فى الذكرى 35 لاستشهاد الفنان التشكيلى عبــد العـزيـز إبـراهــيم

24/10/2020

1٬142

بقــلــم: غــازى انعـــيـم
إن مأساة الفن فى وطننا العربى هى أن يعيش الفنان مأساة فى الفرح والحزن ومأساة فى الحياة… فكيف إذا كانت هذه المأساة متجسدة فى فنان عانى من التشرد والظلم والاضطهاد وفوق ذلك استشهد بعيدًا عن وطنه فلسطين فى 1 / 10 /1985 أى قبل 35 عامًا، وذلك عندما أطلقت الطائرات الصهيونية صواريخها وحممها المشئومة على حمامات الشط فى تونس، حيث كانت المجزرة أمام عين فناننا عبد العزيز إبراهيم، الذى هرع لتلبية نداء الواجب الإنسانى والوطنى من أجل إنقاذ الجرحى وانتشال جثث الشهداء من وسط الركام، مجسدًا بذلك، إنسانية الإنسان، الفنان، وعندما عادت الطائرات الصهيونية ثانية وأفرغت ما بحوزتها من صواريخ وقنابل، أصابت فناننا عبد العزيز إبراهيم الذى غادرنا وهو فى قمة عطائه الفنى، عن عمر ناهز 24 عامًا.

وحين نتحدث عن تجربة الفنان الراحل الذى ولد فى مخيم خان الشيح عام 1961 م، بعيدًا عن مسقط رأس والديه ” جب يوسف ” فى منطقة صفد بالجليل الأعلى، فإننا نذكر تجربة مهمة من تجارب الفنانين الشباب فى ذلك الوقت فى التصوير والملصق، والتى تنم عن خلفية تقنية مرتكزة إلى الوعى بعناصر الموضوع التعبيرية والجمالية، وإلى قدراته التقنية.

وعبر سنين الدراسة حاول ” عبد العزيز إبراهيم ” أن يثرى الحركة التشكيلية الفلسطينية فى سورية من خلال مشاركاته فى معارض الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين الداخلية والخارجية، وذلك من خلال اعتماده على دلالات المكان والزمان … فكان الوطن والثورة وامتزاج الأرض والإنسان هى الانطلاقة الفنية التى استلهم موجوداتها من الواقع بعد أن تعلق بها وعشقها، محاولًا تقديم ذلك الربط الروحى الذى أوجدته مكونات الواقع المتغلغلة داخل الإنسان الفلسطينى والعربى والمتمثلة بهموم شعبه وأرضه وتراثه وذكرياته وثورته التى ارتبط بها..

نعم، كان ” عبد العزيز ” الذى تخرج فى كلية الفنون الجميلة بدمشق – قسم التصوير – عام 1983 م، مرتبطًا بكل هذه المكونات، من خلال نتاجه الفنى.. واستطاع أن يعكس هذه الحالة التى عاشها، من خلال تصويره للواقع ورصد حركة الإنسان فيه، حيث جعل هذا الواقع المرصود ذا قيمة فنية تحفظ للعمل حق الاستمرارية.. وأعلن أن الفن هو التزام بقضية آمن بها.

لكن ” عبد العزيز ” استشهد مبكرًا بعد رحلة لم يكتمل عطاؤها، بدأت مع عائلته قبل ولادته عام النكبة 1948 م، واستمرت بعد ولادته فى مخيم ” خان الشيح ” قرب مدينة دمشق، واستمرت فى مساكن الزاهرة بضواحى دمشق وانتهت باستشهاده.

ــ ماذا عن لوحاته وملصقاته التى نفذت أثناء مراحل حياته؟

بدأ فناننا بعطاء متميز فقدم مجموعة من الأعمال التصويرية الزيتية ومجموعة أخرى من الملصقات، وقد استمد موضوعات تلك الأعمال الفنية من الواقع، فرسم الزهرة والشمس رمزًا للوطن والحرية ورسم الكوفية والبرتقال، رمزين لفلسطين، والحمامة رمزًا للسلام، والأسلاك الشائكة، رمزًا للاحتلال، بالإضافة إلى الزخارف الكنعانية للتأكيد على الجذور التاريخية للشعب الفلسطينى.

