شاعر السواحل الكويتية الفنان التشكيلى الراحل عبد الله القصار

3/11/2020

1٬204

بقلم: غــازى انـعـيـم

إذا كانت الحركة التشكيلية الكويتية قد حفلت بنتاج العديد من المبدعين، فإنها نمت، وتحولت للأعلى والأكثر جدة، على مدى أكثر من نصف قرن وحتى الآن، عن طريق البحث والتجريب والمغامرة، من قبل فنانين جادين، انتشروا خلال تاريخها، عربياً وعالمياً، كمحطات أو نقاط ارتكاز، ينطلق منها في كل مرة الفن التشكيلي الكويتي، نحو الأفضل.

ومن هؤلاء يقف الفنان الراحل ” عبد الله القصار ” بتجربته الرائدة والفريدة في ملامحها داخل إطار حركة الفن التشكيلي الكويتي بشكل خاص، والعربي بشكل عام، وضمن ذلك الإطار حاول ” القصار ” التوفيق بين ” معطيات ” التراث الكويتي، القائم على أصول ” اللغة ” من ناحية، و ” المضمون ” المستخلص من ” الكويت ” المعنى والمكان من ناحية أخرى.

ونحن إذ نستذكره اليوم، إنما لنؤكد على أهمية تجربته الأصيلة في الفن والحياة، وعلى ريادته في الحركة التشكيلية الكويتية المعاصرة، التي قدم لها الكثير خلال حياته التي ستظل آثارها حية في النفس والذاكرة.

ـ ترى ماذا عن هذه التجربة الرائدة ؟

ولد الفنان ” عبد الله القصار ” عام 1941، في أحد أحياء مدينة الكويت المطلة على البحر، وفيها بدأ طفولته ومشواره الطويل مع الفن، حيث راح يرسم بفرشاته سواحل وشواطئ البحر، والصيادين الذين يعودون بلآلئ البحر وخيراته، وكانت ألوانه الممزوجة بزيت الطعام وبعض الكاز، صدى لهؤلاء البحارة الذين يترنمون من خلال صوت مزمارهم بالأغاني وأناشيد ” النهامة “.

وفي المدرسة لقي التشجيع من مدرسي التربية الفنية، وخاصة بعد أن كُلِّف وهو في المرحلة المتوسطة برسم لوحة ” طارق بن زياد ” التي شارك فيها في معرض البطولة العربية عام 1958 م.

وقد كان هناك شيء ما في داخل القصار يدعوه إلى التمرد على واقعه، فلم يجد وسيلة يعبر بها عن ثورته سوى ترك المدرسة.. ولم يكن أمام ” القصار ” إلا أن يبحث عن وظيفة يعتمد عليها أمام متطلبات الحياة، فما كادت تعرض عليه وظيفة في وزارة التربية، حتى قبلها على الفور، وكانت الوظيفة بالنسبة له عامل مساعد لمواصلة تنمية موهبته بالرسم، الذي ازداد تعلقه به، لأنه وجد من خلاله رفيقاً حميماً يبث لواعج نفسه..

وفي متحف الكويت تفتحت مواهب الشاب ” عبد الله القصار ” في المناخ الذي خلق له.. وحباً ورغبة في تعلم فن الرسم وتنمية موهبته بشكل اكبر التحق ” القصار ” بالمرسم الحر كهاو، وفي ذلك المرسم وجد التربة الصالحة التي يؤكد من خلالها ذاته وينمي شخصيته فانكب على التعلم بكل حماس، ونال من اهتمام أساتذته ما شجعه على المضي في طريقه بمزيد من اللهفة والعشق.

ومنذ ذلك الحين شق ” القصار ” طريقه إلى الفن، وتوجه لدراسة البيئة الكويتية بمعناها الواقعي، وذلك للتأكيد على ” الهوية ” ـ أصالة الموضوع ـ وتجلت براعته في رسم مجموعة من الأعمال التي استوحاها من العادات والتقاليد، والحارات الشعبية، والبيئة البحرية وبشكل خاص السواحل الكويتية.. المصدر الأساس في تجربته الفنية، حيث رسم بأسلوبه الخاص مختلف الموضوعات المرتبطة بتلك الحياة، ونذكر من أعمال هذه المرحلة على سبيل المثال لا الحصر:” صناعة السفن، العودة، بيت الصياد، الفرضة، على السيف، حي شعبي، مربط الحصان، فريج سعود.. “.

