تجربة الفنانة (إبتسام مطر) بين لغة الفن وبلاغة الخيال

0

كَتب/ محيى الدين ملك

عند أفق الانتظار

يقف المشاهد أمام / أو بجانب أعمال (إبتسام مطر)، كأنَّه يقف أمام أو بجانب فنانة ترسم بريشتها صورة كائنٍ من كان، وتتعقّب بألوانها وخطوطها بسرعةٍ وبحسٍ رهيف خفيفٍ، كأنَّها تخشى أنْ تهرب صورة منها. إنَّها تتعقَّب أشواقها وأحلامها وأمنياتها، ومظاهر رفضها للقسوة والعنف. صورتها الداخلية، ظلالها، وأنوارها، إنسانها الداخلي، تهويماتها وإيهاماتها، وإلهاماتها.. كل الأشياء والتي توشك أنْ تَصبَّ فيها حبًّا، وعليها عشقًا، بين مرة وأخرى، تشعر بها أو تراها. كأنَّها تقول: “أنت وأنا واحد!”. أو تقول: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا!”.

هذه الحالة الفنية؛ العاشقة، اللهوفة هي ما تبديها الفنانة ( مطر)، في منجزها الفني، دومًا. فالحبّ، يحملها إلى حدود ذاتها وأبعد. وهذا هو ضرب من الضروب التي تجمع بين اللهفة والفن، بالطبع. ولكن، ما الذي تريده الفنانة (مطر) من هذه الحالة؟ أشكل أم مضمون، أم كلاهما معًا؟ الجمال، أم الحق، أم كلاهما معًا؟ ربَّما، كل هذا وأكثر، طالما أنَّها تحلم بجناحين يملآن الفضاء، وطالما أنَّها ترسم صفير الطيور بألوان الحقول والحدائق، وهي تقول لطائرها: كن بجانبي، وكن صديقي. وطالما تطالعنا  أخيرًا، بالجمال والحقَّ في وطنٍ، في حرقةٍ، وفُرقةٍ، وولهٍ، وولعٍ، وحزنٍ، وشجنٍ، وفي ألمٍ، وأملٍ.هكذا، يقف المشاهد أمام / أو بجانب أعمال (مطر)، وهو يتذكّر جيدًا سؤال أحدهم لأرسطو: “ما الجمال؟ ويكون الردّ بـ: هذا سؤال رجل أعمى!”. ولكنَّه، سيدرك، أيضًا، أنَّ اللوحات مشمولة بعطف الشكل والمضمون: شكل يبحث عن الجمال، ومضمون فيه نصيب كبير من الحق. فالفنّ هو الجوهر الذي يمكث دائمًا في الأرض، الوعاء الحاضن لمضامين الوجود وأشكال الموجود.وإذا كان الفنّ كذلك، فإنَّ القول الذي قاله أحدهم، صحيح: أنَّ من يتدبّر جماليّات الفنانين ومهاراتهم، يجد أنَّها لا تستولي على النفس من أجل ما تُحدثه في الذهن من الصُّور بل لأنَّها توقظ في النفس عاطفة تُشبه العاطفة التي يُنبِّهها الشيء الذي هو موضوع الرسم.

عبر هذه العتبات الشمولية الواسعة في محيط الفن وفي تجربة الفنانة (مطر)، يمكن للمشاهد أنْ يستدل على الأشكال المتوارية خلف الشكل الظاهر، وأنْ يتسلّل إلى المضامين العميقة من باطن المضمون، أي السعي وراء اللهفة الجميلة والنبيلة تجاه الحياة.غاية البوح في (الحسناء والعصفور)

فتاة حسناء تحدّق في عصفور على وشك التحليق، حيث لا يرى المشاهد وجهها، بل الحلم بالتحليق مثله. تقول الفنانة (إبتسام مطر)، أنَّ العصافير علّمتها لغة الحُب، تسبح في الفضاء، ولا يسمع صفيرها إلا الريح، وحدهم المرهفون يهفهون لها؛ جناحيَّ في زمن البراءة يسع الكون. أرسم كلماتي بترانيمي الشجية المعجونة بألوان الحقول والأزهار وأنثرها على اللوحة ليراها المرهفون. احملني أيَّها الطير، واجعلني أحلّق معك في السماء بين السحاب حيث دفء الشمس. ولكن، لا تمشي، أمامي فربما لا أستطيع اللحاق بك ولا تمشي خلفي فربَّما لا أستطيع القيادة. ولكن امشي بجانبي، وكن صديقي.أو ربَّما حين يتأمّل المشاهد الطيور، فيتذكّر كلمات مرّت بخاطره، من قبيل، ألَّا: “تتعجّب من عصفور يهرب وأنت تقترب منه وفي يدك طعام له فالطيور عكس بعض البشر تؤمن بأنَّ الحرية أغلى من الخبز..!”. أو: “تحنُّ الكرام لأوطانها حنين الطيور لأوكارها. لا تسأليني ما ترجوه أغنيتي، بعض الطيور تغنّي وهي تحتضر. حتى الطيور تهاجر، عندما تنغلق في وجهها سبل الدنيا”. أو: “البلبل، على ضعفه وصغره، هو بطل الحرية، ما أودع قفصًا إلا ومات فيه غمًّا أو انتحر يأسًا”.ذلك أنَّ الطائر في جوهره رمز الحرية، ولعلّ الفنانة (مطر) بهذا البوح، ترسم خرائط الفقدان للاتجاه والتوجّه، للجمال والحق، ليس لأنَّها كذلك، بل لأنَّ العالم الذي تعيش فيه، أصبح، فجأة، عالمًا غريبًا.. مغتربًا.