كما استمد الفنان موضوعات لوحاته الزيتية من وحى ” مجزرة صبرا وشاتيلا ” التى تمثل مشروع تخرجه حيث تجلت المأساة بآلامها وعذاباتها فيه، كما تكونت فى تلك المرحلة شخصية الفنان، وكانت بمثابة نقطة البدء بالنسبة لمسيرته الفنية التى ظهر عالمه فيها جليًا، وحدد منطلقه الفنى الذى تمخضت عنه كل أشكاله المستحدثة، واصطبغت بالشكل المأساوى الذى لازمه طيلة مراحل حياته. فنجد الإنسان المعذب، هو القاسم المشترك لهذه الأعمال بحيث تبدو شخوصه وقد ارتسمت الكآبة والحزن على وجوهها وفى عيونها.

وفى مرحلة نموه وتحوله وتأثر الفنان بأعمال ( رامبرانت ) وهنا تظهر مدى الاستفادة من المدرسة الهولندية التى يتزعمها ( رامبرانت ) ولكنه مع ذلك لم يكن يلتزم بقوانينها.

ففى لوحة ( حاضنة البرتقال ) التى تمثل ( فتاة ) مغمضة العينين غارقة فى الحلم وهى حاضنة بين يديها حبات من البرتقال، وهنا نلاحظ ذلك الربط بين الفتاة والأرض. هذه الفتاة التى تملأ فراغ اللوحة، تمتاز بثوبها الشعبى المميز بتطريزاته الزخرفية، حيث ترمز تلك التطريزات التراثية إلى جانب حبات البرتقال إلى الهوية الفلسطينية وإلى الأرض الخصبة المعطاءة…

وقد أبدع الفنان عبد العزيز عندما أظهر جمال الجسد الأنثوى فى حركته الهامسة والمضجعة بهدف إبراز حبات البرتقال وجمال المرأة وفتنتها، ونلاحظ مبالغته فى أنوثة الفتاة، وهذا ساهم فى التعبير عن المضمون، كما تجلت براعته هنا فى توزيع الألوان فى العمل المحكم التكوين.

اقتصر هدف الفنان عبد العزيز فى هذا العمل الفنى على إظهار هويته النابعة من روحه المبدعة والمتألقة بفوران تعبيري وجداني مدهش.

وفى لوحة ( السلام المذبوح ) نشاهد فتاة أمامها حمامة مذبوحة وقد افترش دمها الأرض وذلك كناية عن شهداء ( صبرا وشاتيلا ). ونلاحظ فى هذا العمل الفنى أن وجه الفتاة بحجمه الكبير قد ملأ كافة مساحة اللوحة، كما قدم لنا فى هذه وجهًا مأساويًا حزينًا بعيون باكية.

ويؤكد الفنان على البعد الدرامى فى عمل آخر يمثل امرأة باكية عن طريق تصويره لحركات الأصابع وتجاعيد الوجه. ونلاحظ فى هذه الأعمال الفنية اهتمام الفنان بالبعد الدرامى من خلال التعبير المرتسم على وجوه أشخاصه، تلك النظرة التى تدل على معاناة الفنان وعن الحزن الدفين الذى يسكن أعماقه، وقد يساعدنا الحزن على أن نكون أكثر تفاؤلًا بالحياة وبالمستقبل.

ويؤكد الفنان على درامية الموضوع أيضًا باستخدام التباين ما بين الضوء، والكتلة والفراغ الذى لم يشغله بأية عناصر أو رموز لكى ترتكز على عين المتلقي على العناصر التي رسمها الفنان وهى محور الموضوع، فالتكوين مكون من وحدة واحدة تتفاعل مع الفراغ، وتتزن وتتسم الألوان بالتوافق والتناغم.

