رائد الفن التشكيلى الليبى المعاصر الفنان المبدع عــــوض عـبــــيـــدة

3/10/2020

1٬257
بقلم: غــازى أنعــيم
يعد الفنان التشكيلى الليبى عوض عبيدة أحد كبار رواد الفن التشكيلى الليبى وأبو الواقعية الليبية، وهو أيضًا من الفنانين القلائل الذين عملوا منذ النصف الأول للقرن الماضى، بأن يكون له أسلوبه الخاص من جانب، وأن يكون للوحة الليبية خصوصيتها وهويتها وسط المشهد التشكيلى العربى والعالمى من جانب آخر.

وقد ساهم عبيدة من خلال أسلوبه الخاص فى تشكيل تلك الخصوصية عندما رسم على مسطحات لوحاته الموروث الليبى بمختلف أشكاله، من عادات وتقاليد وتراث وأرض وبحر وسماء وعمارة.. حتى تستفيد منه الأجيال القادمة.. ويكون مرجعًا لها.
والفنان عوض عبيدة الذى أقام 14 عامًا فى لندن، و ( 3 ) سنوات فى سويسرا، وذهب لأمريكا، وأقام معارض متعددة فى أرجاء أوروبا.. ولد فى حى ( سوق الحشيش ) بمدينة بنغازى بليبيا في 23 / 10 / 1923 م، لعائلة ميسورة ساعدته كثيرًا ومنذ البداية فى ألا يكل من الفن، حيث وفرت له المواد والخامات الفنية.. ودروسًا فى الرسم على أيدى فنانين وأساتذة كبار.. سعى للتعلم منهم والاتصال بهم عبر حياته ومسيرته الفنية فيما بعد.
فى ذلك الحى درس عبيدة الإبتدائية، وفيها أحب مادة الرسم، دون المواد الأخرى، وكانت إرهاصاته الأولى فى الثامنة من عمره عندما بدأ عبيدة يرسم بالفحم وأقلام الرصاص والطباشير الملونة على جدران بيوت جيرانه البيضاء ما تلتقطه عيناه من أشياء… وبهذا الفعل ساهم الطفل عبيدة من حيث لا يعلم بنشر الوعى الجمالى.. وبدل أن يكافأ بكلمة إطراء من هنا وهناك.. كان يعاقب من قبل الجيران على تلك الرسوم.
ومع مرور الأيام أصبح لاسم (عوض عبيدة) بين أقرانه وتلامذة مدرسته، مكانة خاصة أعطته قدرًا من التفرد والاحترام والتقدير، وبشكل خاص عند مدرس الرسم الإيطالى (فليرى) بمدرسة الصنائع ببنغازى، الذى ساعده ووجهه لما لمسه فيه من ميول فنية.. وقدّر فيه موهبته بل صارحه فى إحدى المرات بأنه تفوق عليه موهبةً وعطاءً وإبداعاً.
فى هذه المرحلة مارس الفنان عبيدة هواية التصوير الفوتوغرافى، وكان يملك محلاً للتصوير بشارع عمر المختار، وقد تعرض هذا المحل للسرقة فى بدايات الخمسينيات، حيث سرقت منه آلات تصوير ومعدات تحميض وأفلام وغيرها.. وقد ألقى الفاعل ببعض المعدات غير المفيدة له فى المنطقة القريبة من مركز الشرطة ونادى التحدى. وعندما أخبرته الشرطة بالعثور عليها، قال إن خسارته كانت كبيرة وبشكل خاص فى الأفلام التى تحوى الصور التى التقطها وليس بالمعدات، الأمر الذى جعله يتخلى عن هذه المهنة.
بعد عامين من حصوله على الثانوية العامة كانت سنوات الحرب العالمية الثانية فى بداياتها ، وكانت ليبيا وبشكل خاص بنغازى مسرحًا كبيرًا لها بين دول المحور والحلفاء ، فتوقفت الحياة فيها بسبب الغارات الجوية، مما جعل عائلة عبيدة تلجأ إلى ضواحى المدينة، حيث الطبيعة.. والمزارعين.. والخيول.. والمراعى وظل فناننا كغيره من الناس يعيش المعاناة وقسوة الحياة.. لكنه لم يستسلم، بل واصل عطائه الفنى.. ورسم ما كانت تلتقطه عيناه من الريف، وبشكل خاص وجوه الأطفال والنساء والمسنين إلى جانب نماذج بشرية تعيش على هامش الحياة ، بينهم متصوفة ودراويش ومتسولون.. وكانت تقنيته المفضلة قلم الرصاص والألوان المائية.

