عبدالرازق عكاشة:حق الشعب المهدر عبر صناعة تزييف التاريخ

وجوه الفيّوم 2

984

باريس ـ عبدالرازق عكاشة:
في الحلقة الرابعة من فصل الخط الأسود، قائد زيارتنا في متحف اللوفر، نهر العشاق وبيت حجيج المبدعين الباريسي الشهير، سنكتشف معًا، أبعاد وجوه الفيوم، خطوط الإبداع، وتأثيرها في هوية الفنانين العالميين.
المصريون هم أول من أبدع في (كلمات الصباح)، على غرار صباح الفل، الورد، الياسمين، صباحين وحتة،كيف لا وهو شعب لا يمكن الإمساك بروحه المتشبثة بخيوط النور، الراسم على خط الإبداع مسارًا للرزق والإنسانية.
ونواجه اليوم حقيقة أنَّ الشعب المصري، على الرغم من كونه شعب طيب، إلا أنَّه يهمل حقه، وكثيرًا ما يركن إلى الدين، ويعتمد على البركة بشكل تواكلي، بعيدًا عن مفهوم التوكل، ويخلط بين هذا وذاك.
قد يتساءل القارئ عن السر وراء وصفي للمصريين على هذه الصورة، والإجابة سيجدها في حديثنا اليوم عن وجوه الفيوم، التي تعدُّ إحدى الأمثلة الحقيقية لصناعة تزييف التاريخ، وتشويه العقل الجمعي تجاه التراث المصري الأصيل.

إهمال ظاهرة وجوه الفيوم:
وجوه الفيوم، للمرة الثانية التي لا يعرف الكثيرون كيف أبدعها المصريون، ولم يلتفتوا يومًا إلى ما تعرّضت له من إهمال.
هنا أعني إهمال الاحتفاظ بها، إهمال تاريخها، دراسة تأثيرها في مجتمع بلادنا، وفي مجتمعات أخرى، وصلت إليها حتى صارت إحدى أيقونات الفن العالمي، التي يحتفظ بها متحف اللوفر في باريس.
أستغرب كيف احتفظ المصريون بصور من ثقافات غريبة، منها الغربية ,الصينية ,التركية، متناسين صورًا من حضارتهم الذاتية، مهملين حتى دراستها، لاسيّما بعدما أجريت بحثًا عبر الشبكة العنكبوتية، وفي المكتبات، لأكتشف أنَّ غالبية ما كُتب عن وجوه الفيوم، يعتبر قليلاً، قدمه مجموعة من علماء الآثار ,وقلة قليلة من التشكيليين.

أسباب الإهمال المتعمّد لوجوه الفيوم “دينيًا”:
وأظن إنَّنا أهملنا وجوه الفيوم لأسباب ,عدة مرّت بتدرجات زمنية مختلفةأهمّها :
صناعة تزييف التاريخ، التي روّجت لدى الشعب المصري المسلم، أنَّ تلك القطع الفنيّة النادرة، تعود لوجوه قبطية، وبسبب الجهل ربّما وعدم التمييز بين كون المصريين جميعًا أقباط وبين الديانة المسيحية، ابتعد المسلمون عن اقتناء تلك اللوحات الفنية العذبة، في مظهر من مظاهر التعصّب.
ثانيا على الجانب الآخر،روِّج بين المسيحيين المصريين، أنَّ وجوه الفيوم تعود لشخصيات بيزنطية، ذات معتقد مختلف عن مسيحيي الشرق، لذا تجنّبوا الاحتفاظ بها، تعصبًا لديانتهم الشرقية فحين أن وجوه الفيوم تجسّد العبقرية المصرية فقط ، لاسيّما أنّها توثّق حال شعب في حقبة زمنية عاشها،بعيدًا جو تخليد الملوك، أو القادة على عادة تلك الحقب، إلا أنَّ الجميع تجاهلها، وأغفل عن أهمّيتها، بوازع التعصب، البعيد عن مبتغى الأديان السماوية التي تدعو إلى التسامح والتعايش والمحبة، فضلاً عن المساواة بين بني البشر، وهنا يتبيّن لنا، كيف أهدر الشعب المصري، قيمة فنّية وتاريخية، بطيبة وسذاجة ربّما،في الأديان الثلاث، تعلّمنا أنَّ الناس سواسية أمام الرب الواحد، إلا أنَّ الشعب المصري، وغالبية المجتمعات الشرقية، تجاهلت التسامح والمساواة وتمسّكت بأشكال التعصب، وكأن اليهودية والمسيحية والإسلام تحتاج من يدافع عنها من خطر الآخر،
الذي هو بالضرورة مجهول إلى حد ما في الأوساط الاجتماعية، لنقف في حياتنا عند تخليد الأسياد، وإغفال الشعوب، هذه لوحات أبناء الشعب أحفادهم كانوا في ثورة 25 يناير الرائعة فعلى الرغم من أنَّ الرسائل السماوية الثلاث، التي دعت إلى رعاية البسطاء، والابتعاد عن التسلّط على الناس، وعدم احتكار الحياة والرفاه للأسياد.ووجه الفيوم نموذجًا.