وفى لوحة ( الصلب ) نشاهد صياغة لونية مختلفة عن بقية الأعمال التي تحدثنا عنها فنرى في منتصف اللوحة ( الفلسطيني المصلوب ) والمقيد، وقد رسم خلفه من الجهة اليسرى ( للمشاهد ) امرأة بوضع مأساوى وحزين، تضع يديها على وجهها، لكنه يرسم الأمل أيضًا فى الجهة اليمنى ( للمشاهد ) من خلال فتاة مقاتلة ترتدي الزي العسكرى، وهى تتأمل في الفلسطيني المصلوب وكأنه يقول بأن المسيرة رغم الآلام ستستمر وسيتحقق النصر على الظلم والظالمين.

وتتجلى المأساة في لوحة ( الإعدام ) حيث صوّر ضحايا المجزرة والقائمين بعملية الإعدام من قبل الصهاينة وقد أذعنوا للأوامر الصادرة إليهم بتنفيذ حكم الإعدام في جموع النسوة.

وهنا صاغ الفنان عبد العزيز وربط عناصر عمله الفنى بمصير وتشكيل واحد، وأعطى حركة الرؤوس والأيدي أهمية نتيجة ربطها بحركة الأجساد، وعكست ملامحهم وحركتهم أيضًا مزيدًا من الفزع والكبرياء فى مواجهة الموت، ففي هذا العمل الفني جعلنا نحس بالمأساة العميقة التى تصف حالة الفاشية لدى الجنود، والفنان هنا أراد أن يوصل لوحته إلى المشاهد عبر مختلف الحلول التشكيلية، فكان للعمل قوته وتأثيره على نفس المشاهد.

هكذا عبّر الفنان عبد العزيز في لوحاته الزيتية عن ( المجزرة ) بالخط واللون مساهمة منه فى التعبير عن قضايا وهموم شعبه، وقد وظف ( العيون ) فى لوحاته لتعبّر عن المأساة.. كما كانت عناصر الموضوع بمثابة بقع مضيئة داخل الإظلام التام، الذي يغمر خلفية سطح اللوحات، ليؤكد على الشكل الدرامي للعمل، ويعكس جوه النفسى وصدق الفنان في تناول قضاياه. فالفنان كان يؤمن بضرورة ارتباط الفن بالمجتمع والإنسان وبقضايا الحرية والعدل والسلام المبني على القوة.