في عام 1946 أقام أول معرض تشكيلى له بمدينة بنغازى، وهو أيضًا، أول معرض تشكيلى يقام فى ليبيا. وقد شاهد هذا المعرض كثير من الناس فى ذلك الوقت.. وعلقوا عليه بالقول:” تفتح معرضًا للرسومات وترسم.. الأفضل منك أن تبيع البيض والدجاج.. ” مستغربين هذه الظاهرة فى تلك الفترة.. وقد سوّق الفنان عبيدة لبعض أفراد الجيش البريطانى فى زمن حكم الإدارة البريطانية عددًا وافرًا من تلك اللوحات.
فى الخمسينات سافر إلى ايطاليا لدراسة الفن دراسة أكاديمية، وانتسب إلى أحد المعاهد المتخصصة، حيث درس الرسم الهندسى، والمنظور، والتشريح، والتلوين تحت إشراف البروفيسور ( فابي fabbi ). وحتى يتمكن من دفع مصاريف الدراسة والعيش هناك بدأ فى تسويق أعماله الفنية لدى الصالات المتخصصة فى بيع أعمال الفنانين فى كل من (فنيسيا ) و (ميلانو ).
وبعد إتقانه القواعد الأساسية فى الرسم.. وزيارته للمتاحف والمعارض ومراسم الفنانين فى ايطاليا.. تخصص برسم الوجوه ( البورتريه )، وكانت الواقعية الاتجاه الغالب على أعماله.. وبهذا الصدد يقول: ” استمررت فى هذا الاتجاه لأننى اهتممت أكثر بالتاريخ والتراث، ولا يمكن للفنان أن يسجل تاريخه وتراثه بالسريالية أو التجريد.. بشكل عام أنا متعايش مع المدارس الفنية الأخرى، لكن ركزت على الأسلوب الواقعى الذى يحتاج إلى تضحية وجهد وتدقيق.. “.
بعد تخرجه فى الجامعة قام برحلات كثيرة عبر العالم زار خلالها أغلب المتاحف العالمية.. ورأى خلال زياراته مدى اهتمام الأجانب بتراثهم وتاريخهم.. وهنا سأل نفسه: لماذا لا يعود إلى ذاكرته ويرسم العادات والتقاليد الاجتماعية الليبيةالقديمة الأصيلة؟ وأجاب على سؤاله في أواخر السبعينيات وبالتحديد في عام 1978 عندما حط فى بريطانيا، حيث أقام فيها أربعة عشر عامًا.
فى هذه الفترة اتخذ مرسمًا له فى لندن وبدأ يرسم كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد الشعبية الليبية القديمة.. ورأى من واجبه أن يحييها للأجيال القادمة.. حتى يتعرفوا كيف كان أجدادهم يعيشون.. وكيف كانت العاب الأطفال.. والبيت.. والحوانيت.. والشارع فى ليبيا.. فرسم وسجل بصدق وأمانة دون زيف أو تكلف على مسطحات لوحاته من الذاكرة كيف كان التراث الليبى القديم..
والجدير بالذكر أن الفنان عوض عبيدة لا يقوم ببيع لوحاته.. لأنه لم يتخذ فى يوم من الأيام من الرسم مصدرًا للرزق من جانب كما أنه يعتبرها مثل أولاده من جانب آخر.. لذلك لا يفرط فيها على أمل أن يضمها متحف وطنى للتراث والتاريخ يستفيد منه أبناء شعبه.

