الفنان ماهود أحمد” عبور البوابـات السّـبع “ما بين جلجامش والأبراج

9/10/2020

1٬246
بقلم: غـازى انـعـيم
كان الفن وما يزال هو ثمرة آلاف السنين التى تمثل خلاصة ما ترسب فى أعماق الإنسان، وهو ما يزال حتى اليوم يُعبر عن وجدانه وسحر أساطيره، حيث كان فى عصوره الأولى يمثل أداة سحرية لتحقيق مذهب حيوية الطبيعة، الذى يجعل لكل شيء روحًا. سواء أكان إنسانًا أم حيوانًا أم نباتًا أو حتى جمادًا.

وبما أن الفن والتاريخ ينبعان من عالم الأساطير التى تكشف عن لغة الرموز والمعانى الخفية المقدسة فى حياة الإنسان. وبما أن للفنانين الفضل فى توليد الأساطير، بما صاغوه من صور ورموز. فقد أراد الفنان ماهود أحمد من خلال بحثه الفنى الذى استوحاه من ملحمة جلجامش والأبراج أن يقدم العديد من الصور والرموز التراثية التى تخاطب وجدان المشاهد، وقدم عبر مجموعة من اللوحات حملت عنوان: ” عبور البوابات السّبع ” وهى ترتكز بالأساس على التاريخ واستلهام الحكايات والأساطير وبشكل خاص ( ملحمة جلجامش ) التى تتحدث عن الآلهة، والخير، والشر، والبشر، والصراع، والثور السماوى، وموت أنكيدو، والطوفان وسر الخلود الخ..
بالإضافة إلى تلك العناصر استوحى الفنان من الملحمة، العديد من التصورات المرتبطة بالرمز البطل، رمز انتصار الإنسان، معتمدًا فى رسمه على المخيلة التى جعلت من العمل الفنى رمزًا يعود بنا إلى الزمان الماضى. إلى فكرة الصراع بين الخير والشر، والضعف والقوة، فكرة عذابات الإنسان ومأساته.. وهو هنا يسعى بأن يحقق مضمونه الإنسانى من خلال ( جلجامش )، لذلك اختاره رمزًا للتعبير عن انتصار عدالة الإنسان.
كما استعان ماهود بالحصان رمز القوة والأصالة وكذلك بالثور الذى يرمز فى الحضارة البابلية والسومرية إلى الخصوبة والنماء، لإعطاء حلمه القوة الدافعة لتحقيق الدلالات الروحية والمادية من ناحية ولتجسيد أسطورته وهو يرافق الحلم ويحرسه من ناحية أخرى.
لقد عكست ملحمة ( جلجامش ) برموزها الصريحة والمباشرة ـ الحصان، الثور، الأسد، الغزال، الفيل، الثعبان ـ قناعة كاملة بأن الفنان ماهود أحمد يتمتع بثقافة وخيال ومعرفة بتاريخ الأساطير، إلى حد أن الفنان خرج إلينا برؤى محلقة استطاع من خلالها أن يكشف عن انسجام حميمى وتناسق دقيق للعناصر والتكوين والألوان.
أما الأعمال التى تناولت الأبراج الفلكية وعلاقتها بالإنسان ( الرجل والمرأة ) فقد تضمنت عناصر زخرفية وحيوانية إلى جانب العديد من الرموز والإشارات والأرقام والأمثال.. وتلك العناصر التى تضرب جذورها عميقًا فى قلب الموروث الفنى العراقى منذ آلاف السنين، تدور حول المرأة، الحلم والنافذة التى يطل منها الفنان على عالم الحلم المفعم بالإيحاءات والإيماءات.. وتلك العناصر فى المحصلة النهائية تحمل هدفها الموضوعى والذاتى وتكشف بوضوح من خلال التنبؤات عن مجمل تطلعات الإنسان وحالاته وأوضاعه إلى جانب المشاعر الإنسانية المرتبطة بالحب والجمال، وبالحلم والمستقبل.
لقد حاول الفنان من خلال تصويره للأبراج أن يبحث فى أعماق الإنسان وأن يقودنا إلى داخل العمل الفنى ومكوناته. كما استطاع أن يحيلنا إلى عالم خيالى لا ينفصل عن حيثيات الواقع والحلم، ذلك لأن الخيال، عنده، يمثل الجزء الذى لا ينفصل عن الواقع.
كما حاول الفنان أن يمنح الواقع قيمة جمالية تبلغ حد الرمز الواقعى المرتبط بالإنسان، أى المرتبط بالحالة الاجتماعية والنفسية.. والرمز هنا مرتبط برؤيته ويعتبر جزء من توجهه الفنى.
لقد أكد الفنان ماهود من خلال هذه الأعمال المختزلة، والمقدمة بالأسلوب السهل الممتنع، حقيقة ارتباط الشكل بالمضمون الذى يكشف عن أصالة وعمق الإنسان من ناحية، والأسلوب الواقعى المشذب الذى يتحد بالفكرة ويعبر عن المضمون من ناحية أخرى.
كما استطاع الفنان ماهود من خلال ” عبور البوابات السبع ” أن يثير الدهشة والانبهار، ويعمق الحس الجمالى عند المتلقى. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على تمتعه بخبرات تشكيلية، ومقدرة فى مجال التخطيط والرسم.. فاختياره للعناصر وتوزيعها فى مساحات متوازنة فى تكوين مترابط محكم، وبغير تكلف أو اصطناع، تشهد على حسه اللونى والتشكيلى الراقى وعلى تمكنه من أدواته الفنية.
أخيرًا ” عبور البوابات السبع ” للفنان ماهود أحمد التى أنجزها فى عام 2010 ، هو نتاج هام للتطور الذى قدمته الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة التى تمكنت من خلال مسيرتها الحافلة بالانجازات فى إغناء المضامين الإنسانية والحضارية والقومية باعتبار العراق الشقيق مصدر إشعاع ثقافى وفكرى للعالم كله.
بقي أن نشير بأن الفنان ماهود أحمد من مواليد العراق، تخرج فى معهد الفنون الجميلة العام 1961، حصل على شهادة الماجستير والدكتوراه من معهد الدراسات النظرية ومعهد سوريكوف فى روسيا، عضو مؤسس ومدرس فى كلية الفنون الجميلة بجامعة صلاح الدين بأربيل، وفى جامعة بغداد، اشرف على 27 رسالة ماجستير ودكتوراه، حصل على درجة الأستاذية ( بروفيسور ) فى عام 1996، كرم كأستاذ أمثل من قبل وزارة التعليم العالى والبحث العلمى وكذلك كأستاذ أقدم من قبل جامعة بغداد، شارك فى العديد من المؤتمرات العلمية والثقافية، وكتب العديد من البحوث العلمية والثقافية.
حاز على العديد من الجوائز التقديرية آخرها جائزة مهرجان بغداد العالمى للفنون التشكيلية 2002 ، شارك فى تأسيس ( مجلتى ) للأطفال 1968، عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، عضو رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، عضو نقابة الصحفيين العراقيين ونقابة الفنانين التشكيليين العراقيين. كرم من قبل رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين بمناسبة مهرجان القدس عاصمة للثقافة العربية 2009.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*