فلسفة التجلى والقيامة فى تجريدات التشكيلى مصدق الحبيب

7/3/2021

0

كتب/ رياض إبراهيم الدليمى
تبدو تجربة الفنان التشكيلى مصدق الحبيب غزيرة فى قدرته على توظيف مفاهيم المدرسة التجريدية بكل تنوعاتها وأساليبها التعبيرية ومن هنا جاء تميزه واختلافه عن السائد لاعتقاده أن الفن التجريدى هو الأقرب إلى فكره وموهبته كمدرسة فنية وأداة تجسيديه وفق مفاهيمها الاصطلاحية والتى يمكن تلخصيها ( كلمة “تجريد” تعنى التخلص من كل آثار الواقع والارتباط به، فالجسم الكروى تجريد لعدد كبير من الأشكال التى تحمل هذا الطابع : كالتفاحة والشمس وكرة اللعب وما إلى ذلك، فالشكل الواحد قد يوحى بمعان متعددة، فيبدو للمشاهد أكثر ثراء.
ولا تهتم المدرسة التجريدية بالأشكال الساكنة فقط، ولكن أيضًا بالأشكال المتحركة خاصة ما تحدثه بتأثير الضوء، كما فى ظلال أوراق الأشجار التى يبعثه ضوء الشمس الموجه عليها، حيث تظهر الظلال كمساحات متكررة تحصر فراغات ضوئية فاتحة، ولا تبدو الأوراق بشكلها الطبيعى عندما تكون ظلالاً، بل بشكل تجريدى ) .

الكون فى لبناته المسلمة تشكله الأقطاب الثلاثة كما أشار اليه ( محيى الدين بن عربى ) وإن حدث شرخ فى هذا الثالوث الكونى التكوينى سيعانى من اضطراب وجودى فينتج عنه العقم الذى سيحل محل الولادة والتجدد والايجاد وتبادل الأدوار الزمنية والمكانية لحركة الوجود والطبيعة.الكون بصفته الأنثوية التى شاءت القدرية أن يكون موضعها الوجودى الافتراضى لتكون فى موضع المتلقى الإيجابى من قطب ذكورى وهو ماكث فى علويته لا فى عليائه لكونه شريكًا فى القطبية الاتحادية فهو متحد فى قطبيته معها أى الأنثى لينتجا معًا القطب الثالث أى ديمومة الوجود والحياة.من هنا تبدو مخلوقات ( مصدق الحبيب ) الأنثوية مكورة أو راكعة وساجدة وقد تكون جاثية للقدرية هذه، رغم تصويره لها بوجه منزوع غائب قد غيبته هيمنة الذكورة .

فى لوحة الفنان ( الحبيب ) التى أسميتها ( خضرة الروح الغائبة ) فبالرغم من نظارة الجسد فى اشتغالاته الأنثوية التى جسدها بشكل تجريدى تعبيرى محترف يسمو فى حركة نصفه الظاهر بشكل ايحائى آيروسى ليؤكد على انفعالات عنصر الأنوثة وجمالياته وانعكاسات الرغبة المغيبة فى بواطنه، أما النصف الآخر من الغائب فدلالاته الباطنية تعكس حركة تمردية لكل الوظائف التى تجرد الأنثى من فلكها المعنوى والمخلق للمعنى .( مصدق الحبيب ) فى رسمه التجريدى التكعيبى يوظف الخطوط الحادة والزوايا والأضلاع وبؤر هندسية مختلفة الأشكال ويوزعها على السطح التصويرى لملء فضائها بالألوان الحالمة الرومانسية المنفعلة وجدانيا، فهى بمثابة ألوان ضوئية للطيف الشمسى ونلاحظ ذلك بتنقلاته بين الألوان الحارة والباردة للدلالة على مزاجية وحساسية الأنثى التى تشع بهجة رغم الجحيم الذى يلف الأنثى بإضاءة تسطع على كل مساحات اللوحة وظلال لا تحجبها، كأنك تشاهد عرضًا مسرحيًا (كوريغرافيا ) تعبيريًا لأنثى جاثية شكل بطريقة دراماتيكية انفعالية معبرة فى حركاتها ودلالاتها ورمزيتها لتعطى للمتلقى بعدًا قرائيًا تأويليًا عميقًا مثيرًا لحد الدهشة والغرابة ليتفاعل مع ايماءاته وحواراته بين النصف الحاضر للجسد والروح الغائبة التى سلخت منه، وهى بمثابة قيامة الروح الثائرة المتمردة لاستعادة خضرته بتجلٍ دون لبس، لتؤكد حضورها الوجودى الثقافى التنويرى المنتج لا الساكن لذا هيمن الجسد على خشبة المسرح الافتراضية وهو مسرح الحدث ( التشكيل اللونى )، وهنا تكمن حرفية الفنان كما يشير الكاتب (على سهيل ) (الفن التشكيلى هو كل شئ يؤخذ من طبيعة الواقع لصياغ بعدها بصيغة جديدة، أى إنه يشكل بتشكيل جديد، و”التشكيلى” هو الفنان المسؤول عن هذا التشكيل، ولأن لكل إنسان رؤياه ونهجه، وضع الباحثون فى مجالات العطاء الفنى هذه النتاجات تحت إطار. )إن عناصر الجذب والرغبة جسدت بطريقة متنافرة رغم الألوان التى تميل فى تدرجاتها ما بين الخضرة وهو لون الخصب والنماء وكذلك اللون الأصفر الصريح أو المائل إلى البرتقالي والأحمر والأزرق فغالبيتها هى ألوان حارة ذات دلالات روحية تعطى بعدًا لسمو الروح ووهجها، لكن يناضر تلك الألوان شبح الرجل الذكر الذى جُسد فى اللوحة نراه بأنف يمتد من أطراف شعر الأنثى لينزل إلى محاجرها وساقيها أو تجده متربصًا إلى مكامن خصبها بحركة تعبيرية للفم والتكوين الشكلى للتوحش والافتراس وخنق خاصرتها.

ونرى أيضا فى أسفل اللوحة فك رجل كشر عن أنيابه النار اتخذ مكانًا تحت الخصب وأنثاه فى حركة تكور وخوف لتحتضن صدرها الليمون وبشهقة رفض للوظيفة التى تحاول الانعتاق منها بثورة أنثى النور، الأنثى التى تريد التحول إلى كائن نورانى قداسى فارّة من جحيم واقعها واتحادها غير المتكافئ مع القطب الآخر، وتتمسك بإرادتها لتشكل قطبيتها وخلوتها وعزلتها المجبولة عليها بمفردها وتكون عالمها الذى تخلقه وترسمه حسب رغبتها كما تؤكد ذلك الفلسفة الفرعونية (يجب عليك أن تخرج كل يوم و تعود فى كل مساء، سيتم إضاءة مصباح لك فى الليل حتى تشرق الشمس مرة أخرى صدرك، وسوف يقال لك : مرحبا، مرحبا بك فى منزل الأحياء.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*