“نفاذية العقل” إبداع وتألق فى عالم النحت للفنان ناثان دوس

عرض / محسن صالح

2٬307

من القليل أن تلق من يؤثر فيك في عالم الفن و يترك فيك انطباعا يدوم علي الدوام و يحرك فيك كما يقولون الساكن ويجعلك تفكر المرة تلو الأخري في العمل الفني الذي بين يديك وأنت تقلبه كقطعة من الألماس تخرج العديد من الأضواء والمعاني كلما قلبتها ، و من النادر في شق أخر أن تقابل من يدخل في حياتك لحنا يتجدد علي الدوام ويتنكب منهاجا يريد أن نري من خلاله عالما من الفن التشكيلي علي نحو غير معتاد و بطريقة مرتبة و فكر عميق. ينضم الفنان المبدع “ناثان دوس” إلي هذه الفئة الأخيرة من المبدعين الذين تبنوا التجديد و يصبرون عليه و تخرج أعمالهم من أجل تعميق رؤية مختلفة عن عالمنا و تصوراتنا في الفن وفي قدرته علي تغيير مدركاتنا عن الحياة التي نعيشها و ذلك من خلال معرضه الفني “نفاذية الشكل” و المقام في قاعة الزمالك للفن حتي يوم 4 مارس 2019 الحالي. وحينما ندقق النظر في هذا المعرض الضافي سنجد مايلي من جوانب:

باديء ذي بدء ، نجد اسم المعرض ذاته وهو ” نفاذية الشكل” و لعله منحي اتخذه الفنان المبدع ، حيث سنجد أن اسم معرضه السابق في ذات المكان منذ أقل من عامين هو ” عاطفة العقل” في مسميات تجبر من يرددها علي التفكير وإعادة التفكير حتي يستجلي المعني وراء المقصد الذي يرمي إليه الفنان “ناثان دوس” . وأظن أن الفنان أراد هذا ورغب فيه و لعله بالمسمي غير العادي يلفتنا إلي أن هناك واحة للفن الجميل و للتفكير فيما نحن فيه في تفاعل ضاف وتناغم بين منحوتات تتوثب قلقة وراء الأسماء و الحركات البادية فيها.ويرتبط بالجانب الأول السابق مسميات المنحوتات و التي تتبلور في عبارة و ليس كلمة إلا فيما ندر وكأني بالفنان يريد أن يقول لنا إن الحياة بمواقفها و لقطاتها أصغر من أن تحويها كلمة بل لابد من عبارة تصوغ المعني. أو في جانب أخر تتكاثف معاني المنحوتة و تراكيبها الداخلية و تتفاعل و تتشعب مكوناتها للدرجة التي نري فيها طبقات فوق طبقات فلا تتسع الكلمة للتعبير عنها و تحاول العبارة التي تحوي أكثر من كلمة ذلك مثال ” المسيح النافذة” ، “شرنقة الدماغ” ،” مثل الإبداع” ، ” الأفكار والأحلام لاتموت” ، “المتاح والمحظور من المعرفة”، “العيش والمعيشة” و العيش هنا هو الخبز ،” أحلام البسطاء” ،” خوف الخروج من القالب” ، “محاولة للخروج لمساحة معلومة” ، “إمرأة كالبحر” ،”مستعصي علي الأدلجة”، “الإسقاط النجمي .. الجسم الأثيري”، “قصة قصيرة”، “مكتبة الإسكيز” . إنها روعة المسميات لمنحوتات أخذت من الفنان المبدع جل تفكيره وكده وتعبه حتي يخرج لنا فنا يهز منا المشاعر و ينقلنا لعالم ذي خصوصية.

