“جميلة شريم” ونبض التراث العربي التالد في إبداعاتها

بقلم / محسن صالح

2٬221

الحضارة العربية الإسلامية لها جذورها ودورها المفصلى –إن جاز لنا استخدام هذه العبارة – فى الوصل بين الحضارات القديمة و بدايات النهضة الأوروبية فى العالم الغربى . تمتاز هذه الحضارة بمعينها الذى لاينضب من ضرب المثل والقدوة فى السلوك والأخلاق والمروءة والشهامة والإقدام و النبل والرحمة والعزة ، معان عديدة اعتمدت عليها هذه الحضارة وصارت بها قوة هائلة جبارة تنشر محاسن الأخلاق فى ربوع المعمورة .
وإذا نظرت عزيزى القارئ إلى ماكان يحيط  بالإنسان فى هذه الأثناء ستجد معالما من واقع ارتبط به وفيه بمفردات عديدة ، فهناك الصحراء والبادية وهناك الخيل والإبل وهناك الخيمة وهناك السيف والرمح والقرطاس والقلم ومسابقات الشعر والقصائد والغزل وغير ذلك من مفردات تغلغلت داخل الإنسان لتخرج لنا تكوينا ذا فرادة و قدرة على إسقاط الممالك العظمى فى هذا الوقت ممثلة فى دولتى الروم و الفرس .

نرى هذه الحضارة ونلمس قلبها ونبضها الذى أخفته السنون و ظللته كآبة حضارة غربية خواء من الروح ، نشهد ذلك فى لوحات الفنانة المبدعة “جميلة شريم ” أمام أعيينا ، لقد أرادت الفنانة أن تحضر لنا التاريخ العربى والإسلامى فجاء طيعا لها سهل القياد كفرس عربى أصيل . نرى فى لوحاتها رموزا تعبر عن الحضارة العربية وعلى رأسها الخيول العربية والخط العربى و إذا مانظرنا إلى بعض لوحات الفنانة سنجد لفتات تتمثل فى باليتة لونية موحية تتماوج على صفحتها الألوان مع الحركة المرتبطة بالخيل وعدوها واقدامها واقتحامها ، بل وسكناتها وبهجتها كأننا نعاين التاريخ أمام أعيينا . إننا أمام عالم ذى خصوصية حيث تعطينا الفنانة مفاتيح فهم هذه الحضارة التى علينا أن نلتفت إليها بعيدا عن بهرجة حضارة مادية تطحن المشاعر والقيم وتذكى فينا الفقر المعنوى والنفسى.

هناك لوحة نجد فيها خيل تعدو و نجد في حركة الخيل وميل رقبتها وحركة الساق في العدو أو مايسمي بالقوادم زخم في اللوحة زاد منه تأثيراللون الأزرق بدرجاته حين نري الراحة كل الراحة في عملية العدو ذاتها وتتلاقي في اللوحة كنغمة جديدة ألوان أخري ساخنة تجعلنا نشعر بتصبب العرق وهي الألوان الأحمر والمووف والبرتقالي ، إنها باليتة لونية تتعدد كنغمات في سيمفونية أرادت من ورائها الكاتبة  الفنانة أن تجعلنا نعيش حالة من الحنين لعدو الخيل وجمالها وصدق الله العظيم حين قال ” وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ” .

هناك لوحة تتفاعل فيها مفردات الخط العربي مع الحصان العربي الأصيل ، نري ذلك في الزينة التي تعتلي مقدم الفرس و التي نري فيها زركشات الخط العربي و كذلك يتجاوب معها في خلفية اللوحة قوس به زخرفات الخط العربي كذلك تتوسطه شمس صفراء قانية وكأني بالفنانة تقول لنا بأن الحضارة العربية انتشرت بالفتوحات و نكاد نسمع دقات حوافر الخيل وهي تعدو في المشرق والمغرب يقودها قادة عظام ، فالخيل العربي رمز الجهاد و الفتوحات والخط العربي رمز الفكر يتواشجان في سيمفونية أرادت لها الفنانة أن تكون فكانت كما تريدها . وأعجب من قدرة اللوحة علي توصيل المعني و نقل معطيات عدة حضارية وفكرية وتاريخية في لوحة واحدة عميقة الأثر.

هناك لوحتان أو أكثر للخيل في وقفتها و في سكونها ، نحس فيها بالجمال الذي خلقه الله فيها ونري أيضا في نظراتها مانحسه ، نظرات التعاطف والود ، لقد أحب العربي حصانه وأحب ناقته وكانا يتحاوران علي مستوي المشاعر ، بل تتصرف الخيل وكأنها صنو الإنسان في لقطات من التفاعل والتناغم نري فيها تفاعل الألوان وتنوعها في كل لوحة و كأني بالفنانة تريد أن تنقل لنا حالة الخيل في الصباح أوالمساء في التوقف وفي التأمل. لقد انتقلنا إلي التاريخ بنظرة في لوحة وتأمل لبضعة ثوان . إنه الفن حينما يستند إلي الفكرة الحية تغلفها عاطفة وطاقة روحية كبيرة .

