قراءة في لوحة “البهرجة المتصنعة” للفنانة التشكيلية رجاء نيقولا

قراءة الفنان التشكيلي التونسي نبيل بالحاج

رجاء نيقولا فنانة تشكيلية من لبنان درست اختصاص علم نفس، الشئ الذي جعل منها من الفنانين الذين يحملون طابعًا خاصًا فهي متصالحة مع ذاتها إلى أبعد الحدود سيما وقد عاشت في أوساط طبيعية تحسد عليها من قبل الفنانين إذ قضت طفولتها في قرية بين الحقول وما تحمله من جمال طبيعي وتقضي حياتها اليوم في منطقة على البحر.. هنا ملكت الفنانة المحظوظة أفظل مصادر الإلهام فهي تسدل خيوطا وتحبك رموزًا وتصهر ألوانًا تعكس تلك الروح الطاهرة المتصالحة مع ذاتها والسائرة نحو الجمال في تحدي شديد لكل ماهو مزيّف أو مركب مقتبس من طبيعة الأشياء وجمالها وفي إنطباعية غاية في الروعة…

كل هذه التركيبة السيكولوجية والفنية للفنانة وأعمالها دفعتني لقراءة إحدى لوحاتها تحت عنوان “البهرجة المتصنعة” وهو عمل يميل إلى التجريدي إعتمدت فيه الفنانة تقنية الزيت على القماش يتجلى فبه للقارئ منذ الوهلة الأولى صورة لشخصين محيطين بغموض لوني يتجسد ذلك في سيطرة ألوان لا روح فيها على أغلب سطح اللوحة أما النظرة الثانية وبعد التدقيق يتجلى لنا أن الفنانة تسدل خطوطها بإحكام لكي تظهر لنا أن الصورة  لفتاتين من خلال الإنحناء على مستوى الفخذ والرقبة الرقيقة مع بعض الطخات المائلة إلى السواد على مستوى الرأس في إيحاء إلى شعر المرأة…

إذا بعد قراءة أولية تبين لنا أن الفنانة ترسم فتاتين بإعتماد ألوان ترابية وخطوط متواصلة في إنسيابية محكمة فيها روحانية كبيرة رغم ضياع الملامح إلا أن المتمعن في أعين الفتاتين يرى حزنًا كبيرًا يعكس عنوان هذه اللوحة فالمتصنّع لا يحمل رضاء داخلي بل يحمل أكوامًا من الحزن والهموم… وبذكاء مفرط لا نستغربه من مختص في علم النفس تذهب الفنانة إلى تغطية الألوان الحية بألوان باهتة تكشف من خلالها الحقيقة وتلقي بالقناع كما أنها لم تعتمد أي مصادر الشفافية لهذا العمل لا لونًا ولا خطًا ولم تستعمل المفردات والثياب وكأنها تدرس حالة طبيعية وتقول هاهي الحقيقة.. لكنها جعلت من الجانب السفلي الأيمن يحمل أو يطغى عليه اللون الأسود وفيها إيحاء بتلك العتمة التي تظل مسيطرة على كل متصنّع وأن الحقيقة نسبية ولا شئ ثابت حتى التصنع يظل نسبيًا… ثم تستمر بهذا اللون القاتم إلى أسفل جسم المرأة الأولى ولا يتعدى إلى الثانية وكأنها تعالج واحديّة النفس والجسد فتطرح مشكل فلسفي نفسي لا يزال مطروحا إلى اليوم.

هذه اللوحة رسالة في حد ذاتها من الفنانة إلى العالم وخاصة أنها قضت حياتها في أطر طبيعية لا تحمل أي مركّبات وتحمل تكوينًا أكاديميًا في علم النفس بأن يعيش العالم بأسره بدون تصنّع بعيدا عن الكذب والنفاق والخداع وكل ما يمس بالحقيقة..

كل هذا يحيلنا إلى حالة الفنانة النفسيّة المتصالحة مع ذاتها وعلاقتها بالعالم الخارجي وما تحمله من تحدي وبصيرة..

تقول رجاء نيقولا أنها تميل إلى الإنطباعية ولكن في هذا العمل يمكن اعتبارها تذهب إلى المدرسة الرمزية وهي ما بعد الإنطباعية، حيث يعتمد مبدؤها على ترميز الأشياء من خلال الألوان والحالة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*