تشكيل الشفرات الإبستيمية وأفق اللون فى لوحات جبر علوان

5/3/2021

2٬864

كتب / رياض إبراهيم الدليمى

 إن تدفق اللون بغزارة على السطح التصويرى هو بمثابة نزف فكرى ونفسى وإجهاض لهم  ذاتى وكونى، فكلما فاض به هذا الهَم وانحبس تكثفت كتل اللون على سطح خامته وعلى أشلاء ضحاياه وعلى مكوناتهم وأشيائهم؛ بل على أجسادهم الممزقة والمتشظية بين الواقع الظاهرى والواقع التصورى المجسد بفرشاة وأصابع مشاكستين وانثيالات أدوات معنية بفن التشكيل أحيانا وفى أحايين كثيرة قد تكون أدوات تركها الفنان بين أحشاء مكانه لها علاقة باللوحة أو قد تكون لها علاقة بشيئيات جبر علوان الإنسان.
يعد التنوع فى توظيف الشكل والمضمون من بين عدة أساليب فنية اختارها الفنان جبر علوان ليؤكد قدرته على أن يلتقى مع العالم فى نقطة الإبداع .

إن جبر علوان لم يخرج من أسلوب الفن الرافدينى؛ بل خرج وكسر فن التكنيك الأكاديمى السائد وخط لنفسه أسلوبًا خاصًا به ومغايرًا، يستلهم الإرث الرافدينى كمناخ وبيئه وموضوع معتبرًا إياه الشرارة الأولى للاقتراب من الواقع الأنى اللحظوى ليظفى توهجه الفنى على لوحته لتبث للمتلقى كشفرات وومضات عن ألم وكبت قد يكونان تاريخيين بزمن معلوم إيحائيًا وليس حسيًا، أى إن سيميائية لوحاته لا تشير إلى رمزية اللون الستاتيكيه؛ بل جعل من اللون شخصًا ثالثًا وتجاوز ان يكون – اللون – كأحد أبعاد اللوحة بل أعطاه شخصية حسية موحية ومعلنة عن كيانها، اذ لم يعط شيئياته (موضوعات لوحاته) الشكل المجسد بعلاماته المماثلة أو المشابهة بل جسدها لونيًا وليس تخطيطيًا أو تصويريًا بل اكتفى بوصفها لونًا وهذا يعد أسلوبًا تعبيريًا متفردًا به من بين الفنانين العراقيين فى الداخل والخارج، أى إن ملامح وسحنات مخلوقاته ذهنية لا مرئية وإن شغلت حيزًا وبعدًا فى لوحته .لم يجسد الأنثى المتخيلة (المرأة الحلم) بل جسد ضحاياه – ليس بمعنى الارتكاب الشخصى بل ضحايا ثيمة لوحاته .

إن جبر علوان اختزل العالم التصويرى المرئى بالأنثى أى إنه اسقط افرازاته الثقافية والنفسية والاجتماعية بكتلة لونية تشير إلى أنثى ذات خصائص مختلفة وهذه الخصائص تمثل الإشكالية التى نحن بصددها .
المرأة لديه معزولة ومنتظرة تحيطها الجدران ومشوهة النظرة وجهها غير مرئى، إما تكون بعيدة عن الإدراك الحسى للمتلقى، أو مرسومة بخدعة بصرية، إنها نائمة بخدر الترقب والانتظار أو ناعسة اتعبتها الأقدار، لّطخ وجهها بفعل الفرشاة أو بفعل ذاتى، تخفى نظراتها بيديها من دنس قد ارتكبته أو من خجل المواجهة مع القدر، لقد أدمنت الوقوف خلف نافذة أو فى مدخل باب أو بجوار جدار، تترقب منفذًا للحياة أو لوظيفة أنثوية قد تؤديها برغبة الموت والانتحار والخلاص.