وقد سجل ” القصار ” بريشته على سطوح تلك اللوحات ما امتلأ بالحركة واللمسات الحرة والإيقاع الخطي النشط مختلف الموضوعات المرتبطة بالبيئة الكويتية الذي عاش بين ربوعها، وبذلك أصبحت لوحاته في ذلك الوقت سجلاً وثائقياً حافلاً بخصائص وتفاصيل تلك الحياة التي تناولها بمنتهى الرقة والعذوبة والشاعرية، وبذلك ظهرت جماليات البحر والأرض والإنسان ممزوجة بأحاسيس ” القصار ” الذي عاش وهو ينسج لوحاته من داخله، من ذاته المشبعة بعشق الوطن.

وفي عام 1961 شارك القصار في معرض الربيع، وقد كتب ( حامد حميدة ) في مجلة العربي، العدد الخامس والثلاثون يقول:

” استطاع هذا الفنان الناشئ أن يكون رسام السواحل الكويتية الأول، وصاحب الخطوط المنغمة، والظلال الهادفة، والتكوينات الموحية الرشيقة، في مهارة يسابق فيها أمهر الرسامين.

إن ألوانه العميقة المتدرجة لهي السهل الممتنع، فهو يكاد يرسم بلون واحد منغم بظلال هادئة، من جميع الألوان، يشف عنها في عمق ورزانة، وإحكام، ليخرج من اللون الواحد بعشرات الألوان، ومن الدرجة اللونية الواحدة بعديد ضخم من الدرجات.

إن الاتكاءة الحلوة لذلك الشراع الضخم، يستريح على الشاطئ في لوحته ” على السيف “، كأنها لغادة هيفاء تباهي البحر، فتميل من عجب بعد أن قهره جمالها وانتصر عليه “.

إلى القاهرة للتعمق في الفن

كان تفوقه في الرسم وحبه له من أهم الأسباب التي دفعت وزارة التربية إلى ترشيحه لبعثة دراسية في القاهرة ليزداد تعمقه في الفن، فالتحق في عام 1962 م بكلية الفنون الجميلة ( قسم حر ) تخصص تصوير، وانغمس بكل طاقته في الدراسة الأكاديمية يبحث ويجرب،  وفي هذه المرة لجأ إلى توسيع خبراته بالإفادة من أسلوب ” فان كوخ “، وبعض الفنانين المصريين الذين لهم سمعتهم الفنية، أمثال الحسين فوزي، والبناني، وراغب عياد، وسيف وانلي..

وأثناء دراسته الفنية قام بزيارات عديدة لحارات وشوارع وأزقة مصر القديمة، إلى جانب القرى والأرياف، بالإضافة إلى تأثره بشاطئ النيل وبالقوارب الشراعية وبصناعتها واتخذ ” القصار ” من تلك الأجواء بما تحويه من عناصر( جماد، حيوان، إنسان.. )، منطلقاً أساسياً للبحث عن أسلوب خاص به ليعبر فيه عن تلك الأجواء برؤية تسجيلية مسطحة، ولكن بأسلوب لا يفصلها عن شعبيتها.

هكذا تشرب ” القصار ” أثناء دراسته في كلية الفنون الجميلة روح الجدية والإصرار على تنمية ذوقه الجمالي، وكانت ثمرة دراسته في النهاية فوزه بالجائزة الأولى لمرسم الأقصر، وبفوزه بتلك الجائزة أحس ” عبد الله القصار ” لأول مرة بأنه يقف على أرض صلبة، وانه يتكئ على دعامة راسخة، وان سنوات دراسته لم تذهب سدى، لأن تلك الجائزة كانت عبارة عن منحة أخرى ولمدة أربع سنوات على حساب مصر لتكملة دراسته في مراسم الأقصر، وهناك أولى ” القصار ” اهتمامه بالتأمل والبحث والدراسة.. فعاش بين اللوحة والمناظر الطبيعة المتبرجة بألوانها وخصبها، وفي القرية المصرية، والمتاحف المفتوحة هذا من ناحية، والناحية الأخرى معايشته للبيئة الصحراوية والجبال، ثم الشمس القوية وعلاقتها بكل ما تطلع عليه.. فرسم بقلمه وريشته تلك الأجواء، ولكن بعد تأمل كبير للمنظر أو للمشهد الذي تأثر به أشد تأتير بغض النظر عن الزمان والمكان في رسوم سريعة، أو ما امتلكه من إحساسات انطباعية نسجتها الطبيعة في ذاكرته.. فأحكم تصميمها، دون الانشغال بمشكلة قرب الوحدات وبعدها في الطبيعة.

