النحات العراقى رائد العبيدي.. غرائبية الأشكال واختلاف الذائقة

16/3/2021

2٬507

رياض إبراهيم الدليمي
النحات (رائد العبيدي) يحاكي الفراغ المتسع بفضاءاته على الكتلة النحتية ويملأه برموز وبشيفرات ودلالات مستوحاة من لبنة أفكاره فتوحي إلى إشارات وجودية وفلسفية متكئًا على الكم الهائل من الفكر الرافديني ممثلا بحضاراته الخالدة، محنة الوجود هى أقسى من محنة الموت وما بعده فما كان عليه؛ أي رائد العبيدي، إلا أن يمتطي ثورًا مجنحًا نفضت الحروب غباره ليحلق باحثا عن عشبته وضالته في مدينة (انتويربن) البلجيكية عاشقة الفن ليجلس على ضفاف نهرها هر (سخلده) في مدينة (انتويربن) هذا النهر الذي نقل إليه صمته وتأملاته وهمومه التي كان يحكيها إلى شط (المحاويل) الذي يجري محاذيًا لقريته المتفرع من نهر الفرات.
هذا النهر الذي كان شاهدًا على المراكب التي كانت تقل الصخور والأحجار والخشب ليبني بها (نبوخذ نصر) دولته ويخوض غزواته ويؤسس (حمورابي) قوانينه وشرائعه، نهر (الفرات) كان شاهدًا أيضا كيف تغنجت (عشتار) على حبيبها (تموز) ليوقع بشرك عشقها حتى انصهرت روحه مع روح الغرين لذا حافظ (الفرات) على لون مائه الغرين كما يحافظ (رائد العبيدي) على ألون خزفه ومنحوتاته بلونها البني الشبيه إلى غرين (الفرات) وبياضها بلون نقاء وفطرة وطيبة قلبه .

البيئة التي احتضنت العبيدي هى بيئة قروية اتسمت عليها العصبية القبلية والأمر الغريب أن هذه الحاضنة لم يخضع لاشتراطاتها النفسية والثقافية ولم يأبه لها ومن الصعب على مثل هذه البيئات أن تصنع فنانًا مبدعًا حقيقيًا صوفيًا تجريديًا متحررًا من هذه العصبيات، إنه تمرد على كل هذه العصبيات والحروب وحول نيرانها إلى أفرانًا تنتج أجمل الأعمال الخزفية نيران الحروب والاقتتال صاغ منها مصنعا له وورشًا للإبداع وحول الدمار إلى جمال وأملا لشعبه الموجوع الذي لم يستكن من خوض الحروب منذ الخليقة وما زال .

حينما حطت قدماه في أوربا قد أدهشته الحداثة ومدارسها أول مرة في الوقت الذي انحدرت الحداثة في أوربا وتقهقرت إلى ما بعد الحداثة وهى العودة الى الكلاسيكية والجذور والأصالة بعد أن خذلت الحداثة متذوقيها وباتت عبث فني وأدبي واقتصادي وسياسي لا يخضع إلى مفاهيم القيم الإنسانية والذوقية لذا ما كان على (رائد العبيدي) أبى الغوص والغرق فيها فلجم النظرعنها ولم يلتفت اليها وخاصة قد سبقته شعوبها برفضها، لذا عكف لينهل من جماليات تراث بلده الثرّ ممثلا بحضاراته العريقة من فنون ولقى وآداب واثر قل نظيرها بالعالم .

لو تمعنا أعمال العبيدي الخزفية تجدها متفردة بأسلوها وموضوعاتها وطريقة إخراجها وتصميمها والتقنية التي يشتغل عليها فيحول الطين إلى فخار نحتي بعد أن يدخلها في أفران صهر لتتحول إلى قطع سيراميك محافظة على شكلها وقياساتها ونقوشها وحفرياتها ويجزئ أجامها الكبيرة إلى عدة قطع ليحافظ على تكوينها الشكلي والتعبيري وبعد أن تصهر يعيد تشكيلها كجسم وكتلة واحدة مدهشة بذات القياسات ولم يجر عليها إضافات لونية لتحافظ على لونها الترابي لتشعر المشاهد وكأنها قطعة أثرية صنعت منذ آلاف السنين فيضيف إليها الأكاسيد والاون البني الخفيف أو الأبيض الشفاف لتصبح جوهرة نحتية مدهشة .الأسلوب الفني الذي يميز رائد العبيدي عن غيره فيه عنصر الدهشة وفيها القدرة على التآلف مع الرائي لها تبعث في نفس المتلقي حميمية وروح محاكية لروحه بجو صوفي روحاني تجذبه وتثير مشاعره وفكره دون وعي منه .