الجانب الثاني و الرائع في هذه المنحوتات هو الحركة و التي نراها في تماثيل تعد من المعجزات حيث نري تمثال “مثل الإبداع” ،” الإفكار والأحلام لاتموت” ، “المتاح و المحظور من المعرفة ” ، وفي منحوتة ” غطس” نحس بعلو زخم الحركة و صراخها و نبضها الشديد للدرجة التي تجعلنا نجفل للخلف خوفا من طرطشة المياه . وفي “أحلام البسطاء” نجد الجمال كل الجمال و البهاء كل البهاء في مستويات المنحوتات داخل اللوحة وكأني بمجموعة من المنحوتات تتراكب وتتفاعل لتعبرلنا عن حالة . أما في منحوتة ” محاولة للخروج .. لمساحة معلومة” فنجد الحركة الصارخة مملؤوة بالتوتر في كل أرجاء المنحوتة وكأننا أمام عالم ثري مفعم بالمعاني. في منحوتة “إمرأة كالبحر” نجد امتداد المنحوتة علي مساحة كبيرة في تناغم كأنها أوتار موسيقي تتناغم مع أدني حركة أو كأنها مويجات الماء تتحرك لأنغام الريح. و في منحوتة ” مستعصي علي الأدلجة” تتناغم أجزاء المنحوتة مع المعني منها متمثلا ذلك في ملامح بطل المنحوتة .

الجانب الثالث في هذا المعرض الجميل نري فيه انعكاس توترات الحياة ومايعانية الإنسان من متاعب ومصاعب في المنحوتات ويتضح ذلك من خلال منحوتات مثال “مستعصي علي الأدلجة” حيث نري الإنسان و مايقابله في عالمنا الحالي من ضغوط علي تفكيره واستقطاب لتيارات عدة و يتضح من تفاصيل المنحوتة سمات عنوانها و تتضح من معالمها كل معانيها ، إنه الإبداع النحتي في ذروته. و في منحوتة ” محاولة للخروج ..لمساحة كمعلومة” يتجلي فيها انسان العصر الحالي الذي تشده خطوط الواقع و هو يحاول التحليق بعيدا و لكن أني له ذلك ، إنها منحوتة تتضافر تفصيلاتها في كشف معانيها. و في منحوتة ” العيش و المعيشة ” نري السعي وراء رغيف الخبز الذي غدا صعب المنال في تفاعل بين أجزاء المنحوتة و في مستطيل يحد من أحلام الإنسان و يؤكد علي تباعده عن حلمه و إن كان بسيطا.

الجانب الرابع والأخير في هذا المعرض يتجلي في أن جل منحوتاته تدور في فراغ و نجد هذا الفراغ يتأكد بالمستطيلات التي لاتني تحيط بالإنسان و تمسك بأحلامه و نجد الفراغ في كتل المنحوتات و فيما يحيط بها يعكس لنا هشاشة الإنسان في مواجهة ضغوط العصر المحيط به و تتواري ملامح الإنسان في المنحوتات ولعل فناننا القدير “ناثان دوس” يريد أن يقول لنا بأن من يعاني كل إنسان أو أي إنسان ممن يحيطون بنا في عمومية تحيط بكل أجزاء واقعنا و تقدمه لنا في رؤية و تشكيل جديدين .

و لاتمر هذه المقالة حتي نتكلم عن المنحوتة المعرض و نعني بها هنا ” رجل الهاي تنشن” و التي تعكس سمات رجل العصر في محاولته التناغم مع ما أو من يحيطون به وكذا في محاولته في الوقت ذاته خلق معزوفة داخلية تواجه نشاز الحياة المحيط به من كل جانب.و تتقاطع المثلثات داخل جسم المنحوتة مفرغة نري من خلالها نفاذية توحي بتغلغل كل مايحيط بالإنسان واقتحامه له في تواز رائع بين الواقع و بين الفن في أعلي مراحله.
تنتهي جولتي السريعة في جنبات معرض الفنان المبدع “ناثان دوس”” نفاذية الشكل” و لاينتهي ماخلفه في أعماقي من تأثيرات منحوتاته في نفسي ، منحوتات تخاطب جوانب مختلفة من الحياة و التراث الجمعي علي نحو مقتدر ومستوي عالي فنيا و ابداعيا ، فله منا كل الشكر و التقدير علي هذا المعرض الضافي الجميل .

عرض / محسن صالح

تعليق 1
  1. احمد الشيخ يقول

    أستمر بالتالق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*