الملصق بين التعبير والجمالية في تجربة عبد العزيز

لماذا اختار الفنان عبد العزيز الملصق بالذات؟

ﻻ ﺷﻚ ﺃﻥ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻩ ﻟﻠﻤﻠﺼﻖ، ﻧﺎﺑﻊ ﻣﻦ ﺇﻳﻤﺎﻧﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﺳﻼﺡ ﻣﻬﻢ ﻛﻐﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ التى تقف ﺟﻨﺒًﺎ ﺇلى ﺟﻨﺐ ﻣﻊ البندقية والمقاتل فى ﺍﻟﺨﻨﺎﺩﻕ ﺍﻷﻣﺎﻣﻴﺔ ﻭفى ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ ﻭﻋلى ﺗﻤﺎﺱ ﻣﻊ المشاهد عبر الجدرﺍﻥ، ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ حفز ﻓﻨﺎﻧﻨﺎ ﻋلى ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ هذا الجنس ﺍﻟﻔنى ﻛﻮﻧﻪ ﻣﻘﺎﺗًﻼ، ﻭﻹﻳﻤﺎﻧﻪ ﺑﺄﻥ ‏( ﺍﻟﻔﻦ جزء ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ ﻣﻦ ﻋﻤﻠﻴﺔ ثورية ﻭﺍﺳﻌﺔ تستهدف ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻛﻞ ﺑﻨﻰ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻧﺤﻮ ﺇﺯﺍﻟﺔ ﻛﺎﻓﺔ ﺃﺷﻜﺎﻝ الظلم وﺍلإﺳﺘﻐﻼﻝ والاضطهاد ‏) ، ﻓﺎﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﺑﻴﻨﻨﺎ ﻭﺑﻴﻦ العدو ﺍﻟﺼﻬﻴﻮنى ﻭﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺘﺤﺎﻟﻔﺔ ﻣﻌﻪ، ﺣﻔﺰﺕ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﺍﻟﺮﺍﺣﻞ ﻭﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻨﺎﻧﻴﻦ الملتزمين ﺑﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ، ﻋلى التعامل ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻠﺼﻖ ﻋﺒﺮ ﻣﻔﺮﺩﺍﺕ بسيطة، يستطيع ﺍﻟﻤﺘﻠﻘﻲ ﻓﻬﻤﻬﺎ ﻭﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺑﻬﺎ، ﻷﻥ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻤﻠﺼﻖ يكمن ﻓى ﻛﻮﻧﻪ ﺗﺜﻘﻴﻔﻴًﺎ ﻭﺗﺤﺮﻳﻀﻴًﺎ، ويندرج فى أساليب ﺍﻟﻨﻀﺎﻝ ﺍﻟﺜﻘﺎفى ﻭﺍﻟﺴﻴﺎسى ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎعى ﻟﻠﺸﻌﻮﺏ، ﻓﺎﻟﻤﻠﺼﻖ ﻫﻮ أحد اخطر الوسائل ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻳﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺤﺎﺭﺏ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ، ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﺩﻣﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، ﻣﻦ ﻫﻨﺎ جاء ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ الشهيد عبد العزيز ﻭﺗﺮﻛﻴﺰﻩ ﻋﻠﻴﻪ.

– ﻣﻦ ﻣﺎﺫﺍ ﺍﺳﺘﻤﺪ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻪ ﻭﺭﻣﻮﺯﻩ؟

ﺍﺳﺘﻤﺪ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ الفلسطينى ﻭﺍﻟﻌﺮبى، ﻓﺮﺳﻢ ﺍﻟﻔﺪﺍئى ﻭﺍﻟﺤﺼﺎﻥ، ﺭﻣﺰﻱ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، ﻭﺍﻟﺰﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﻣﺰ للأمل ﻭﺍﻟﺤﺮﻳﺔ، ﻭﺍﻟﻜﻮﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺒﺮﺗﻘﺎﻟﺔ، رمزين لفلسطين، ﻭﺍﻟﺤﻤﺎﻣﺔ ﺭﻣﺰ ﺍﻟﺴﻼﻡ، وﺍﻷﺳﻼﻙ ﺍﻟﺸﺎﺋﻜﺔ ﺭﻣﺰ الاحتلال، ﻭﺍﻟﺸﻤﺲ ﺭﻣﺰًﺍ ﻟﻠﺤﺮﻳﺔ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇلى ﺍﻟﺰﺧﺎﺭﻑ ﺍﻟﻜﻨﻌﺎﻧﻴﺔ، ﻟﻠﺘﺄﻛﻴﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺬﻭﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻟﻠﺸﻌﺐ ﺍﻟﻔﻠﺴﻄﻴنى، وقد عكست الملصقات التالية الواقع الفلسطينى بكل تجلياته، ونلاحظ ذلك ﻓﻲ ﻣﻠﺼﻖ ‏( ﻳﻮﻡ ﺍﻷﺭﺽ ‏) ‏( 1 ‏) + ‏( 2 ‏) ، ‏( ﺻﺒﺮﺍ ﻭﺷﺎﺗﻴﻼ ‏) ‏( 1 ‏) + ‏( 2 ‏)+ ( 3 ) ، ‏( ﻧﻤﻮﺕ ﻭﺍﻗﻔﻴﻦ ﻭﻟﻦ ﻧﺮﻛﻊ ‏) ، ‏( انطلاقة الثورة الفلسطينية ‏) ‏( 1 ‏) + ‏( 2 ‏) ‏( ﻻ ﻟﻠﻨﻴﻮﺗﺮﻭﻥ ‏) ، ‏( ﻣﻬﺮﺟﺎﻥ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ ﻣﻮﺳﻜﻮ ‏)، ‏( ﺃﺑﻌﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ الفلسطينية ‏)، ‏( ﻻ ﻟﻤﺼﺎﺩﺭﺓ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ ‏)، ‏( ﻟﻤﺎﺫﺍ؟ ‏) و ( فلسطين ).