البعد الاجتماعي في إهمال وجوه الفيوم: وشكرًا الفنان د/ أحمد نوار 
ترك النقد التشكيلي تحليل تلك اللوحات التي سُمّيت بوجوه الفيوم لمفتشي الآثار، وهو ما يفسر غياب معرفة التشكيليين عن تلك اللوحات تاريخيًا ومعرفيًا.
إلا أنّني هنا، لابد لي أن أشيد بموقف الدكتور أحمد نوار الفنان القدير في التركيز الإبداعي على تلك الوجوه في مراحل عديدة من أعماله كفنان حقيقي أصيل، والذي يعدُّ أحد أهم حفاري مصر، وهذا حق يجب أن يقال.
هو أحد القلائل من رواد الحداثة المصرية اللذين أعادو حالة الارتكاز إلي تجسيد جماليات وجوه الفيوم وبالعودة إلى محورنا في البحث عن أسباب إهمال هذا الإبداع المصري، الذي انطلق من الفيوم إلى العالم، لاسيّما في الإطار الاجتماعي لهذا التجاهل، نجد أنَّه قد صور للعديد منا، أنَّ وجوه الفيوم، تعود (لأموات) وتجسّد الحزن، على الرغم من أنّها وجوه نابضة بالحياة، تكاد الأعين فيها تنطق وتحكي ما تكتمه الأفواه.
لقد شعرت بها كنت أغمض عيني وأفتحها لأشاهدهم أمامي في ميدان التحرير عشاق الوطن فهي وجوه غنية بالدراما اللونية،قادرة على الحوار بشكل يفوق غالبية لوحات فناني الغرب الصامتة، وجوه الفيوم، هي لأشخاص كانوا على قيد الحياة حين رسمت، لكن على الرغم من فناء أجسادهم،قديما بعد فإنَّ الجمال لم يمت في ملامحهم، الجمال حي وإن غادرنا النموذج المرسوم مايسمي (الموديل )إلا أنَّ الأفكار التي سممت البصيرة المصرية، دفعت إلى إهمال هذا الفن الرائع.بحكم أنهم أموات.

اللصوصية الاستعمارية وأرشيفنا الغائب:
“لقد سقط منا حق الشعب”، فوجوه الفيوم هي وجوه لو راقبت حتى طريقة تلوينها، لتأكّدت أنَّها من ألوان صنعت في مصر، من تربتها الخصبة، ومزاجها المصري، ممتزجة بعرق الرجل البسيط، وشقاء أيّامه.
ولعل المقام هنا يتّسع لي، لأدعو قطاع الفنون، إلى المبادرة، وجمع ما تبقى من تراث 120 عامًا من الفن الحديث المصري، وإنشاء المتاحف، في المحافظات توسيع القاعدة ووضع خطط للتطوير العلمي، وأرشفة مقتنياتنا، بأشكالها كافة، حتى لا تضيع الإبداعات، مع مرور الزمن عليها.
بعيدًا عن العنصرية الاجتماعية، التي فوتت علينا كذلك دراسة الفنون المسيحية المصرية، وروعتها في استخدام خامات جديدة اقتصاديًا، وتأثيرها في الإبداع المصري.
بالمثال إهمال تسليط الضوء على العمارة الإسلامية وروعتها، على سبيل المثال في بناء مسجد عمرو بن العاص، وأحمد بن طولون، والمساجد الفاطمية، وهو ما يدعونا إلى الانتصار فنّيًا على العنصرية الاجتماعية، وإعادة فتح ملفات الفنون البصرية المصرية كلها، بغية استرداد الهوية المصرية.

