الفنانة أيمان رجب : أنا أرى لونك، وأريدك أن تشعر به

3٬654

كتب/ محيى الدين ملك

حين ننظر – أحيانًا – إلى الأعمال الفنية من بعيد، تبدو من حيث الشكل كأنها غارقة في جمال صريح وصارخ، وهذا صحيح، والصحيح أيضًا، أنّ ما نراه هو ترميم لنفوس تصدّعت، ولن يكون التدعيم إلا بالجمال والأمل. و”الفن في أثناء ذلك يبدو عالمًا منفصلاً، له حكومته وشرائعه وأسراره الخاصة به، حتى يُخيَّل إلينا أنّه ظلامٌ يصعب النفاذ فيه. ولكن السر الحقيقي هو أنّ لا أسرار في الفن. أو قُلْ إنّ ما هنالك إنْ هو إلا أسرار الحياة نفسها، أسرارها المركزية السرمدية. وكل رائعة من روائع الفن إنما تدور حول هذه الأسرار”، وكذا كل لون حقيقي يُستعمل في الفن.

هذه هي الفكرة الرئيسة للفن، فعلى أية تجربة يمكن إسقاطه؟

الفن هكذا، حتى على / وفي تجربة الفنانة (إيمان رجب) التي تفرّدت بها، وهي المصرية، المعروفة بأنَّها حاملة للتراث الفني والجمالي الفرعوني والفيومي في بلاد الغرب، في إيرلندا – حيث إقامتها وبيتها ومرسمها وحياتها. تجربة تستحق الوقوف عندها والاشتغال فيها مطولاً، خاصة أنّها (رجب) هي واحدة من الفنانات التي حملت في روحها وعلى أكتافها همَّ الإنسان وأحمال الحروب – هذه النار المُضَّطرمة في هشيم الإنسانية وفكرها، فوضعت في فضاء تجربتها؛ ليست القيم الجمالية والأسلوب الفني النمطي وحسب، بل بلغت فيها درجة التفكير العلمي والإحساس العالي اللذان نادرًا ما يحدث الانسجام بينهما عند الكثير من الفنانين. لماذا؟ من أجل بناء إنسان أوفر سعادة.

شعرية القانون – الحقوق وشاعرية الفن – اللون

نقطة ثانية، فهي من ناحية حقوقية ومحامية، ومن ناحية أخرى تراها عاشقة للفن واللون في منحاهما السيكولوجي، وبين هذا وذاك تروح لتوازنُ وتجيئ لتصوِّرُ القوانين بلغة اللون والشكل، حتى وإن لم يبلغ هذه التصوّر منتهاه فعلى الأقل تجعلنا لا نستوحش الدروب، وندرك المُثل الأعلى، أي الحق والجمال والخير بأبسط شكل وبأسهل طريقة يفهمها العالم.

صدفة ذات معنى

نقطة ثالثة، رغم أنّ الكتابة في تجربة (رجب) كانت وليدة صدفة، إلا أنّها كانت صدفة ذات معنى – بحسب تعبير عالم النفس يونغ – خاصة في خضم الحروب التي نعيش مآسيها اليوم، ولم تضع أوزارها بعد في الكثير من مناطق الشرق والعالم، وقد أتت على كل شيء. وأول هذا الشيء النساء والأطفال، والنزوح والتشرّد. وبالتأكيد فإنّ الكتابة في تجربتها لن تكون فقط في علاقة الفن بالحرب، إنّما عنها كامرأة – فنانة، تخوض نتائج الحرب؛ لتلقى جهودها الرضى الشخصي والترحيب العام. لماذا!؟ لأنّها انشغلت مثل الكثير من النساء المميزات بـ “الحديث” (رسمًا) عن الحرب، حتى جعلتنا نعتقد جازمًا إن غريزة الأمومة والحب عند المرأة لا تنفصل عن التفكير في الحرب وتداعياتها الكارثية، وعن الحب الإنساني.

مقاربات مع مبدعات

والكتابة عن (رجب) – ما استطاعت الكتابة إليها سبيلاً – تفتح شهية القارئ ليقارب عبر مخيلته هذا الاسم بأسماء نساء كتبنَ، أو رسمنَ، أو وقفنَ في وجه الحروب والظلم، وطالبنَ بالعدالة، وبالجمال الذي هو “وعد الإنسان للإنسان بالسعادة”. أسماء من قبيل الكاتبة (سفيتلانا أليكسيفيتش) خاصة في روايتها (ليس للحرب وجه أنثوي)، 1985، ومما جاء فيها، “ما قالته النساء عن الحرب هو حرمانهنّ من إظهار هوياتهنّ كإناث، ومطالبتهنّ بالامتثال لصورة موحدة مذكّرة. الغريب أنّ بعضهن قبل الحرب لم يكن يمانعنَ ذلك، لكن بطريقة ما أيقظت ذكورية الحرب رغبتهن في العودة لأصلهنّ”. وأيضًا،  يذكرنا الاسم بالفنانة المكسيكية (فريدا كالو)، التي قالت في يوم ما: “لم أرسم أبدًا أحلامًا، بل أرسم واقعي الحقيقي فقط”. وبالفنانة السورية (ليلى نصير) التي لُقبت بفنانة التجربة لأنّ معاينتها للألم الإنساني سبقت تجربتها الفنية.. إلخ من اللواتي واجهن تصدّعات الحرب وارتداداتها.

