ما سكن القلب للكاتبة شريفة بنت على التوبي

1٬118

أستمتع كثيرًا عندما أجلس مع شخص عجوز، لأني أدرك أنه لن يحدثني عن الغد ولا عن هموم اليوم، بل سيأخذني في دهاليز ذاكرته إلى الأماكن التي أحَبّها والأحداث التي كان لها أثر بدنياه لدرجة العجز عن نسيانها، وعن الأشخاص القليلين جداً الذين سكنوا قلبه واستحالوا على النسيان، فيا لتلك الذاكرة الهرمة التي يعتقدونها والحية المتدفقة التي أراها  كلما جلست معها كامرأة عجوز طالت رقدتها على فراش المرض، بكل تلك التجاعيد التي ملأت وجهها والتي عجزت عن تغيير ملامح الجمال فيه، فقدت ذاكرتها مع من فقدتهم، لم تعد تذكر الوجوه والأشخاص الذين مروا بحياتها وعبروا محطات العمر معها، وكل ما في الذاكرة كان غائبًا، عدا شخص واحد، زوجها الذي توفي منذ سنوات وتركها وحيدة بلا ولد يملأ حياتها في غيابه الطويل، فرغت الحياة من كل شيء عدا وجوده الذي ما زال حاضرًا في ذاكرة القلب، فهو الرجل الذي وهبته حياتها وجمالها وسنوات شبابها رغم علمها أنه عقيم، عاشت لأجله ..وعاش لأجلها، وحينما مات رفيق العمر، وشاخت السنوات بها، وأصيبت بخرف الشيخوخة وفرغت ذاكرتها من كل ممن كانوا بها، بدأت تستعيد العمر الذي قضته معه، وتستعيد اللحظة التي مضت رغم حقيقة الغياب، تفتح لها الذاكرة بوابة الدخول لماضٍ ما زال بانتظارها، يسألونها عن حالها وتسألهم عنه، أسكنته ذاكرة قلبها فطاب له المقام  ليكون الحاضر الذي لا يغيب رغم غيابه والميت الذي لا يموت رغم موته، تذكرت لحظتها مقولة جارتي العجوز حينما قالت لي: نحن لا نتذكر سوى ما سكن القلب يا ابنتي.

يقولون الشيخوخة شيخوخة القلب وأني أراها  شيخوخة الذاكرة، فالقلب المحب لا يشيخ ولا يهرم، تلك هي القلوب التي تبقى مليئة بالحياة ومتدفقة بالمحبة حتى اللحظة الأخيرة لها في الحياة، القلوب لا تكبر ولا تشيخ إلا حين ينضب نبع العطاء فيها، تخدعنا السنون وإن كان لها أثر مع مرور الأيام على سير حياة الإنسان، لكن بعضنا يشيخ مبكرًا في الوقت التي تكون ذاكرته قد امتلأت وليس بها متسع لتخزين حدث آخر جديد، وفي الوقت الذي يكون رافضًا بشكل غير مباشر لأن يحيا غدًا ولا أن يفكر فيه، فيقف حيث هو مرتدًا إلى حيث كان، قد تصبح غرف الذاكرة خالية من سكانها لكن ذاكرة القلب تحتفظ بساكنيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*