لقد تعمد الفنان من وخز أنثاه بأفيون الاستسلام واستلب منها جرأة التمرد والانفلات، المرأة هنا متلاشية بلون الثلج والبياض والعدم أى ليس لها كيان وكينونة فى هذا العالم .
أنثى جبر علوان مستسلمة للانتظار والأداء السلبى بوصفها أنثى، إنها تتكأ على مسند أو جدار أو على أكتاف رجل استلبها وكبلها لقيود وأودعها الدهاليز المعتمة.اللون الأحمر كما نشاهده على سطح لوحاته بكثافة يشير لمحرمات الحلم للافلات من قبضة قدر بيئوى وحياتى ومثيلوجى .

أنثى جبر علوان شرقية الملامح والبيئة وقد أضاف لها سحنات وصفات (الأخر) فارعة الطول والبياض والشقرة والعرّى، بتعبير أخر اختلطت سمات أنثاه المجسدة فى الواقع الحسى البصرى؛ للنظرة الأولى توحى بأن هذه الأنثى ليست شرقية ولكن بنظرة فاحصة تكتشف تكنيكًا قد أوهم فيه المتلقى بأن سحنات وسمات الأنثى تنتمى إلى بيئة أخرى وبالرغم من ترف ملامحها ومكوناتها تكتشف فيها بؤس الشرق طاغيًا على هذا الترف الصنيع ورغم الوهج اللونى وطرافة التجسيد ودهشة المتلقى للفضاء السحرى للوحته .

إن الاغتراب بدلالات الاختلاف الشكلى للأنثى وسيميائية الملابس والإكسسوارات وملء فراغات سطح اللوحة بالديكورات والأثاث ليؤكد على حقيقة هذه الغربة المرسومة على وجه إناثه ودلالاته النفسية والاجتماعية والفكرية وهى اختزال لذاتية فردية التى توحى إلى معاناة الفنان من قسوة الاغتراب، فإقصاء المرأة ونفيها خارج الحياة هى بحقيقة الأمر تأكيد من الفنان بوعى أو دون وعى على هذه القساوة.

لم تشر لوحاته إلى المرأة بوصفها أم، أى قد اعطاها جدب وجور للأمومة وهو تأكيد على الجمود وعدم فاعليتها وتجريدها من المشاركة الحياتية الإيجابية، أى إن المرأة هنا تلتقى عند نقطة السكون لا الحركة، أى أراد أن يقول إن الذات مهما تعددت اشكالها فهى متقوقعة غير منتجة حضاريًا وفكريًا ووجوديًا، أى إن الذات خرجت بالإقصاء من لعبة المشاركة فى البنية والصيرورة الاجتماعية والثقافية وهذا مجسد من خلال استغراقه للأبعاد الثلاثة فى لوحته.

إنه لم يطلق الذات الإنسانية أن تعتمل وتشارك فى المحيط بل على العكس إنه أوغلها فى الداخل وكبلها وجردها من الحضور الإنسانى ليؤكد حقيقة العزلة بالإكراه وجرد الذات من الانتماء للمحيط حيث جعل من الثيمة (المرأة) واللون والفضاء أدوات فنية تعبيرية مجردة عن حقيقتها الإنسانية المتعايشة بل جعل من آلياته أدوات فنية يكررها ويستنزفها من هذا التكرار، وخاصة عمل على استنزاف اللون عن طريق اعتصام اللون وبكثافة وحدّة للتعبير عن التظاهر والاحتجاج والإملاء على سطح اللوحة بالقسر المتوائم مع موضوعاته (التغيب والتهميش للمرأة – الأنثى الحلم – ) للآرائك والملابس والإكسسوارات الأعنف أنوثة، أما الجدران والنوافذ فإنها هامدة أى لا تؤدى وظيفتها كأشياء صنيعة للنفاذ والاحتماء والاحتفاء والاستقرار والديمومة والولادة، إنه يفصح من خلال ذلك أن شيئيات لوحاته هى نقطة البداية – الولادة- للنفاذ ‘لى الفضاء الخارجى (المحيط) ليعبر عن ذاتيته والعالم الإنسانى ولاسيما إصرار الفنان على الانتماء للمحيط كمدخل لفعل المشاركة بالحضارة الإنسانية كفن وفكر وجمال وبناء.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*