الغرب ووجوه الفيّوم مرة أخرى:
بينما ضيّعنا نحن الكثير من الإبداع بعنصرية بحتة، اتّسم الغرب بالذكاء، إذ أنَّ فناني الغرب عرفوا بالثقافة، ونزع منهم فتيل العنصرية في الأخذ من الآخر، إلا أنَّه حين يبدأ المنح تظهر طرق الذكاء.
بالطبع، لست وحدي من يجزم بتأثر مودلياني، وجورج رووه، وماتيس، من مبدعي المدرسة الوحشية بداية من كيز فان دونجن، بوجوه الفيوم.لكن رأيكم مهم كذلك في الحسم مثل فناني الغرب جميعًا يعترفون ببعض، ونادرًا ما يعترفون بالعرب، فضلاً عن عدم اعترافهم بالتأثر بالحضارة الإفريقية، التي كانت تحت لوائهم إبان حقبة الاستعمار، وذلك لا لشيء سوى ظنًا منهم أنهم أسياد الإبداع، وأنَّنا تابعون لهم.فقط وهذا تحديدًا، ما كنت أقاومه باستمرار أثناء عملي في صالون الخريف، سواء نائبًا للرئيس، أو عضو مجلس إدارة، كأول فنان من خارج أوروبا الأرستقراطية. وقد يجهل البعض، أنَّ الأوروبيين، منذ إنشاء الصالون عام 1903 لم يسمحوا حتى لفنان من أوروبا الشرقية بدخول مجلس الإدارة، فما بالك بأول عربي وإفريقي يقود جلسات اختيار الفنانين، والتحكم في مصير العروض والندوات؟؟

ولنتناول معًا الآن تأثر بعض النماذج الغربية بوجوه الفيوم:
جورج رووه:
الفنان الفرنسي المولود في عام 1871، والذي فاضت روحه عام 1958م، كان من دعاة الأخلاق والقيم في مجتمعه، لتعكس أعماله كراهيته للنفاق والفقر والخطيئة والحرب والفساد، إذ تصدى من خلالها، لفساد القضاء والكنيسة، وهو ما يدفعني إلى التوقف عند رسالة جورج رووه، وتحويلها إلى هدف فني مهم، متطابق مع رسالة المصري القديم.
وبتتبع الخط الأسود في مسار زيارتنا إلى متحف اللوفر، نجد أنفسنا نسأل جورج رووه القديس الفنان: “من أين كل هذه القدسية في أعمالك، والوجوه التي رسمتها؟ من أين كل هذه الدراما والبساطة؟ أليست من وجوه الفيوم؟ هذه العيون الساحرة السوداء، الغائرة في الحزن العميق، الصوفية المرتبطة بالحالة المصرية الدينية الأصيلة أليست من وجوه الفيوم؟”.
وأريد منكم الآن أن تعيدوا تأمل جورج رووه جيدًا، انظروا في عيون من رسم، سوف تتأكدون وبفخر، من أثر المصريين في وجوه الفيوم، وإن كانت وجوه الفيوم أكثر عمقًا، وأكثر نبلاً، وأكثر وعيًا، لاسيّما في جمال الخط الأسود، الذي يظهر أكثر بهاءً، فهي وجوه تغيب عنها المسحة الأوروبية في أعمال سابقيه، ممن تأثر بهم مثال فان خوخ.