ما يمكن استخلاصه من هذه المقدمة الوجيزة هو المزيد من الضوء الكثيف والضروري والاطلاع اللازم في شأن تجربة الفنانة (رجب) وخصائص أسلوبها الفني والجمالي، وبالذات، استعمالها خبرات سيكولوجيا اللون في خضم مخاضات الحرب وما نتجت عنها من تهجير ونزوح، وبالإضافة إلى الوسيلة التي تمارسها في سبيل المعالجة النفسية. لهذا الموضوع أهمية كبرى إذا ما كبَّرنا صورته لتحتوي النساء الهاربين من جحيم الحرب ووطأة النزوح، ومنهم الأطفال. خاصة أنّ (رجب) هي أول فنانة عربية تساعد المهاجرين في أوروبا عن طريق الفن. كيف لا وهي المهتمة – تحديدًا – بالدعم النفسي للمرأة عن طريق استخدام الرسم والألوان، ومن خلال ورش عمل للدعم النفسي، وما يسمى بعلم التصنيف الشعوري والنفسي بالألوان. هذا العلم الذي يذكرنا بالطريقة الرائدة للبروفيسور (ماكس لوشر). ولمعرفة المزيد عن التفاصيل المتوارية في تجربة الفنانة (رجب) لا بدّ من الوقوف قليلاً على طريقة (لوشر).

كان (لوشر) أول باحث توصل إلى تشخيصٍ وعلاجٍ نفسي عن طريق اللون. وكان مقتنعًا أنّ للألوان قوة دفعٍ هائلةٍ لفعل ذلك، لأنّها تتحدّث بلغة العواطف والمشاعر، وتسمح لفهم أعمق للأعماق السحيقة، وبالتالي، سهولة علاج المشكلات والاضطرابات الجسدية والنفسية على حدٍّ سواء. ولهذا قال: “إنّ الاختبارات المبنية على ردود الفعل العاطفية مع الصور والتي تحاول فهم الشخصية اللاواعية، هي أيضًا غير مناسبة، وذلك لأنّها تقيس فقط التقييم الشخصي للصورة، وليست الشخصية اللاواعية”.

من اختبارات (لوشر) إلى تجربة (رجب)

عدا أنّ (رجب) فنانة نشطة في صورة الفن في سياقه المعروف، أي إنجاز اللوحات وإقامة المعارض، وعدا كونها عضو في جمعية نساء بلا حدود الإيرلندية، فإن مهمتها الإنسانية تكمن في المساعدة على دمج النساء المهاجرات من جميع دول العالم مع المجتمع الإيرلندي. لنتأمل ماذا تقول: “عملت على إنشاء وتنظيم ورش عمل فنية كثيرة. واستخدمت الفن والألوان كلغة عالمية من خلالها يكمن الدمج ويمكن الدعم، خاصة لأولئك الذين خرجوا من أتون الحرب وهربوا من ويلاتها إلى البلاد البعيدة”. وتؤكد، أنّها “نجحت في إدارة المشاعر السلبية للسيدات وتغييرها نحو الإيجابي والسعيد”. وهنا تكون قد بلَّغت رسالتها الفنية، كما تقول.

لعل طريق المتعة تستطيع أنْ تعين الناس في عودتهم إلى وعيهم الحقيقي. فهي تبين أنّ لكل إنسان لونه الذي يهيئ حشودًا لا حصر لها من إدراكات النفس، فإما أنْ يحزن به، وإما أنْ يفرح به، لكنه، هنا، يحتاج إلى من يدلّه. هذا هو السر الكامن في تجربة الفنانة (رجب) وهي التي تعرف تمام المعرفة سر تأثير الألوان على المتلقّي، وتعرف كيف تساعد على تغير الحالة النفسية والمزاجية. من هنا، تحاول أنْ تُعبّر عبْر لوحاتها عن البهجة، لماذا؟ ليبقى الأمل مقابل الألم، وغاية الحياة”، بحسب (رجب).

رحيق الختام

هذه التجربة، تجمع في طياتها قوائم لا نهائية للألوان ومدلولاتها وتأويلاتها، بدأت من مصر ولن تنتهي عند إيرلندا. تجربة تقود قارئها في طريق طويل، ولا يرى إلا الأسئلة. لكنّها، بالمحصّلة تفيد في إعمال الفن، والألوان التي تُغيِّر من الأنماط والسلوك من جهة، وتسيطر على كامل الحياة. فهل نقول إنّ اللون بألف كلمة وكلمة!؟ ربما!.

 

لقد قيل الكثير عن العلاج النفسي بالفن واللون – من أفلاطون إلى يومنا هذا. ولكن ثمة ميّزة من خير مزايا تجربة الفنانة (رجب) كثيرًا ما ستُذْكَر: الرغبة الهائلة التي يجدها المرء في سر الالوان وسحرها. فالألوان إنّما هي استغراق كلّي مع نوازع النفس، واستغراق مُتّحِد بالأمل بمستقبل أفضل، يتحقّق فيه اللون – التوازن، فيستعيد منه الإنسان صورته التي يجب أن تكون، رغم تشرَّقه، وتغرَّبه، عنها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*