تجسيد الصراع بين الحياة والجماد في أعمال النحات هنري مور

للكاتب والفنان التشكيلى المغربى محمد خصيف

2٬350

النحت نوع من أنواع الفنون التشكيلية، يأتي في درجة ثانية بعد الرسم والتصوير، رغم أنه بقي في نظرنا أهم منهما شكلا ومضمونا. ذلك أن العمل المنحوت يكون قريبا من المشاهد أكثر من غيره، يراه ويتلمسه ويتحسس مادته فيشعر بخشونتها ويستشعر نعومتها. والعمل المنحوت يعيش بالقرب من الإنسان يجالسه في الأماكن العمومية، يحاوره دون مانع أو رقيب، بينما اللوحة تبقى منعزلة في فضائها الخاص، مرَاقبة ومسيَّجة، لا تتحاور مع المتلقي إلا بشروط يضبطها الزمان والمكان والإنسان.
يأتي النحت في درجة قبل العمل المعماري، وهذا صحيح إلى حد ما لأن لولا وجود النحت ما وجدت العمارة. فالصرح المعماري يمر بعملية نحت وبناء قبل أن يكون صالحا للسكن. وكم من بنايات هي عبارة عن تحف نحتية منتصبة، شاهدة على عصرها، أبدعتها أيادي فنانين بارعين، وخلدها التاريخ لجمالية أشكالها وألوانها وفضاءاتها، رغم فقدانها لوظيفتها.
يعد الفضاء ناظما أساسيا في تكوين بنية العمل الفني المعماري فيكون بذلك فاصلا بينه وبين العمل المنحوت. حقيقة أن الفضاء يتدخل كذلك في النحت، لكن ليس له نفس المماثلة الوظيفية لتلك التي للعمارة. فهذه الأخيرة همها الشاغل هو إيجاد حلول فضائية تكون أكثر وظيفية، في مقابل رونق الشكل والحجم.
ويشكل التعامل مع الفضاء ذي الأبعاد الثلاثة، طول وعرض وعمق، عاملا مشتركا بين الفنين، الشيء الذي فقده أو تخلى عنه فن التصوير حينما أزاح الفن الحديث إيهامية العمق بتخليه عن المنظور الهندسي الموروث عن عصر النهضة.
ورغم المكانة التي يحتلها النحت جماليا وإيديولوجيا وأسطوريا، فإنه تطوره عبر العصور لا يضاهي ذلك الذي عرفه التصوير عبر تاريخ الفن، إذ أن تأسيسيات التغيير والبدائل الجمالية التي ظهرت مع جل التيارات الفنية الحداثي
ة، إن لم تكن كلها، كانت تصويرية Pictural، أكثر منها نحتية Sculptural.

عرف النحت الحديث مرحلتين هامتين:
مرحلة التكوين التي امتدت من بداية القرن العشرين إلى حوالي نهاية العقد الثالث، والتي تميزت بالتأسيسات الجمالية الكبرى، على مستوى الكتلة والشكل، وغياب المسافة التماثلية بين المنحوتة وتشخيص المرئي.
مرحلة التركيب التي تلت المرحلة الأولى مباشرة، تشاكلت خلالها تجارب نحتية فردانية، في استقلالية تامة عن التيارات والمدارس الفنية التي تسيدت خلال المرحلة الطليعية. ويتمثل لهذه المرحلة بأسماء بارزة، جعلت من الذات الإنسانية في علاقتها بالطبيعة والوجود بؤرة اشتغالها. أتمثل هنا بفنان عبقري، محاولا استكناه بعض تجربته الفنية. إنه النحات الإنجليزي هنري مور Henri Moore، المولود عام 1898 بكستلفورد بإنجلترا والمتوفى عام 1986.
التحق هنري مور بكلية الفنون بلندن عام 1919، أمضى بها سنتين ت
علم خلالها مبادئ الرسم وحصل على شهادة خولت له الاستفادة من منحة لمتابعة دراسته بكلية النحت إلى غاية 1924. مارس مهنة التدريس كأستاذ للنحت حتى عام 1959.