وفي مرسمه كان يتأمل ما رسمه في دفتر تخطيطاته ثانية، ويختار منها المشهد الذي يضع فيه تأملاته.. وملخص أفكاره.. وموجز مشاعره على المسطح الأبيض، تاركاً العنان لعفوية الانطباعات البصرية والشعورية، لتعبر عن روح المكان والزمان في آن واحد بأحاسيس حرة طليقة، وبألوان منتقاة من خلال أسلوبه الذاتي المفعم بالحياة والشعور بالزمان، دون استحضار تعاليم الانطباعيين، وهذا ما تؤكده لنا لوحاته المسماة:

” صناعة السفن، مسجد الجيوش، القلعة، الساقية، فلاحة، منظر من الأقصر، شيخ البلد يمسك بالمسبحة، حي شعبي.. “.

ومن خلال وجوده في الأقصر استنتج الفنان ” عبد الله القصار ” فلسفة الفن المصري القديم وأسلوبه الذي أعطى للفراغ دوراً مساوياً للتكوين والشكل.

وبروح الباحث الدءوب عبّر الفنان بالرسم عن تلك الأجواء بلغة بليغة مختزلة من خلال خطوط سريعة حيوية، جاءت على شكل ضربات لولبية صغيرة، تقترب من ملمسها ودرجاتها الصفراء والبنية إلى مثيراته الجمالية المحيطة به.

العودة إلى الوطن

عاد ” عبد الله القصار ” إلى الكويت في أوائل السبعينات، ممتلئاً حماساً، ومشحوناً برغبة صادقة في العطاء.. وعين أميناً عاماً للمرسم الحر التابع لوزارة الإعلام ( 71 ـ 1983 )، وبدأ العمل بجد وحيوية شديدة.. ليؤكد بأن العطاء مستمر وليدعم رؤيته التي بدأها من خلال فلسفة تخصه، وهي أننا يجب أن نهتم بأبنائنا من أصحاب المواهب، وأن نقدم لهم من خلال إبداعاتنا المثل والقدوة، حتى تمكنهم من صقل مواهبهم من خلال ما يصلهم من معلومات ستظل في عقولهم وهم يواصلون رحلة العطاء الفني.

كان فناننا من خلال إبداعاته.. المثل والقدوة، ومع ذلك كان لا بد للعمل الجيد أن يجد من يؤيده ولو بعد حين، فانفتح باب الأمل في وجه الشاب الطموح عندما تعرّف عليه الناقد والمقتني الفرنسي ” هرفيه أدورمات “، الذي كان من أكثر الناس ولعاً وتحمساً لتجربة الفنان ” القصار ” لما تزخر به من شحنة وجدانية ومعان إنسانية نبيلة.. فعرض ” أدورمات ” على ” القصار ” بأن يقتني منه لوحة كل شهر مقابل راتب يدفعه له من اجل ترويجها في أوروبا، وبقي هذا الاتفاق ساري المفعول لمدة عامين. وخلال تلك الفترة التي قضاها في تنفيذ الاتفاق، استطاع ” القصار ” من خلال بحثه الجمالي أن يطور مواضيعه من التعبيرية إلى السريالية، وصارت المرأة في أعماله هي البطلة والمحور الأساس في رؤيته الجديدة، لسرد قصصه كما في ( آدم وحواء، والمرأة والعنكبوت، والحمل، والولادة، والهودج.. ).

وأصبح اللون له مدلوله التعبيري وخاصة اللون الأزرق ومشتقاته، كما في لوحاته التي استمد موضوعاتها من القصص الخرافية التي تبعث الخوف في النفوس كما في ( السعلوة ) و ( السعلوة والمرآة ).

وتوج تلك الرحلة بحصوله عن مشاركته في المعرض العام للجمعية الكويتية على الجائزة الأولى بالتصوير في أعوام ( 72 ـ 73 ـ 1974 ). وشكّلت تلك الجوائز منعطفاً كبيراً في حياة ” عبد الله القصار “، وهذا الأمر يؤكد فيه على أهمية الفنان وتجربته الفنية فيما بعد في الحركة التشكيلية الكويتية.

في المرحلة التالية من حياته الفنية، أدرك ” القصار ” بحسه المرهف أهمية اللون والخطوط في التعبير عن الجانب الرمزي ـ الأسطوري، من حياة الإنسان، وفي خلق عالم خيالي سريالي يختلط فيه الحلم بالواقع والأسطورة، ويلتقي فيها الواقع بالخرافة والظاهر بالباطن.. فظهرت أعماله مشحونة بخيال غريب، وعبّرت شخوصه عن حالة الاستلاب والقهر الذي تعيشه، وقد توصل إلى ربط فنه بالناس الذين أصبحوا يرون معاناتهم اليومية مجسدة في لوحاته كما في: ” وحش البحار، ومذكرات بحار.. “.

