عندما نحس باللون.. يحيا ويتحرك، تأملات في أعمال لينا حجازي

3٬908

كتب/ محيي الدين ملك
في تأملاتي الممتدة مع أعمال الفنانة (لينا حجازي) استوقفتني عبارة مُعبِّرة لشاعر اللون (كاندنسكي):”الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح”. الروح التي تسافر وتبدع ومن ثم تواصل رحلتها صوب الروح؛ روح المتلقّي، التي بدورها تتلقّى تلك الوهجة النائية في أفق الانتظار، انتظار ما تقوله اللوحة.

وكفاتحة للمتعة، أردت لمن يأنف فن النظر والإصغاء أنْ يظفر بالعوالم المفتوحة والمغلقة.. المضيئة والمعتمة.. البسيطة والشديدة الكثافة.. لأعمال هذه الفنانة: باقة من لمسات واقعية وهمسات تخييلية، تحيلها إلى منطوقات لونية متنوعة. تدغدغ عينك المتأملة بحنين، وأذنك الصاغية برنين عذب.. تتسلل إليك بخفقة خفيفة إلى درجة غريبة ساحرة.. ثم تستعيد صورتها الأصلية على وجه مغاير. وها أنا أبدأ القراءة. قراءة تلزم على المتلقي سدَّ الحاجة للمبدأ القائل: إنَّ الطبيعة تأبى الفراغ. الفراغ الذي يدفعنا لأن نفكر بظاهرة الصوت ومظاهر الجمال، صوت في صدى.. وجمال في مدى.. يتقاسمان أعمال الفنانة (لينا حجازي).

على هذا الإيقاع، تساهم هذه المغامرة التأويلية في الدخول إلى عالم (لينا حجازي) من خلال مستويات: مستوى الشكل وارتحالاته. ومستوى المحتوى وحالاته. ومستوى التقريب والتلقي الحاصل بفعل الشكل والمحتوى اللذان يتغذيان من ذات مبدعة تغزو كما الفاتحون الذوات المتلقية التي تحتاج إلى جمال جديد. هكذا تبرز شعرية اللون: الوعي باللون وارتحالاته، وبالذات الفنية المبدعة، وهما المسألة التي يتمحور حولها القسط الأوفر من مغامرة القراءة في هذه التجربة: الأسلوب، الوعي الجمالي والفني، والوعي بالحياة والناس. تلك هي أكثر المترادفات التي يمكن من خلالها التعبير عن جوهر التجربة التي تعنينا.

فالمتأمل إلى الأشكال، لا بد أنْ يستعيد شيئًا من الاستعارات الفنية البديهية، تجعله يتصور العوالم الممكنة لمجموعة من الأساليب الفنية التي تأثرت بها الفنانة، أقصد الفن الإيطالي. (رينوار) و(مونيه)، وأسلوب المنمنمة.. ولكن الفنانة استطاعت أنْ تروض تلك الطاقات والإمكانات، لتستعد مع كل تجربة للدخول إلى عالمها الخاص، وإلى العالم العام. وبمزيد من الحركة والنشاط والصبر الجميل تعيد تشكيل أشكالها التي تنمو بشكل فجائي على المساحات البيضاء بيقين القلب الخافق – الفرح، والمفعم بسحر الشرق، هذا المكان الذي له مذاق خاص في هذه التجربة.

وهكذا بالنسبة للمضمون، حيث يغدو الإحساس باللحن والفرح والحرية نشوة طاغية تتجاوز جدران المرسم؛ مرسمها الخاص. وكأنّ كل تجربة ليست إلا مغامرة، وسفر طويل وراء شيء خفي، وخافت يومض من بعيد. وصانعتها، تمتطي صهوة ألوانها.. تمر على آلاف الوجوه التي تحلم بالفرح.. وتحلم بالنغمات، ذلك أنّ النغمات ترتِّب حركاتها وإيقاعها.

هذه المصادفات التأويلية تكون “ذات معنى” حين نتعرف على هوية الفنانة (لينا حجازي) فجذورها من أرض كويت، هذه الأرض التي قيل فيها:” هي الأم التي ترضعنا.. وهي الحرف الذي نكتبه. وهي الشعر الذي يكتبنا. كلما أطلقوا سهمًا عليها. غاص في قلبي أنا”. والحب الشديد للفن جعلها تنذر نفسها له كما يفعل الرهبان. فقد أدركت منذ الصغر تلك النشوة الراقصة  الرفيعة التي يمنحه الفن لها. وأنَّ المغامرة في روحانية اللون وهندسة التلوين هي دائمًا في متناول الإنسان المندفع المُتَحَفِّز، تمامًا، كما قال الفنان (مييه): “الفن معركة وعلى الفنان أنْ يضع حتى جلده فيها”. ولقد وعتْ هذه المقولة جيدًا.. فقرعت باب الفن ودخلت بعد أن شعرت بجاذبية اللون ورعشة الريشة التي راحت تلوّن بها عالمها المحمول على لوحات متألقة.

(لينا حجازي)، ترى أنّ أكبر مصادر الإلهام لها ولفنّها، هي: حب الموسيقى، الموسيقى التي قال عنها (جلال الدين الرومي): “من دون الحب.. كل الموسيقى ضجيج.. كل الرقص جنون..”. والمشاعر الإنسانية الشاهد الروحي على الكينونة، بل والتعبير الملون لحالات مفعمة بالحماس والانفعال. ومن مصادرها أيضًا، السفر والترحال.. لأنَّها تريد أنْ ترى ألوانًا كثيرة، وقوائم لا نهائية لأشياء في العالم.. كي تفتح أمامها آفاقًا ما كانت أبدًا في الحسبان. كل هذا يجعلها تُجَدِّدُ ألحانها وألوانها.. في انطلاقة ساحرة صوب مدارج الجمال.

وبما أنّ القراءة مغامرة تأويلية للقصص الغرائبية والحكايات الغائبة. للأصوات والألوان التي تسكننا، تجعلنا نتصيّد بدقة الأحلام التي تعيش في لوحاتها. ونترصد برقة الأصوات التي تهيم فيها، لتنفذ إلى عمق أرواح تائهة ومتعطشة إلى نقاء اللون وصفاء الصوت. فلوحات (لينا) بما تحملها من أسرار موسيقية وسرديات لونية غاوية تمنحنا فرصة التجول بهدوء، كي نستطيب أماكن البياض فينا، بل تعيننا للدخول إلى الأقاليم المجهولة، وفي صحبتنا نور يزيل العتمة، وصوت نرجو منه أنْ يطغى على الصخب. ذلك أنَّ “الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*