ولحين تحقيق أمله.. افتتح الفنان “عوض عبيدة ” معرضه الدائم فى مجمع نادى الفروسية بمدينة بنغازى، هذاالمعرض لا يعتبر معرضًا عاديًا يقدم من خلاله الفنان تجربته الفنية، بل هو أقرب للمتحف منه للمعرض، حيث تعكس لوحاته الموجودة فيه والمرسومة بتقنيات متعددة: قلم رصاص حبر صينى، فحم، أكريلك، جواش، زيت.. بانوراما الحياة فى مدينة بنغازى فى فترات مبكرة من القرن الماضى، ويقدم من خلال تلك البانوراما العادات والتقاليد وكل ما يتعلق بالمظاهر الاجتماعية المختلفة.. مثل المناسبات الدينية، والحرف والمهن التقليدية والصناعات الصغيرة المحلية، والأطفال فى ألعابهم، ورصد الكثير من وجوه المدينة المميزة، فى”بورتريهات”.. بالإضافة إلى ذلك يحتوى المعرض على لوحات تمثل الريف وبدو ليبيا ومضاربهم.. ومعارك الأجداد والآباء ضد المحتل الأجنبى.. هذا المعرض الذى يمثل تاريخ ليبيا فى القرن الماضى.. هو كل ما يملكه الفنان عوض عبيدة وهو رصيده فى الحياة، بل وكل ثروته..
مواضيع لوحات الفنان عبيدة المستمدة من الواقع الليبى وعاداته وتقاليده عالجها بواقعية تنحوا نحو التعبيرية فى الشكل والتأثيرية فى اللون.. أما اختياره للظل والنور فقد جاء مناسبًا تمامًا لطبيعة الطقس فى ليبيا، حيث يمتاز بشدة الضوء الذى يقل بالتدريج خلال ساعات النهار، مما يتيح للفنان اختيارات متعددة لتجسيد درجة الضوء الساقط على الشخوص والأماكن فى لوحاته.. كما وظّف الفنان اللون، لتجسيد خصائص الأسطح المختلفة مثل الرؤوس والملابس وجدران البيوت وبعض مناطق الأرضيات..
بالإضافة إلى ذلك، نلاحظ اختلاف مكان عناصره داخل التكوين من لوحة إلى أخرى.. واختياره زوايا متعددة لعناصره المرسومة.. ورغم أن شكل التكوين يقترب من اللقطات الفوتوغرافية من حيث اختيار زوايا الرؤية.. إلا أن الفنان استطاع أن يصنع عالمًا خاصًا به.. يتمثل فى قدرته على التحرر فى استخدام الألوان وتدريجاتها.. وتوزيع العناصر والأشكال داخل التكوين، باستخدام البعد الثالث، لتجسيد الكتلة بأحجام مختلفة لتحقيق اتزان اللوحة.
بقي أن نشير بأن الفنان عبيدة عرض أعماله فى أغلب العواصم الأوربية وبعد عودته إلى ليبيا أقام العديد من المعارض فى طرابلس، شحات ودرنة.. وله معرض سنوى فى شهر رمضان المبارك فى مدينة بنغازى، وحصل على العديد من الأوسمة وشهادات التقدير من مختلف الهيئات والمؤسسات.. منها:
وسام الفاتح العظيم من الدرجة الأولى بمناسبة العيد الثانى والعشرين لثورة الفاتح.. وشهادة تقدير بمناسبة عيد المعلم الثانى، وشهادة تقدير من اللجنة المشرفة على مهرجان المدينة الثقافى ببنغازى عام 1993.
كما أقام معارض كثيرة خارج الجماهيرية منها معرض فى دمشق عام 1956 ومعرض فى المغرب عام 1994 برعاية الملك الحسن الثانى، وكان تحت شعار “التواصل والتطابق فى التراثين المغربى والليبى”. وقد قلده الملك الحسن الثانى وسام الفن. ومعرض فى أبو ظبى عام 2000.
أخيرًا اختار الفنان عوض عبيدة الذى وهب حياته ووقته لخدمة فنه ومجتمعه وبلاده التى عشقها، حياة العزوبية.. وعاش متعبدًا فى محراب الفن مفضلاً الفرشاة واللون على الزواج.. لذلك وصفه البعض بالراهب، والبعض الآخر بالقديس المتأمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*