حدة الزغبي.. انتصار العزيمة ما بين النوار والبلنش وأنامل الفنان

3٬306

“يا لشدة ألمي عندما يسمع أحد بجانبي صوت ناي لا أستطيع أنا سماعه، أو يسمع آخر غناء أحد الرعاة بينما أنا لا أسمع شيئًا، كل هذا كاد يدفعني إلى اليأس، وكدت أضع حدًا لحياتي اليائسة، إلا أن الفن وحده هو الذي منعني من ذلك”

لودفج فان بيتهوفن

مبدعة متعددة المواهب، بطاقة حب لامثيل لها اقتحمت عالم السكون الموجع بحساسيتها المفرطة الجمال وعبقريتها من منطلق تموضعها الحسابي والفزيائي لتنسج ما يمكن أن نطلق عليه بأريحية لا مكتملة فعلا إبداعيًا تخلط من خلاله بين الذهنيات والمثاقفات، مرونة الفن وبساطته بصرامة العلم وقواعد الحساب والفيزياء ضمن أنساق فلسفية مطلقة تبغي الخير والجمال لتسلم حقًا وجوديًا للصم أو فئة الإعاقة المظلومة كاسرة حاجز العزلة إلى رحابة العالم الخارجي من خلال اختراع سلم لوني يمكن الأصم من فهم الموسيقى لونيًا بل يمكنه أن يألف مقاطع موسيقية ليتواصل بالفن ويتداوى بالموسيقى، ويحب بالألوان فمن رحم الوجع ولدت التجربة.
على يد الفنانة الجزائرية (حدة الزغبي) ظهرت ألوان جديدة بهيجة للموسيقى ما بين النوار و البلنش لتخلق كونشرتو فريدًا من نوعه يحاور فيه العلم فنًا جاعلة من قول المتنبي  ” وأسمعت كلماتي من به صمم” نبوءة ثم تحول النبوءة إلى حقيقة مرئية/مسموعة في آن واحد، بيد أنها  الموسيقى هي التي سمعت هذه المرة.

كنا دائمي الظن أن الألوان في الموسيقى تقتصر على الأبيض و الأسود سواء في وحدة النوار و البلنش, أو الرندو و الكروش و غيرها، و لكن باستخدام قوانين الفيزياء المعروفة لتردد الموجات و طولها اٌستطاعت الفنانة  (حدة الزغبي) باستخدام قوانين رياضية راسخة أن تحول ترددات الموجة الخاصة بكل نوتة موسيقية إلى لون يناسبها.

بكثافة إيقاعية شديدة التوازن والحرفية أبدعت حدة الزغبي لوحاتها الموسيقية ذات التتابع الزمني المتزامن باستخدام سلمها اللوني الذي ابتكرته و الذي يربط النوتات الموسيقية باللون ( H K) حيث تقول القاعدة العلمية أنه يمكن تحويل ترددات الصوت إلى ضوء بمعرفة قيمة تردد كل نوتة موسيقية و ترددات الألوان باعتبارها شكل من أشكال ترددات الضوء باستخدام وحدة قياس الهرتز.
و رغم أن  حضارات الشرق في الصين و الهند و مصر قد درست علم الصوتيات إلا أن طلاب فيثاغورث في الإغريق هم الذين يعود إليهم الفضل في تأسيس ما نسميه حاليًا بعلم الصوتيات فكانوا يتبعون إيمان فيثاغورث بأن أساس كل شيء في العالم المحسوس هو الأرقام الصغيرة الكاملة حتى أنه رفض وجود الأرقام غير المنطقية (مثل جذر 2) التي اكتشفها لاحقا إقليدس الميغاري، أولئك الطلاب هم أول من وصفوا المقاييس الموسيقية باستخدام الأعداد، و حقق فيثاغورث نجاحا باهرًا فما زلنا حتى الآن نعبر عن الإيقاعات بشكل عام باستخدام الأرقام الصحيحة كالروندو الذي يساوي أربع دورات على المترونوم إلا أنه يوجد بعض الأزمنة التي تستخدم الكسور الصغير كالكروش الذي يساوي ربع دورة.

بذهنية عبقرية حفزتها عزيمة الفنانة التي لا تلين لقهر الألم استخدمت (حدة الزغبي) تلك القوانين الحسابية المعقدة ببساطة متناهية محولة النوتات الموسيقية إلى لون عبر مرحلتين أولاهما عملية بنيت على مجموعة الأسس الحسابية المرتبطة بترددات الموجات والتي تتطلب دراسة وخبرة وثقافة علمية شديدة البأس لا تتوافر إلا في عالم فذ، أما ثانيهما فهي التي تحتاج إلى رهافة الفن وعبقريته حيث أدخلت حدة الزغبي أسلوبها الفني الفريد الشفيف بروحانيتها في ترتيب ونشر نوتات المقطوعة الموسيقية المحولة إلى لوحة إلى لون على اللوحة وهنا تحول المعقد إلى بسيط كي يستطيع الموسيقار أن يعزفها من خلال النظر إلى اللوحة عبر مزج دقيق للألوان كي تتناسق مع النوتة الموسيقية على أسس حسابية مدروسة بعناية لتخلق بفرشتها تناسقًا لونيًا موسيقيًا على هيئة لوحة مرئية مسموعة للأصم ليس هذا فقط لأن أناملها الدقيقة لا تتوقف عن اللعب الاحترافي بالمعايير والمقاييس لتضمن أن تظل تنتج من هذه اللوحات المرئية/ المسموعة ما يختلف منها عن الآخر طوال الوقت بلا توقف بهذا الميكانزيم الرائق تحولت المقطوعات الموسيقية إلى لوحات والعكس في منظومة لا تساعد الصم فقط لكنها تساعد المكفوفين أيضًا فقد أصبح بالإمكان تحويل لوحة مرسومة إلى مقطوعة موسيقية.
ومن دعم ذوي الاحتياجات الخاصة إلى مساندة الوطن بمفهومه الكبير استخدمت الفنانة الجزائرية (حدة الزغبي) تقنيتها الجديدة لترسم النشيد الوطني لبلدها الأم الجزائر، والنشيد الوطني لبلدها الثاني البحرين.
تتحرك الفنانة حدة الزغبي بخطى ثابتة باتجاه المكانة التي تستحقها لتجد مكانتها في ذاكرة التاريخ العالمي للفن التشكيلي، ولتصبح من هؤلاء الشخصيات الفذة الذين أصبح الفن بعدهم غير ما كان قبلهم.

شاركت حدة الزغبي في معرض الفن المعاصر “طاقة الإبداع ” بموسكو الأول من مايو ٢٠٢١، كما شاركت في معرض  في تركيا سبتمبر ٢٠٢٠، في بورصة التركية، وشاركت في العديد من المعارض الافتراضية وطنيًا ودوليا في  مصر، تونس، المغرب، الجزائر، العراق، فلسطين، سوريا، نيجريا، وأمريكا، ومسابقات عالمية مثل مسابقة كأس العالم للمبدعين العرب للفن التشكيلي بلندن العاصمة البريطانية وفازت فيها بالجائزة الأولى بكأس العالم والميدالية الذهبية عن فئة الطبيعة الصامتة ٢٠٢٠، كما فازت بمسابقة فنان العرب في رابطة إبداع الدولية للفنون بمصر سنة ٢٠٢٠.حصلت حدة الزغبي على جائزة الأوسكار في مسابقة المعرض الدولي لرؤى عربية بمصر سنة ٢٠٢٠، كما أنها عضو في عدة جمعيات ومنظمات فنية دولية عربية  وعالمية.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*

ArabicEnglishFrenchGermanHindiItalian