مودلياني:
ويعتبر الفنان الشهير، الأكثر تأثرًا بوجوه الفيوم، فعيون “الموديل” لديه تظهر أكثر صحوة، عمقًا، ما يؤكّد أنّه الفنان الأكثر قراءة لتاريخ الإنسانية عامة، وليس كقديس مثل جورج رووه.
مودلياني، هو الأكثر إبداعًا وتجديدًا في الخطاب البصري، لذا هو أكثر انفتاحًا على الآخر، وأكثر علمًا بالألوان، ولعلّه أيضًا كان أكثر شفافية من سواه على المستوى الروحي. وكل ذلك موجود بدقة لو تأملنا وجوه الفيوم.
نقاد الغرب قالوا “إنَّ مودلياني، الذي ولد في 12 تموز/يوليو 1884، ورحل في 24 كانون الثاني/يناير 1920، في ليفورنو التابعة لمقاطعة توسكاني بإيطاليا، تأثر بالفن الروماني”.
ويأتي هذا الزعم، خوفًا من ذكر تأثره بوجوه مصرية، هي وجوه الفيوم، الأصل الفعلي والمصدر المهم للإلهام، وهو ما قد يكتشفه كثيرون بمراجعة الصور وعقد المقارنة بين لوحات مودلياني ووجوه الفيوم.

ماتيس:
وهو من وجهة نظري، الفنان الرائع، الذي لم يختر الطريق السهل، بل عبر المضيق إلى الجمال الكبير، متجاوزًا جبال الهموم إلى البساطة بجمالها، ليمنح الإنسانية الفن بلغة مختلفة، فيها من اللعب والبهجة والدهشة، فهو ماتيس صاحب لغة السحر في الإبداع.
ولماتيس أعمال عديدة، تأثر فيها بالحضارات لاسيّما المناخ العام في شمال القارة السمراء، والدول المختلفة. وفي بعض أعماله، نجد أيضًا وجوه الفيوم، والخط الأسود فيها، موجودًا يحكي عن ذاته.
ولمن لا يعرف، فإنَّ هنري ماتيس (Henri Matisse) قد عاش في للفترة بين (1869-1954م). وهو رسّام فرنسي. من كبار أساتذة المدرسة الوحشية (fauvisme)، التي أسسها كيز فان دونجن.

تقنية الرسم تتحدّث:
وأخيرًا، أتطرق إلى تقنية الرسم، إذ يقول الدكتور عزت زكي حامد قادوس، في كتابه “بورتريهات الفيوم”:
“كانت البورتريهات تلون بفرشاة مصنوعة من ألياف النخيل، لإضافة وتوزيع الألوان على الخلفية والشعر، وساعد الجو الدافئ في مصر على توزيع الألوان على الخلفية والثياب والشعر، فضلاً عن توزيع الشمع على هيئة طبقة رقيقة ومتساوية على خلفية الرسم من وجوه الفيوم”.
وأشار قادوس إلى أنَّ “ذلك يظهر في بورتريه لسيدة من هوارة، إذ يظهر في الجزء السفلي آثار الفرشاة لتوزيع اللون القرمزي على الثياب، كما تظهر علامة الألياف المتفرقة لفرشاة مفلطحة على اللوح الخشبي”.
وبيّن أنَّه “كانت الأصباغ أو المواد الملونة المستعملة في تشكيل هذه الصور متوفرة، إما في صورة مواد ترابية، مثل المعادن الطبيعية المتداخلة، أو مواد مستخرجة من النباتات، مثل نبات الفوة، الذي كان يستخرج منه اللون الأحمر، ثم يخلط بالطباشير أو الجبس”.
وعن رسامي البورتريهات، أوضح قادوس في كتابه أنّه “يرى الأثريون أنَّ راسمي لوحات الفيوم هم فنانون مصريون، استعملوا في رسمها قواعد المدرسة الإغريقية الفنية، التي هيمنت على فنون الشرق”، لافتًا إلى أنَّه “اتسمت وجوه الفيوم بالإطار الفرعوني والأصول الفنية المصرية القديمة”

تعليق 1
  1. احمد منصور يقول

    شكرا على هذه المعلومات القيمةوالتى لم أكن اعرفها عن وجوه الفيوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*