في لوحة “اقرأ وارتق” نري الحلم الشفيف في لوحة جميلة نري فيها الحصان شفافا كأننا في عالم إثيري جميل وتترايء في اللوحة مفردات مثل السلم الذي يمثل الصعود لعالم الأمال والسعي الحثيث لتحقيقها ، نري الزخرفات الإسلامية الجميلة والتي تمتاز بلون الصحراء و لون الرمال و كأني بالفنانة تقول لنا بأننا سنعدو إلي المستقبل كعدو الخيل وسنصعد سلم المجد حينما نتمسك بجذورنا ولانتركها فهي التي ورائنا و نحن نعدو هناك . إنها رسالة جميلة في لوحة ، بل أراها خطة عمل القرن الحادي والعشرين لعالمنا العربي. إن الفنانة تعيدنا إلي كلمة البداية ” اقرأ” في قلب اللوحة و هي لاتتركنا بل تضع لنا مفاتيح التقدم و الرقي. و تقول الفنانة عن لوحتها هذه ” هذا العمل يدعو المشاهد إلى لحظة تأملية، للتّصالح مع ذواتنا وتقويمها بالحلم والعلم والتركيز على جماليات الزخرفة الإسلامية التي ترمز الى مجد العصور الذهبية.وبقدر اتصالنا بالله يكون العلم نورا وادراك الجليل عبر حدود الجميل فتغيب الأنا و يغيب الفنان ويبقَى الفن” إنها دعوة للتواصل مع الله و مع النفس ومع الحلم ومع التاريخ الذي نحمله و مع أول كلمة بدأت بها حضارتنا حضارة العلم والفكر والتجديد.

وفي لوحة ” اللحظة الأبدية ” نري معان تتعدد و مفردات تتضافر من أجل إيصال فكرة مؤداها أن الوقت لحظة والعمر لحظة والفرح لحظة و الحياة لحظة و الموت لحظة في مفردات وظفت من جناحي الإبداع عند الفنانة و هما الخيل و الخط العربي المفعم بالزخرفة والزركشات. و نجد مفردات الوقت أمامنا ممثلة في عملية تفكيك للساعة وكأن اللوحة تضعنا أمام المعني العميق لإعادة النظر للتاريخ والزمن والوقت ومعطياته و الحصان الذي تتوسط صورته اللوحة يعدو فنراه في قلب اللوحة ونحن معه لنسجل لحظتنا الأبدية القادمة ونهوضنا بعد كبوة وتميزنا بعد غفلة من الزمن ، إنها لوحة إعادة الحياة لأنفسنا في زمن تجاوبت فيه سفن الفضاء لتخترق عالم الأفلاك بل و تهبط علي أسطح الكواكب الأخري.

الفنانة المبدعة ” جميلة شريم” في فلسفتها لاتني تتحدث عن تجديد حضارة لاتزال آثارها أمام أعيينا ، إنها تقوم بمفردها في عالم الإبداع والتجديد بهذه المهمة و لن أتحدث عن خيل الشقب في هذه المقالة لأن الخيل العربي ومايتم حيالها متمثلا في خيل الشقب أمر يحتاج إلي عرض مفصل. تقول الفنانة ” جميلة شريم” في رؤيتها:

” فلسفتي هي عبارة عن التأويل الفني حول أيقونة الخيل العربية كعنصر تشكيلي ، لما له من جماليات متفردة، ورمزية أسطورية ترتبط بحضارتنا العربية وثقافتنا الشرقية،كون الأسلوب التجريدي التعبيري الأقرب إلى حركة كل ماهو روحي وذاتي وخيالي لأعمال تتسم بالرصانة والأصالة والنظر الى ماوراء الواقع ،عبر التلاقح بين العقلي والمتخيّل من أجل تقديم خطابٍ بصري لخيول الشقب القطريّة ، ومن رؤيتى الشخصية الجوهرية للعالم والأحداث من حولي”.

و يظل إبداع الفنانة متجددا علي الدوام تتفاعل فيه كل عناصر الخلق والابتكار من لقطات تذكرنا بتاريخنا العربي ومداخلات من زخرفات الخط العربي الذي لاتنتهي عجائبه و تناول تثمره ألوان تتوازي مع مضامين لوحاتها بل ونحس في منحوتاتها بزخم ذي أصول عريقة تمتحي من الماضي التليد تألقه و كأننا نلتقي قطعة أثرية خرجت لتوها من بين الركام.

في خاتمة هذا العرض ، أزجي كل التحية والتقدير للفنانة ” جميلة شريم “و التي تعمل بكد وتفان علي لوحاتها ومنحوتاتها لتخرج لنا أعمالا تحمل من التاريخ عبقه و من الماضي جماله و خلوده في تناغم نراه ونحسه و ننفعل به ولانتركه قط لأنه نابع ببساطة من موروثنا الحضاري الذي نقرأه منذ الصغر و نعايشه في كتب التراث وأحاديث الأجداد و قصائد الشعر و نسائم الأثار التي تحوطنا بل نتذوقه في الماء الذي نشرب والهواء الذي نتنفسه والطعام الذي نأكله ، إنه إبداع فنانتنا الذي نحس فيه  بهذه الخصوصية و ذلك التميز .

تعليق 1
  1. مجمود طه يقول

    لوحات خلابة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*