هود هود.. للكاتبة العمانية شريفة بنت على التوبى

701

كان طقم الأواني الأجمل مخبئ للضيوف، كانت الغرفة المغلقة في البيت لا تُفتح أبوابها إلا للضيوف وغير مسموح لنا بالدخول إليها حتى لنكاد نشعر وكأننا للمرة الأولى نرى جدرانها النظيفة وأثاثها المرتب ونشم رائحة البخور التي تملأ جوانبها، كان للضيوف وجبات طعام خاصة لا نتناول مثلها في أيامنا العادية، كانت هناك ملابس لا نرتديها إلا حينما يأتي الضيوف، كان كل شيء جميل خاص بالضيوف إلى درجة أني تمنيت أن أكون ضيفة في بيتي حتى أحظى بمثل تلك المعاملة الخاصة وذلك الاهتمام المبالغ فيه كما كنت أرى، وكان يفرحني أن يكون هناك ضيوف وأن تكون هناك (عزومة) فذلك هو يوم عيد بالنسبة لي وما أكثر الضيوف الذين كنا نستقبلهم ونفرح لقدومهم فرحتنا بقدوم عيد، فأبوابنا مفتوجة منذ الصباح، فمن العيب أن تغلق باب بيتك بل تظل الأبواب مشرعة للقادمين ويكفي أن يقول الداخل إلى البيت (هود ، هود ) فيأتيه الرد (قربوا* ) ليدخل.
كانت الحياة سهلة ولم نكن نشعر بالخوف من الآخر، ولم نكن قد تحولنا في تلك الأيام إلى كائنات قنفذية بأحاسيس مزروعة بالشوك، ولم نكن بحاجة للاستئذان أو الاتصال قبل أن نقرر زيارة صديق أو جار، فليس هناك مواعيد مسبقة للزيارات، لذلك ليس غريبًا أن يكون الكرم صفة عمانية وطبع أصيل في العماني الأصيل.
كان جدي يخبرنا أن ندخل الضيف ونكرمه حتى في غيابه؛ لثقة غالية وضعها في قلوبنا وكذلك يفعل جيراننا، فلم تكن هناك ما تخشاه المرأة على نفسها من ضيف قادم، فالأخلاق العمانية وحدها كفيلة بأن تكون حارسها الأمين. وأجمل ما كان في قريتنا الجيران، فالمبدأ الذي يتبعه العماني هو الجار قبل الدار، العماني لا يعيش وحيداً فالعزلة بالنسبة له موت، لذلك تجد البيوت العمانية القديمة متراصة متقاربة إلى درجة أن تشترك جميعها في جدار واحد فلا تكاد تميز بين الفقير والغني.
لم تكن المرأة ترتدي السواد كما هي الآن، فالعباءة السوداء ما كانت زيًا عمانيًا ولن تكن، بل كان للثوب العماني الأصيل ألوانه الزاهية، وبعد أن ارتدينا السواد وأغلقنا أبوابنا وأصبحنا لا نعرف حتى جيراننا ومع أجهزة الأمان التي نزرعها في أسوار بيوتنا خوفًا من الآخر لم تعد البيوت هي الجنة الدافئة التي كانت بل أصبحت سجونًا باردة لا تشبه بيت أبي الذي ما زال مشرعًا بابه في انتظار ضيف قادم .
* قربوا بمعنى تفضلوا في اللهجة العمانية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*