 

(يقول عفيف البهنسي، إن العقيدة الوحدانيّة الراسخة في روحيّة الإنسان العربي، فرضت على الفن العربي مبدأين: الأول هو (تصحيف الواقع). أي تحوير معالمه الخاصة، وتعديل نسبة أبعاده وفق مشيئة الفنان. والمبدأ الثاني هو: إغفال الشكل الواقعي. أي الابتعاد عن تشبيه الشيء بذاته.. ومن هنا تحديدًا ولد الرقش العربي الذي هو عبارة عن أشكال تجريديّة لا علاقة لها بالواقع)

إن أسلوب العبيدي بالنحت الفخاري يعد مبتكرًا وخاصًا به فيحيل أكبر الأعمال شكلا وحجمًا ورشاقة ليأخذ طريقه إلى الأفران الحرارية العالية الحرارة لينصهر ويتحول إلى خزف (سيراميكيا) هذه الجزيئات والقطع بعد أن تكتمل تضاريسها وقياساتها محافظة بالوقت نفسه على كل حفرة وشق أو تطريزة وشفرة ثم يجمعها وينصبها لتتخذ قوام تمثال ونصبًا شامخًا بامتداداته فيبلغ ارتفاعها من مترين وما يزيد عنه دون أن تشعر بمياسته ورهافة ملمسه وتكوراته وانحناءاته وكأنها شجرة تخشى الظل والبرد وتأبى تعرضها للحرارة فكيف تحافظ على ديمومتها كما في تمثال (الشجرة الخالدة والأم الآلهة والمرأة النعناع) وغيرها من أعماله .

أعمال (العبيدي رائد) تبدو للرائي رهيفة ورشيقة وناعمة وقد تكون خفيفة الظل كيانًا لكنها صلدة ومتينة ومتماسكة كما في عمل (الشجرة الخالدة) وكأنها شجرة تفاحة (آدم أوعشبة كلكامش) وهذه الشجرة كقطعة خزفية اتخذت من ثدي المرأة قاعدة لها لتسقيها بالحياة والنماء والجمال، هذه الشجرة الغرائبية الشكل تمثل المخيلة الخصبة للنحات (العبيدي) شجرة بعيون صقر وبرشاقة غزال وبضفيرة بنت مدللة تستند على عود (الآراك) الذي يبعث عطر الطيب والمسك، إنه ثيمة إرسال وبعث لعطر الحياة وجمالها، انها لوحة تجمع بين السريالية والفنتازيا التي اتصفت أعماله بها والتي تجاوزت في منظوماتها الفنية والجمالية حدود الخيال إلى المطلق من التفكير والايحاء والتيه، وعند التمعن تجد بابًا في أسفل قائم الشجرة فهو بمثابة باب الجنة، هذه الجنة الشجرة التي غلقت أبوابها بوجه (آدم) الذي ارتكب معصية الغواية بقضمه تفاحة (حواء) أو نشوة شهدها .

ثمة نموذج آخر وهو عمل فني نحتي كبير لفت نظري لاختلافه عن سائر الأعمال النحتية شكلا ومضمونًا وتقنية وهو تمثال (المرأة النعناع) فقد جمع النحات بين جسدين متضادين في فعلهما ووجودهما فالأول هو المرأة بكليتها وما تحمله من صفات وجودية وحياتية والأمر الآخر (النرجيلة) وهى إحدى الوسائل وأداة للتدخين الشائعة في مناطق الشرق أي عمل يجمع بين المرأة (والنرجيلة) وهو تمثال لامرأة برأس (نرجيلة) هذه الفنتازيا الغريبة قد تجدهما متضادين فكيف يتجرأ الفنان لجمع بين نشوتين ٠

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*