سحر النخيل مدعاة لسعة الخيال

وقد يرتبط الحب والشوق بمجرد رسم النخيل المخضوضر دائمًا: “يا إلهي عندما نعشق ماذا يعترينا؟ ما الذي يحدث في داخلنا؟ ما الذي يكسر فينا؟ كيف نرتد إلى طور الطفولة؟ كيف تغدو قطرة الماء محيطًا؟ ويصير النخل أعلى ومياه البحر أحلى وتصير الشمس سوارًا من الماس ثمينًا”. أو : “وكان المطر الآن صباحًا، وانطبقت كل الأبعاد، وصرت كأنّي صفر في الريح. وصلت إلى باب النخل.. دخلت على النخل. أعطتني إحدى النخلات نسيجًا عربيًا. فعرفت بأنّ النخلة عرفتني”.

إنَّها أشجار النخيل التي تدلّ على جوانب كثيرة تراها الفنانة (مطر)، جانب واضح عن الجمال المستمر في الطبيعة، وجانب آخر، هو التصحّر الذي أصاب الإنسان المعاصر. والفنانة (مطر) تسعى نحو الأول، وترفض أنْ نُكوِّن صورة عن الثاني.لوحة (الله أكبر) بين التمكين والتلوين:

يقول بعض العلماء، أنّ معنى (أكبر) أي: “كَبُر شأنًا، وعَظُم سلطانًا”، و”الله أكبر”؛ أي: الذي يتَصاغر أمامَه كلُّ شيء. والتمكين، هو (مقام الرسوخ والاستقرار). وما دام الإنسان في الطريق فهو صاحب التمكين، “لأنه يرتقي من حال إلى حال، وينقل من وصف إلى وصف، فإذا اتصل فقد حصل التمكين”.

ولكن، ما علاقة هذا الكلام بلوحة (بركان الغضب وليالي التكبير)؟ وكيف ارتقت الفنانة من حال إلى حال؟ بل كيف انتقلت من وصف إلى وصف؟

بادئ البدء، تقول الفنانة (مطر) أنَّ عملها هذا، خرج من وحي الغزو الصدَّامي على وطنها الأم  الكويت. وتضيف: لوحة تعبيرية عن المشاعر التي اختلطت بالحزن والغضب والألم والحيرة من الغدر عند اجتياح الكويت في يوم من أيام 1990.. وكلمة الله أكبر، ترمز إلى ليالي التكبير، والصيحات التي تعالت من أسطح منازل الكويتيين في كل ليلة من ليالي الإثنين، حتى بلغت الأصداء عنان السماء. في بدايات الغزو كانت صيحات غضب تنادي وتستجدي بالله، وتُذكِّر الغازي الغاشم بأنَّ (الله أكبر) من كل الغزوات ومن كل الآلام التي كانت السبب.

هذا مهم، ولكن، الأهمّ هو، كيف كان التمكين بالتلوين؟ أو كيف عبّرت أو جسّدت الفنانة هذه الحالة بلغة تشكيلية – تصويرية؟

هذا اللفظ كان موضوعًا للدلالة على فعل الألم بموازاة فعل الأمل، ثم انتقل بعد ذلك بكثرة التكرار الفني والإيقاع الخطيِّ واللونيِّ من العمومية إلى الخصوصية، حتى تجرّد في آخر الأمر، في دوامة مغلقة، صوتًا وصدىً. وكذلك الشأن بالنسبة لحركة اللفظ واتجاهاتها المختلفة، فإنَّه، وبهذه الحركة في الاتجاهات.. لا يلبث اللفظ بعد كثرة الاستخدام والتعويل عليه أنْ يصير أصداءٍ تصدح في جوانب النفس ونواحي الفؤاد، فيترك أثره وخدوشه، ولا يُجشِّم الخيال عناء التعبير عنه بلغة قوية وعالية. تأمّل في لفظ (الله أكبر)، وانتقل بعين قلبك مِنْ وإلى أرجاء اللوحة وراقب مسارات الخطوط الغرافيكية، ومن ثم فكّر بعجينة اللون. سترى للكلام صورة في (اللوحة).

لقد ألقت الفنانة بالكلمة في أتون دوامة، قرأتها العيون ورأتها، ووعتها القلوب، واستوعب معانيها الخيال.

مطارحات ختامية

تلك هي فيض من الأشكال الفنية والجمالية لـ (مطر)، يتنازعها شعوران متوازيان، بين الظهور والتواري: شعور مترع بالحبّ والبوح والمناجاة والمشاعر الدافئة والعواطف المتدفّقة عبر أشكال تحتمل الكثير من جواز الحق في مجاز الجمال. بل لوحات مترعة بالشاعرية والتكثيف، مما يجعلها أقرب للشعر المصوَّر. وشعور مقلق بالاستغراب إزاء موضوعات تشكيلية تفرّدت أشكالها عن التقليدي. كما يمكن تخيّلها على كل حال، حدًا يجعلنا نتساءل أحيانًا إذا المعنى بهذا المعنى فعلاً، ولكنّه في واقع الحال، هو كذلك.

قال أحدهم: إذا تحرّكت عاطفة حادّة شاملة نحو مخلوق خيالي، ألّا يكون خيرًا من أنْ نحاول تقريبه بالوصف الدقيق أن نعتمد على قوة الخيال في سد النقص وملء الفراغ وإتمام الصورة على خير مما نستطيع أن نُتَمِّمُها؟ وهذا صحيح، فليس الأصل في العمل الفني الاستقصاء في الشرح.. ولكن الأصل فيه أن نترك كل شيء للخيال، ففيه من التعبير ما يكفي للرسم، وأيضًا، للشرح.

وإذا كانت أعمال الفنانة (إبتسام مطر)، كذلك، بفضل ما تمتاز بها الفنانة بهذا النوع من الخيال والرؤية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*