لوحة وفنان : الشقيقتان للفنان الفلسطينى عبد الهادى شلا

14/10/2020

1٬031

بقلم: غازى أنعيم

يعد الفنان التشكيلى الفلسطينى عبد الهادى شلا الذى ولد فى 20 نوفمبر 1948 م، واحدًا من أهم رموز الفن التشكيلى الفلسطينى الذين أضفوا مسحة رائعة عليه وأعطته هويته المتميزة، وهو أيضًا واحدًا من ذوى المنهجية الصارمة والحس النقدى وسعة الأفق والثقافة؛ بالإضافة إلى ذلك يتعامل مع تقنيات متعددة مثل التصوير والحفر والكاركاتور، كما يكتب القصة والخاطرة والشعر والنقد، ورسم للصحافة وأسس ورأس تحرير جريدة الصراحة التى تصدر في كندا.

كما مر الفنان شلا بمذاهب فنية متعددة، من الواقعية والتعبيرية والسريالية والتجريدية ثم حط عند الحروفية، لكنه بقى مخلص لتعبيريته ولحروفيته العربية وتراثه.

فى عام 1965 م، غادر فلسطين للالتحاق بوالده الذى كان يعمل فى دولة الكويت، حيث واصل تعليمه، وفى الكويت حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1966 م، وهو نفس العام الذى التحق فيه بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة. حيث اطلع فيها على عناصر العمل الفنى وتعلم تاريخ الفن والحضارة والأساطير والمنظور والتشريح وأسرار الألوان والتقنيات… وفى الكلية تبلورت ملكاته الفنية التى أهلته إلى جانب موهبته أن ينتج لوحة تعتمد على البناء المحكم للتكوين والعناصر… وفى عام 1971 م، رسم خمس لوحات عكست الخصوصية الفلسطينية، وهذه اللوحات التى حملت عنوان: ( صور من الحياة ) كانت من ضمن مشروع تخرجه فى كلية الفنون الجميلة، حيث أهلته للحصول على درجة البكالوريوس فى الفنون من قسم التصوير.

بعد تخرجه غادر مصر عائدًا إلى الكويت ليواصل مسيرته الفنية فى المعارض والمشاركات المحلية والخارجية وحفر اسمه عميقًا فى الحركة التشكيلة العربية، لكن لم يكتب لفناننا أن يستقر فى مكان ما.. وكتب عليه أن يهاجر مرة أخرى؛ فبعد احتلال العراق للكويت اضطر عبد الهادى شلا أن يهاجر إلى كندا مثل من هاجر من المبدعين العرب الآخرين…

صحيح انه هاجر، إلا أن عقله لم يهاجر وبقى حنينه مرتبط بفلسطين وبغزة وبشوارعها وبحرها وغيرها من الأماكن التى عاش طفولته وصباه فيها.. لذلك بقى يتغنى بكل ما فيها لأن المكان الذى أحبه يعتبر الأشد التصاقًا بالروح حيث تسكن ولا ترحل، كما بقى يتغنى برمزيته المؤكدة على يقين العودة إلى فلسطين التى ما زالت تسكن القلب واللوحة، لأن الحنين لا يفارق الروح.

كان عبد الهادى دائمًا مرتبطًا بالوطن وبالآخرين عبر مراحل مسيرته الفنية التى كانت مثيرة بما تحمله من ألم وحزن وتفاؤل وفرح وإبداع وتفوق ونجاح.. كما كان باحث ومجرب وفنانًا عاشقًا لفنه ولقضيته وللإنسان الذى ينتمي للأرض التى يقاتل من أجلها..

لقد كان الرسم بالنسبة له فعل يومى لا ينقطع، وهو أينما يجلس يرسم بأقلام الرصاص والفحم وأقلام الحبر فوق بياض الورق الأبيض أبطاله الذين يحبهم وكان يرسم بالألوان الزيتية أو ألوان الأكريليك على مسطح القماش الأبيض الموضوعات الإنسانية والوطنية والأمومة والطفولة والحب وغير ذلك من موضوعات تجسدت بألوان صريحة بفرشاة مصور متمكن.

لوحة الشقيقتان
الفنان: عبد الهادي شلا
القياس : 16 × 20 بوصة
السنة: 2020

ينتهج الفنان عبد الهادى شلا فى لوحة ” الشقيقتان ” أسلوبًا جديدًا يختلف عن الأسلوب الذى كان ينتهجه فى السابق حيث ينحو فى هذه المرحلة إلى التعبيرية التجريدية فيعتمد على المساحات بعيدًا عن التفاصيل، كما يبالغ فى النسب التشريحية وبشكل خاص الرقبة حتى يصل إلى الحالة النفسية التعبيرية التى يحسها تجاه الموضوع.

ـــ يصور الفنان فى هذه اللوحة التى توضح القيمة التشكيلية التعبيرية، شقيقتان تقفان إلى جانب بعضهما البعض، ويلاحظ تركيز الفنان على الوجهين، وبشكل خاص العينين والفم المغلق، حيث تفصح عينا وفم كل منهما عن شخصيتهما، ورغم صغر العينين إلا أنهما ذات نظرة حالمة، كما أن الفنان أعطى الإحساس بالتركيز على العينين وأهميتهما فى التكوين.

