الفنان التشكيلى حمزة يحياوي : الكاميرا…نظرتنا إلى الذات والعالم.

1٬131

نريد بالكاميرا أن نجعل العالم ساكنا من أجلنا، ربما لتخليد اللحظات، لجعلها تبدوا كما لو أنها تحدث كل مرة. إذ كلما جعلناها موضع نظرة بعد ذلك بعد مرور زمن طويل سنشعر بأننا عدنا لتلك اللحظات، لنعيشها من جديد… قليلة هي المرات التي ننظر فيها  للصور-الذكريات (الذكريات المصوَّرة) الصورة الفنية بتلك العين الحديقة المصورة ، العين القناصة و المسجلة لكل لحظة نقد و ابتكار  دون أن يتحرك فينا شيء ما، فعادة ما تكون لحظة النظر في صور التقطناها سلفا، منذ مدة، لحظة دهشة أو فزع أو إعجاب، او انبهار خصوصا إن كانت صورا خاصة بنا، كما لو أنها تمكننا من النظر إلى أنفسنا من غير مرآةٍ.

إن انهمامنا الشديد بالصور حدّ الهوس و الولع الدائم بالتصوير ،جزء من رغبتنا المطلقة في امتلاك الماضي، لبناء الحاضر على ذكرى قد مضت و سجلت لتخلد مع الورق او  لجعله عصيا على الانقضاء ولهزم اللاعودة التي يخيفنا به. لهذا غالبا ما يكون الماضي موضوعا أثيرا للكاميرا، بفضلها نحاول ما أمكن أن نتغلّب على معضلة الزمن، لنجعله ملكية  لنا، قادرين على التعامل معه بوصفه حاضرا مستمرا جميلا ،فالغالب ما نرصد لنجسد صورة جميلة ،و ان كانت صورا تصرد شيء مئلما ذلك للنقد او تجسيد الحدث.

هكذا تبدو الكاميرا كآلة السفر عبر الزمن في الخيال العلمي وافتراضاته. لهذا عادة ما يحظى الفوتوغرافي بقيمة كبرى في تمثلاتنا الاجتماعية والثقافية، وحينما نلجأ إليه ليلتقط لنا صورا، نشعر بمتعة غريبة، شبيهة بلحظة النجاة من موت محقّق.

يستهوينا الفضول لرؤية الصور، ويستحوذ علينا التفكير في صورنا القديمة، إلى درجة أننا قد نقايض أغلى ما لدينا مقابل الحصول على ذكريات مصورة تخصنا، ولا نمتلكها.

يمثّل الفوتوغرافي غائبا، غائبا غريبا، على الوجود احيانا  ،و احيانا اخرى يظهر لك و كانه مستكشفا للعالم بكل خباياه و اغواره  ،لان ما يراه هو من وراء عدسة الكاميرا لا يراه غيره او يدركه العموم ، و يمثل غيابه التعادل عن كل محسوسات العالم  ،اذن فنحن كنقاد او كفنانين تشكيليين لنا علاقة بالفوتغرافيا  في حاجة إلى هذا الغياب الذي يمثّله من أجل أن نتمثّل حضورنا المستعاد، ومع ذلك فهو يحضر دائما بوصفه ذلك الواقف وراء حضورنا، فنتذكره دائما، لأن عدسته تنقله إلينا، ليكون جزءا لا مرئيا في الصور، مشفَّرا مثل رمز سحري يذكرنا بأن الصورة هي أكثر من محض لقطة لحدث ماضي .

تبدو الصّور أثرا la trace لشيء غائبٍ، للماضي الذي ما ينفكّ يمضي، إنها ذلك الثبات والسكون و السكينة  الذي نحاول من خلاله أن نجعل الأزمنة قابلة للاستنساخ و الطبع  و التي لها جانبا توازني مع طابع الحفر للفن ، هكذا تكون الكاميرا أثرا غائبا، أو أثرا مضاعفا، ويكون الفوتوغرافي أثرا غائبا يأتي باشياء واقعية ، مرئية و اشياء غير مرئية بعيدة عن اعيننا و اذهاننا و لكنها قريبة من ذهنه و عينه و حواسه لتسجل في حدقيته قبل ان تنطبع اثارها او صورتها على الحالة الراصدة اللقطة او الوجهة و تستنسخ على الصورة المستخرجة ،لذلك اردت من خلال هذا النقد التحليلي لعالم بالفوتغرافيا ان اعرج او ان اتطرق من خلاله الي عالم الفن و خاصة عالم الحفر باعتباره يحمل جانبا كبيرا من خصائصه و يشترك كلاهما في عدة ابعاد ، كخصوصية الطبع ،الصورة ….

الفنان التشكيلي : حمزة يحياوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*