من خلال بداية تجربته النحتية، نستجلي وعيا جماليا يزاوج بين المرئي والمرجعي، المحيل على تجارب نحاتين عالميين، منهم ميخايل أنجلو Michelangeloو أوغست رودان Auguste Rodin، ومايلول Maillol، وبيكاسو والاتجاه السريالي الذي ساد خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

يقول هنري مور في حديث عن ميكل أنجلو: “إن ميكل أنجلو هو سيد النحاتين جميعا، عمله يتناول الكتل ويضحي بأجمل الأحاسيس ليحافظ على قوة الشكل”.
في عام 1928، نظم هنري مور أول عرض فردي لأعماله، شمل أربعين منحوتة وخمسين رسما، أنجزت بين عامي 1922 و1928. على الرغم من أن منحوتاته جذبت الكثير من الاهتمام، إلا أن تعليقات الجمهور والصحافة لم تكن مرضية بما فيه الكفاية. فالمنحوتات تكشف عن مرجعيات تتقاطع إلى حد كبير مع فنون هنود أمريكا (منحوتات شاك مول Chac Mool) وأقنعة إفريقية وجلسات فرعونية.
يعتبر هنري مور أحد النحاتين البارزين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تتميز أعماله بعمق أصالتها وتعبيريتها التي تنمحي فيها مماثلة الواقع، ليصبح الواقع “أحد مجازات الكينونة” والوجود الإنساني. فالكتل سواء أكانت تندفق من النحاس أو الرخام أو ذات أحجام كبيرة أو تستسلم للصغر، فإنها تبدو وسيلة التواصل الأولى والمباشرة، إذ تستمر دلالتها ورمزيتها من الكتلة البسيطة في تكوينها والقوية في بنيتها ومن وضعها في الفضاء، حيث يتعاقب على مساحتها كل من الفراغ والمملوء المستمر. إن جل أعمال هنري مور تصل إلى حدود التجريد (بمفهوم الانزياح عن الواقعية التصويرية)، لتقترح على المشاهد علاقة استعارية مضطربة بين آليات المملوء Plein والفراغ Vide.
ومن خلال بعض أعماله المشهورة كمجموعة “العائلة” أو “الملك والملكة” يظهر أن الفنان يتميز ببراعة إبداعية في تعامله مع الأشكال المنفردة، الجالسة أو المنتصبة، الممتدة على الأرض الكاشفة عن فخامتها، تلك الأشكال التي يحسن إرجاعها إلى كتلها الجوهرية.
وتعد فترة الحرب العالمية الثانية التي عايشها الفنان هنري مور من أغنى مراحله الإبداعية حيث ألهمته العديد من الرسوم التي تصور مأساة الإنسان المتألم، إنسان العالم المعاصر الذي ما فتئت تمزقه الصراعات والحر
وب. وكان فنه في هذه الفترة يسعى إلى مقصدية تعبيرية تلازم الواقع المأساوي المؤلم، الشيء الذي حقق له نجاحا باهرا وشهرة أبدا لم يأفل نجمها.

موازاة مع الهموم الإنسانية وما شكلته من قصدية فنية/جمالية لدى هنري مور، يبدو الانشداد إلى الطبيعة قويا. فتموضع الأعمال النحتية داخل الفضاء يبتغي الفنان من خلاله مناسقة إستيتية تساهم في تشكيلها عوامل المناخ، فتعريها وتعرضها للنور والهواء والرياح والمطر. وإن ارتباط أعمال هنري مور بالطبيعة تركها تحمل مفهوما سرمديا تتحدى به تلك العوامل وتعطي للإنسان إحساسا بالضخامة تفوقية التسامي. فاتصالها بالطبيعة وبالفضاء جعلها تخضع للفراغ ولمعطياته التشكيلية لتتخذه كحيز مكاني تملؤه، وكعنصر مكون لا يمكنها الاستغناء عنه، لكن ملء الفراغ يأتي في درجة ثانية، وربما أن الفنان يعارض الفكرة هذه و لا يؤمن بها، وقد يفهم ذلك من أقواله: ” ليست تماثيلي قطع زينة تتحلى بها الصالونات وتتألق تحتها المناظر إنني أبحث لأسجل شعوري بالحياة…لا لِأملأ فراغا في غرفة، إنني أسجل إحساسي بالقوة الهائلة التي تصارع الجماد لتخلف فنا حيا…يعيش في نطاق من القيود يصارعها بدوره في سكون الواثق من النصر(…) إنني أميل إلى تجسيد الصراع بين الحياة والجماد…صخرة تحاول أن تتفجر بالحياة، تخرج حية، تجري وتلعب، تتنفس الهواء العليل، إنني أحاول أن أبرز النشاط المتأثر بالقوى الطبيعية”.

لقد تجلى دور هنري مور في تجديد النحت البريطاني وإعطائه مكانة عالمية لم يعرفها من قبل. ويبقى هذا الفن تعبيرا أمثل عن الروح الإنجليزية في الفن العالمي الحديث.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*