سحر “الكجور” فى أقوال و أعمال التشكيلى و الحقوقى السودانى شحتو

11/8/2020

1٬305

د. أحمد عامر جابر
سؤال الإنتماء القومي أو الهوية الثقافية عرفه السودانيون كغيرهم من الشعوب، التي رزحت تحت نير الإستعمار الأروبي لعقود طويلة، خاصة بعد نيل إستقلالها. إذ أصبحت تترسم خطاها بإستدعاء ماضيها أو تشكيل مواقف تستند عليها، لبناء حاضرها ومستقبلها في وقت رسم الإستقطاب السياسي والحرب الباردة، بين الشرق ممثلاً في الإتحاد السوفيتي وحلفائه والولايات المتحدة وأروبا الغربية خطا فاصلا. هذا السؤال الحضاري المشروع أصبح ملحًا لدى النخب السياسية والثقافية في معظم البلدان التي نالت إستقلالها فيما بين منتصف خمسينيات وستينيات القرن المنصرم لا بعد قيام كتلة عدم الإنحياز التي شجعت الدول الناشئة على التحرر الوطني في كل المجالات سيما السياسية والثقافية، لذا لم يكن مستغربا تبني أهل الفكر والسياسة والثقافة مشاريع وطنية تبحث عن هويات دولهم الثقافية.

في هذا السياق نشط المفكرون والمثقفون السودانيون خصوصا في منتصف الستينيات في البحث عن تحديد وموجهات هويتهم حيث خرجت للوجود “مدرسة الغابة والصحراء” التي عنت بانتماء السودان الأفريقي والإسلام-عربي. في هذه الفترة التي علا فيها صوت عبد الناصر العربي واللا منحاز، إقترب السودان من مصر و طرحها بما يشبه علاقات البلدين في العهد الفرعوني-النوبي القديم، التي غلبت فيها طقوس وعادات بل عقائد أبرزها عبادة “آمون- رع”، حيث هيمنة الكهنة والسحرة على مزاولة الطقوس المختلفة واستمرارها وقد ظل بعضها ماثلاَ إلى يومنا هذا. هؤلاء السحرة والكهنة هم من ظل يتناولهم الفنان عبد الباقي شحتو علي أزرق في أعماله ومعارضه التي أسماها “الكجور” (المرادف السوداني للسحرة و الكهنة).

ولد الفنان الدكتور بمدينة كوستي، الميناء النهري الشهير على النيل الأبيض في أول يناير عام 1959 وعاش فيها فترة طفولته وصباه الباكر الذي عرف التنقل بين هذه المدينة ذات الموقع الإستراتيجى في وسط السودان قبيل إنفصال الجنوب ومدينة الدويم عاصمة ولاية أومحافظة النيل الأبيض سابقًا. وفي الأخيرة تلقى تعليمه الثانوي لينتقل بعد ذلك الى العاصمة الخرطوم ملتحقا بكلية الفنون الجملية والتطبيقية (جامعة السودان للعلوم و التكنولوجيا) التي نال فيها درجة البكالوريوس في الطباعة و التصميم عام 1985. بعد تخرجه عمل مصممًا طباعيًا ثم محاميًا بعد نيله إجازة القانون الذي درسه في جامعة القاهرة فرع الخرطوم. لقد واصل عمله في المحاماة بجانب نشاطه الفني وعرض أعماله ذات الصلة بالكجور الى أن هاجر الى سويسرا.

في سويسرا تحصل على العديد من الشهادات والدرجات العلمية على رأسها درجتى الماجستير في القانون الدولي 2005 والدكتوراه في العلاقات الدولية من مدرسة جنيف للدبلوماسية في 2010، كما أقام العديد من المعارض في عدد من صالاتها إضافة للعرض في “سوكتو قاليري” في نيويورك. جميع هذه المعارض قد لاقت ترحيبا واسعا وكتب عنها في عدد من الصحف العربية والأجنبية.

هذه الحصيلة العلمية والعملية إضافة لأسفاره الداخلية والخارجية المتعددة أكسبته رؤى و خبرات مختلفة وجهها في خدمة مشروعه الفني الباحث عن قضايا حقوق الإنسان والهوية الثقافية الذي إختار له الإسم “كجور”. في واقع الأمر يعرف متابعو نشاطه الفني أن معارضه التي حملت هذا الإسم قد بدأت باكرا في السودان وقد كتب عنها في الصحافة السودانية لا سيما مجلة “سوداناو” التي تصدر باللغة الإنجليزية.

في سويسرا التي أقام فيها معارضه الأخيرة كان حرصه على تقديم مشروعه “كجور” واضحًا. إنه يريد أن يعكس للآخر إرثًا حضاريًا حيًا تشكل مرجعياته المتواجدة في أمهات متاحف التراث العالمية، أملا في التواصل مع هذا الآخر بندية تعزز طرحه لا سيما أنه إستصحب علماء آثار أمثال البروفيسور بونيه وغيره بل أكد له الواقع أن تلقي الآخر لما يعرضه عمليًا و يطرحه نظريًا أكثر عمقًا وتقبلاَ مما عرفه في وطنه وهذا يرجع لظروف يعلمها الكل.

يقول شحتو عن هذا:”تراكم الخبرات البصرية لذوي العلم والثقافة الفنية مثل الشعوب الأروبية، جعلت التجاوب أكثر بكثير من بني وطني… همي الأول والأخير أن يعرف أهلي أن الفنان الكوشي استطاع أن يقدم فنا رفيعا، كتابة و رسمًا وأنه خلق من طقوس الرقص والزواج والموت وغيرها من أنشطة الحياة لوحات جميلة ومعبرة، ذلك منذ آلاف السنين.” لكن بالرغم من تناوله للكجور كعنوان بارز لما هو عريق و أصيل في معارضه نجده لا يستثني الآخر أبدًا، بل هو يدرك حقيقته كواقع حتمي في وجدانه كسوداني، يقول مؤكدًا: “أتعمد في لوحاني مزج الرموز الشعبية الإسلامية والعربية و الكوشية القديمة للتعبير عن تمازج الثقافات والأديان بتسامح كبير في السودان بعيدًا عن فرض ثقافة واحدة.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*