ﻟﻘﺪ ﺣﻘﻖ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻠﺼﻘﺎﺕ الاقتراب ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﻟﻤﻘﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻠﺼﻖ ﻣﻦ حيث التكثيف والتلخيص للحدث حيث وفق في استخدام مفردات معبرة عن طبيعة الحدث.

هذه الملصقات تتسم بقدرة تقنية عالية في الرسم والتنفيذ والمخاطبة الوجدانية الحسية والوجدانية… وفيها نماذج تميزت بالوضوح والبساطة، فيها من الإقناع ما يجعلك غير مكترث بالأسلوب الذي ينفذ فيه الملصق، وفيها ذلك النزوع الوجدانى الذي يبدو واضحًا فيها، كما فى ملصق ” يوم الأرض ” والمتكون من عنصرين أساسيين: يد وبرتقالة، حيث تقتحم اليد الأسلاك الشائكة نحو البرتقالة. وما يلفت النظر هو الإيصال المباشر للفكرة دون لبس أو غموض، بالإضافة إلى قمته المتناسقة من خلال التوزيع الهادئ وغير المتوتر على اليد التي تنزف دمًا بسبب السلك الشائك والذي يرمز للاحتلال الصهيونى.. وقد أعطت اليد بعدًا مضمونيًا جديدًا.. كأنه حال لسانه يقول بأن طريقنا إلى فلسطين ليس سهلًا ولن يكون إلا بالكفاح والدم… حيث تنتقل عين المتلقى بسهولة وبلا توتر بين هذين العنصرين دون الخروج عن إطار الملصق، وهذا ينسحب أيضًا على ملصق ” البندقية طريقنا للحرية ” والمؤلف من عناصر معروفة تمثل الأسلاك الشائكة وقد اقتحمتها بندقية تطل من فوهتها سنبلة قمح تعانق قرص الشمس.

وفى ملصق آخر ” ليوم الأرض ” يؤكد الفنان على الهوية التاريخية للشعب الفلسطينى وقد رمز إلى فلسطين من خلال زهرة الأمل التى تنشد الحرية والخلاص بتعانقها مع قرص الشمس الذى رمز إليه بالحرية.

يتألف هذا الملصق من عدة عناصر: الكوفية الفلسطينية وبعض الزخارف التي فرش بها أرضية الملصق. ومن وسط هذه العناصر تخرج زهرة حمراء وقد استقرت في قرص الشمس.

واستخدم في ملصق ” صبرا وشاتيلا ” الرسم والتصوير الفوتوغرافي ( الكولاج ) أي استخدم صور فوتوغرافية من الأرشيف لمجزرة ( صبرا وشاتيلا )، وقدم القاتل والضحية بصيغة متميزة.

ويصوّر صمود الشعب الفلسطينى فى ملصق بالرسم مقتربًا من التصوير لناحية فهم العمل ( كلوحة ) وكتب عليه شعار ” نموت واقفين ولن نركع ” حيث يبتعد هنا عن الصورة الضوئية ليحقق عمله بتقنية الرسم والتلوين، لكن بصيغة واقعية.

والشيء المميز فى هذا العمل يكمن فى تصويره للمجزرة من جهة وحتمية الصمود وتحقيق النصر من جهة أخرى… كل ذلك قدمه لنا الفنان عبد العزيز عبر عنصرين لهما أكثر من جانب رمزى.. يد تنزف دمًا، تمتد من خلال نافذة غرفة ( الزينكو ) أي الغرفة المبنية من صفائح الحديد، وعلى الحائط مكتوب وبالدم ” نموت واقفين ولن نركع ” ليعلن بذلك عن بشاعة المجزرة.

