قراءة فى لوحة “نوستالجيا” للفنانة التونسية لطيفة بيدة

قراءة الفنان التشكيلي التونسي نبيل بالحاج

1٬400

إن المبصر فى عالم الجمال يدرك جيّدا أنه لا يعرف الحدود وأنه عمق في المضمون ولامتناهي في الشكل.

توقظ الفنانة التونسية لطيفة بيدة كل من نام في الإنتجاع مع الصِّمت في الكلمات واللون ولا تخشى خطاها على عتبات اللوحة فتجدها تلحن أجمل الألحان بألوانها وترقص فرشاتها بإنسانية وتلقائية فوق أرض خلا القَطر من نَوْئِها فرحلت عنها حرير عواطفها وأزهرفي رحمها البهاء وسوّت جدائلها ألوانا كأنه الربيع في أبهى حلّته.
امتطيت مهرة اللون وقصدت إحدى لوحات الفنانة عنوانها “نوستالجيا” وهو عمل تجريدي اعتمدت فيه تقنية الأكريليك على القماش.
لا يطوّقنا في هذا العالم إلا الوهم والتجهّم وما يحملان من جهل وعنجهيّة وذهاب نحو الوحشية بشتى معانيها فجسدته الفنانة في محيط اللوحة باللون الأسود وكأنها تائهة داخل كهف تناشد نورالحياة، يمكن إعتبارهذه الغياهب التي تتوه فيها هي ذلك المجتمع المحيط بها وما يحمله من غموض في الأخلاق والإنسانية المطلقة، أو أنها ترسم عواطفا مجمدة لفترة ما هاربة من كل شئ، فتذهب إلى النور والحياة وتترك إحساسها وكل ما يحمله من مركّبات نفسية يقود يديها وألوانها الباحثة عن ذاك النور بين الظلال هي تتخبّط في طريق فروعه، تتشابك مع خطوط وأشكال وألوان تضعها فرشاتها، لا تصمد طويلا، تختفي تحت لون وشكل جديدين، يذوبان من لطشة الفرشاة الحاملة خليطا من الوان مزجتها الصدف مرّة والحبكة والدراسة مرّة أخرى.
عند خروج لطيفة بيدة من تلك الغياهب والظلمات ترسم لنا الحياة بأدق تفاصيلها إذ لم تجسدها بذاك النور الأبيض بل ارتحلت بنا من عالم إلى أخر ومن فصل إلى أخر.
لخّصت الوجود في الأرض بلونها الترابي وما تحمله من عوالم متناقضة ومشاعر مختلفة فرسمت الدم والورد حربًا وحبّا تطير بنا لوهلة في فضاء رحب وسماء صافية زرقاء تعلن توق الفنانة للحرية والرفرفة بجناحيها فوق ربيعها الذي رصّعته فوق لوحتها لكنها تبقى دائما مدركة أن تلك الأزهار ستذبل يوما فترمي لونها الأصفر حيث ما حل الربيع.
روحانية لطيفة بيدة متوازنة، لا تنسى جذورها وأصولها العربية الإسلامية فترسم النور الأبيض الملائكي في دلالة على مدى حسّها المرهف وتوقها إلى السلم والحرية والحياة في حب ولكنها لا تعترف بالمثالية فتعود بلونها الأسود وسط ذاك الربيع الفاتن.
لكل لغة طقسها الخاص والمورفلوجيا الخاصة بها،واللكنة،والنغمة، واللون بل والدراما.يجب التأكدعلى اللون والشكل والتناسق بينهما سواء في بداية أو وسط أو نهاية العمل. تماما مثل القطع الموسيقية لإعطاء اللحن الصحيح.هكذا تعيش لطيفة بيدة عالمها التشكيلي التجريدي.

لوحة “نوستالجيا”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*