وعبرت أيضاً عن لحظات خفية كامنة في عالم اللاشعور.. عالم الحلم والأسطورة.. واستطاع أن يعبر عن القيم التشكيلية المطلوبة كما في لوحاته: ” العروسة، الأطباق الطائرة، طريق الحصى، مرآة وإمرأة، الليلة الأولى، إبحار في منطقة الخيال، الحصان، الشوك، الأرض، الساقية، مادة تتكون.. “.

شاهد على العصر..

ومضى الفنان ” القصار ” يطور أسلوبه الجمالي، دون أن يخلو فنه على أي حال من اهتمامات بقضايا وطنية وقومية كبرى، وذلك حين جعل فنه شاهد على العصر الذي نعيشه عندما عبّر بالخط واللون عن الفاجعة المأساوية التي عاشتها الأمة العربية والإسلامية أثناء غزو العراق للكويت، فمجَّد المقاومة الكويتية وشهدائها الذين سقطوا في لوحة ” الشهيد ـ المقاومة “، وكذلك حين جعل فنه على صلة بالأحداث السياسية، عندما تناول الانتفاضة الفلسطينية في لوحة ” أطفال فلسطين في القرن العشرين ” كتعبير عن همه القومي ووقوفه إلى جانب الانتفاضة الفلسطينية المستمرة.

أهم العناصر التي تناولها في تجربته

إن أهم ما يميز تجربة الفنان ” القصار “، هو تركيزه على مجموعة من العناصر والمفردات أهمها:

ـ العنصر الإنساني ( الرجل والمرأة ).

ـ العنصر الحيواني ( غزال، جمل، حصان، قط، حرباء، ماعز، سمك.. )، وهو لا يختار هذه الحيوانات اعتباطاً، بل لما لها من جذور ضاربة في المعتقدات الشعبية.

ـ عناصر أخرى مثل: ( الصحراء، البحر، السماء، الشمس، القمر، الهلال، أدوات زينة، تراثيات، نباتات، قبور، حلزون، خوذ، حجارة، مفتاح.. ).

ـ أما بالنسبة إلى النباتات أو الأشجار، فقد عمل على تبسيطها والإيغال في حذف تفاصيلها، حتى وصلت إلى مجموعة خطوط مجردة ـ سريالية ـ استطاع من خلالها وبأقل الألوان، أن يحصل على الشكل المعبر عن الشجرة أو ساق النبتة، بأسلوب متميز يدل على حنكة فنية واقتدار فنان متمكن، كما في لوحة: ( الأرض، و الليلة الأولى، و الساقية ).

وكان استخدامه وتوظيفه للألوان الحارة والباردة ومشتقاتها على مسطح لوحاته أداته في التميز بين مساحة وأخرى سواء كانت بحر أو أرض أو سماء، أو إنسان أو حيوان أو نبات.. وكانت الأضواء التي تسطع أحياناً وتخفت أحياناً أخرى ـ ظل ونور ـ تتلاحم مع عناصره لتؤكد الشكل ثم تبعده من أجل إيضاحه في حوار فني ثري.

وقبل أن نختم لا بد من الإشارة بأن الفنان ” القصار “ دعا من خلال أعماله المفعمة بالحيوية والإثارة إلى تحرير النفس وإلى إعطاء القوة للخيال، لذلك جاءت أجواء لوحاته، تمتلئ بعناصر توحي بطقوس غامضة، وبأبعاد رمزية، وأجساد لكائنات مختلفة.. لها مدلولات عاطفية تتصف بالشاعرية والتراجيدية على حد سواء، وتثير الهواجس في نفس المشاهد، بل وتخاطب أعماقه وتوقظ ذكرياته بحلوها ومرها.

أخيرًا رحل الفنان ” عبد الله القصار ” في 12 يوليو / تموز 2003 م، وهو يحمل ريشته بين أصابعه، ويصبح في عداد الخالدين من أبناء هذه الأمة الذين حددوا للفن طريقاً واضحاً بعد أن امتلأت المتاحف وبيوت المعجبين بلوحاته، التي ستظل ثروة فنية ليست له وحده بل للكويت الذي كان في عين عبد الله القصار أجمل الصور واللوحات.. وحين نذكره، إنساناً، وفناناً، وأستاذاً، نشعر بأسى كبير.. فبرحيله فقدت الحركة التشكيلية الكويتية بشكل خاص والعربية بشكل عام أحد روادها الكبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*