أما بالنسبة للفم رغم أنه مغلق عند الشقيقتان، إلا أنه يعبر عن حالة اندهاش أو تعبير عن شيء ما.. لذلك يعكس العمل الفنى نظرة كل واحدة منهما، حيث تبدو الفتاة التى ترتدى الفستان الأبيض مستغرقة فى التفكير، وبما يحمل المستقبل من أخبار سارة تعيد إليها الابتسامة وصفاء النظرة.. وشفافية الحلم .. وهى تعرف أن وراء هذه الابتسامة سيأتى الفرج وستأتى السعادة.. لكن هذه الابتسامة محاصرة بأعماقها الداخلية بما فيها من مخزونات محزنة وذكريات تفيض بالأسى وبالأفراح المختنقة، وقد أراد الفنان أن يظهر ابتسامتها مصحوبة بالأمل..

أما شقيقتها ذات الفستان الأحمر الذى يعكس جسدها الانثوى المتوهج بالغواية والعشق المباح فهى تقف متماسكة وثابتة ولا يشى بمعاناتها غير لمحة من الحزن الخفى حيث تقبع فى أعماق نظراتها المحملة بالتعب من الأيام وبالوعد والأمل القادم، الذى سيجلب الفرج وسيجلب معه فارسها الذي غاب وطال انتظاره.

والمدقق فى هذه النظرة الغامضة من عينيها الحالمتين يلاحظ أنها باحت بما لم تبح به شقيقتها، حيث تتجه عينيها نحو الفارس المتمثل والمتمثل بـ” القط الأسود ” الذى ينتصب فى الزاوية اليسرى من اللوحة والذى يظهر بشكل مُتحفز ويرسل من خلال وقفته رسائل مشفّرة إليها استعدادًا للعودة من اجل إعادة بث الحياة فى المكان. لا سيما أن القط يعتبر واحد من أهل البيت وهو بشير فأل، وهذا ما تؤكده المعتقدات التي كانت شائعة فى العصور الوثنية حيث تشير إلى أن القط الأسود هو بشير فأل وعلامة على الحظ الحسن، كما أنه رمزًا للشهوات الحبيسة.

وقد ارتفع شأن القط فى الثقافة المصرية الفرعونية ووصل إلى أن أصبح من الآلهة فانتشرت عبادتها فى عهد الأسرة الثانية والعشرين ومنذ الدولة الوسطى شاع استعمال القطط فى زخرفة جدران المصاطب، وتعتبر القطط فى الإسلام من الحيوانات الطاهرة وكانت محببة إلى النبى ( صلعم ) وعن أبى قتادة والد زوج بنت كبشة بنت كعب بن مالك قال أن الرسول ( صلعم ) قال: ” ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات “، كما كان يتوضأ من الماء الذى تشرب منه.

ـــ صور الفنان لوحته بأسلوب بسيط، يعتمد على الحس والتعبير الواضح من خلال مشخصاته المتمثلة بـ ” الشقيقتان ” للتعبير عما يدور فى داخلهما، وكذلك كى يثير فى نفس المتلقى التأمل والتعاطف معهما.

ـــ جاء التكوين فى اللوحة التى تميل عناصره إلى البساطة والتسطيح، بنائى يعتمد على اتزان الكتل المتمثلة بـ ( الشقيقتان والقط ) واتزان العلاقات الخطية، إضافة إلى اتزان الألوان التى تميل إلى الأحمر والأبيض والأوكر والأخضر الفاتح المشوب بالاصفرار ثم الأسود والأزرق الفاتح.. حيث نلاحظ قدرة الفنان فى السيطرة على القيم اللونية التى جاءت بصفة عامة منسجمة فى اللوحة ككل.

ـــ صور الفنان اللوحة فى إطار البعدين رغم محافظته على التجسيم ( الفورم ) ويبدو ذلك من الدرجات اللونية المتساوية فى كل من العناصر المرسومة فى مقدمة اللوحة وفى الخلفية.. حيث قسّم اللوحة عرضيًا إلى قسمين، علوى وسفلى ليحقق الاتزان الخطى، وليحدث إيقاعًا بين المساحات.

ـــ أسلوبه الفنى ينتمى إلى المدرسة التعبيرية التجريدية، فهو يتفق معها فى معناها بإحساسه بالسرعة والتغيير، ويتفق معها فى مفهومها بتسجيل اللحظة نظرًا لكونها متغيرة، أى تسجيل اللحظة فى الحركة الدائمة للوجود، فنجده يسجل لحظة زمنية بعينها، وهى لحظة تأمل أو تفكير الشقيقتان فى عودة الغائب بالنسبة لهما..

أخيرًا يتفاعل الفنان ” شلا ” مع الموضوعات ذات الصبغة الإنسانية، لذلك نلاحظ اهتمامه بالعنصر الإنسانى فى أعماله، فهو يشكل المحور الذى تدور أغلب الأعمال الفنية حوله، ويظهر ذلك من خلال هذا العمل الفنى المنفذ بأداء وبناء تشكيلى قوى وتناغم لونى يظهر براعة الفنان ودراسته الأكاديمية وميله للتجديد والابتكار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*