنكة فنان مقتدر ومتمكن وذو رؤية عميقة.

أخيرًا، قدم الفنان ( اشتي) من خلال مسيرته الفنية تجربة إبداعية مهمة كشفت عن مقدرة ذهنية متقدة تتوازى معها تجربة تنظيرية ودورًا ثقافيًا هامًا في الحركة التشكيلية السورية بشكل خاص والعربية بشكل عام، كما لم يترك لنا الفنان ( اشتي) الذي يدفع الفن إلى الأمام في صمت بعيد عن الأضواء؛ شيئًا نسأل عنه: وجهًا، أو مكانًا، أو حدثًا.. إلا أسقطه على مسطح لوحاته..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*