وفي ملصق ( الانطلاقة ) الذى تتكون عناصره من كوفية، وبيضة وقنبلة، حيث نشاهد بقع الدم فى بعض الأماكن من الكوفية التي تتوسطها البيضة التى تخرج من وسطها قنبلة، وقد استخدم الفنان عملية التضاد بين البيضة التي تنشطر وتتكسر أثناء عملية الولادة ( كرمز للسلام ) وبين الكوفية والقنبلة التى ترمز للولادة والكفاح المسلح.. وكأن الفنان يريد أن يقول لنا عبر الرسم أن السلام لن يتحقق إلا من خلال الثورة، وهذا الملصق يتمتع بقدرة رائعة على الإفصاح، أى أنه من النوع الذى تستغني فيه عن الشعار السياسي في الملصق.

ويعلن الفنان احتجاجه في ملصق ( أبعاد القضية ) من خلال تضمينه بعض العناصر والرموز على شكل خوذة جندى مملوءة بالنفط، رسم عليها العلم الأمريكى، وضمن الخوذة نبات تحولت زهراته إلى نجوم سداسية مدببة ملتفة حول زهرة الزنبق والتي تحتضن في قلبها خارطة فلسطين.

وفي ملصق ( لماذا ؟ ) وكلمة ( فلسطين ) تظهر أصابع يد مسمرة بالحديد، تحمل ريشة تكتب كلمة ( لماذا ؟ )  وتتشكل كلمة فلسطين بالدم الذي يسيل من الأصابع حيث تقودنا الريشة إلى عملية المنع والتي تعني مصادرة الحرية والرأي والتعبير…

ويعبّر الفنان الشهيد عن تضامنه في ملصق رسمه ” لمهرجان الشباب العالمي في موسكو ” الذي يتكون من فراشة رُسم على جناحيها الكوفية الفلسطينية وهي تحلق فوق شعار المهرجان الذي تحول إلى وردة لها أوراق، وهنا اختصر الفنان مسافته للإفصاح عما يدور في ذهنه من خلال استخدامه لعناصر تعبيرية أساسية معروفة بصريًا والمتمثلة بشعر المهرجان الذي يطبع ويصوّر ويوزع بشكل مسبق، وبالكوفية التي أصبح رمزها معروفًا ومتداولًا عالميًا.

هكذا ترجم الفنان الشهيد عبد العزيز إبراهيم مواقفه إلى لغة فنية عبر عناصر ورموز بسيطة من خلال الملصق الذي يعتبر من أهم وأخطر الأجناس الفنية صعوبة.

أخيرًا، لم يرحل عبد العزيز، فما زالت ضحكته الجميلة تتردد أصداؤها في كل مكان جلس فيه، وما زال معنا من خلال إبداعاته الرائعة والمتوهجة..التى لم يساوم عليها، لأن الفن كان بالنسبة له خلاصة من روتين الزمان وبؤس العيش..

عبد العزيز المرهف الإحساس، كان دائم التفاؤل، وروحة كانت تواقة أبدًا للتغيير والمغامرة.. كما كان مفرط بمحبته، ولم يقم يومًا حدودًا بين المحبة والمجافاة.. عرفته في عام 1980 عندما التحقت في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وقد كان حينها في قمة فورانه الأيديولوجى والفنى.. بعد ذلك توطدت علاقتى به وبعائلته الكريمة وأصبح الصديق التوأم الحميم والمحب المخلص والكريم.. لم يكن يشبه إلا ذاته… عبد العزيز: ما زلت أفتقد رفقتك وجلساتك في الأماكن التي أحببناها معًا، وافتقد عصف أفكارنا، وفنجان قهوة الصباح..

عبد العزيز: كيف ما كنت أحببناك وسنبقى نحبك فاسترح؛ ولروحك الرحمة والسلام والمجد والخلود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*