الفنان المفاهيمي فيصل الريس…الإبداع بالصورة الفوتوغرافية

5/7/2021

4٬259

كتبت/ سمر العربى
“التصوير بطريقة حقيقية وفعالة هو أنْ نرى ما وراء السطح والتقاط صفات الطبيعة والإنسانية التي تعيش في كل شيء” أنسل آدمز

منذ ظهرت الصورة الفوتوغرافية أضحت اللغة العالمية الأكثر فهمًا وعمقًا وتداولا بين البشر بمختلف جنسياتهم ومكانتهم والطبقات التي ينتمون إليها، فمتلقي الصورة الفوتوغرافية يلتقطها بحواسه الواعية وفي ذات عملية التلقي نفسها تتسلل تفاصيل الصورة إلى اللاوعي؛ لتثبت وترسخ الحدث والوقائع وتحولهما إلى نوع من التعبير الفني الإبداعي المكتمل الأركان باستخدام جماليات الأساليب التشكيلية التي تجعل من كل صورة فوتوغرافية لوحة فنية يتماهى فيها الشكل والموضوع مع المعنى والماوراء الكامن خلف التفاصيل.بهذه المقاربة يمكننا أنْ نتجول داخل العالم الإبداعي للفنان المفاهيمي الإماراتي (فيصل الريس) الذي اشتهر بلقطاته الصريحة بالأبيض والأسود لمشاهد واقعية من قلب الحياة اليومية وللمناظر الطبيعية على حد سواء، فهو يعتبر أنَّ الأبيض والأسود يوضحان رسالة الصور الفوتوغرافية بشكل بليغ حي يظهر ما فيها من المعاني دون تشتيت المتلقي بالألوان، فيصبح التركيز على الروح الخالصة للصورة كما يؤكد الفنان (فيصل الريس) في العديد من حواراته الصحفية.“لاشيء وجد كي يبقى” هكذا ترى الفنانة الفوتوغرافية (فيفيان ماير) التي تأثر بها بقوة الفنان (فيصل الريس) مما دفعه إلى توجيه عدسة كاميرته الثاقبة لتصوير الحياة العرضية، الشوارع، الناس، اللقطات التي لم تكن في الحسبان فهو يبدو مثل الصياد الذي يقتنص اللحظات العابرة فيثبتها ويرسخها ويجعلها تدوم إلى الأبد فهو يجعل من كل صورة فوتوغرافية تجربة جمالية يخوض غمارها محولا إياها إلى لغة فنية مستقلة وغنية بالقيم الجمالية فهي تمتلك الجاذبية والعاطفة الكامنة جامعة بين الفن والتكامل الجمالي والتشكيلي والتقني في ذات الوقت.يحمل الفنان (فيصل الريس) وجهات نظر فنية خاصة صبغت أعماله بخطوط وأبعاد لا تشبه غيره، وهو حريص بشدة على جودة اللقطة ووضوح الألوان وتبيانها فيجعلها تقترب من اللوحة الفنية وهو المتمكن أيضًا من الديجيتال آرت، تتسع المجالات التي يغطيها فن (فيصل الريس) فهو يبدع في تصوير المناظر الطبيعية والتراثية القديمة كما يبدع في تصوير البورتريه ولطالما قدم الوجه الحضاري لبلده الإمارات.تأثر (فيصل الريس) في مشواره الفني بالعديد من كبار الفنانين منهم الفنان الإمارتي القدير (جاسم ربيع العوضي) الذي يعتبره بمثابة الأب الروحي، كذلك الفنان الإماراتي (سعيد الشماسي) والفنان السعودي (علي جمال الجناحي).

تذكرنا صور الفنان (فيصل الريس) بالعديد من أساتذة فن التصوير العظام ورغم ذلك فهي تتمتع بجمال خاص يتجلى في عوالمه الفريدة ونظرته شبه الموسوعية للحياة من حوله فنجده في لوحاته متسمًا بالهدوء والرصانة ووضوح التكوين كما نجد في صوره لطفًا وتباديل بارعة بعيدة كل البعد عن الحدة أو الانفعال الشديد أو الحركات المفاجئة لذا تنضح صور (فيصل الريس) بالتفهم الإنساني والدفء والحيوية الرصينة.يقوم الفنان (فيصل الريس) من خلال التصوير الفوتوغرافي بعمليتين إبداعيتين متكاملتين ومتزامنتين وهما تفكيك الواقع الجمالي المعاش من حوله ثم إعادة بنائه معتمدًا توليفاته الخاصة من الشكل والتكوين واللون والظلال والضوء ليفسح المجال للمتلقي ليدرب عينه كي يعيد استكشاف الجمال في أبسط الأشياء في الحياة وبهذا المعنى فإنَّ صوره تبتعد عن كونها استنساخ للواقع لتصبح طرائق لاستكشافه لتبني أبعادًا ماورائية تنسج فيها خيوطًا رشيقة ما بين العالم المعاش والعالم الروحي غير المادي وسيلته في ذلك الكاميرا الفوتوغرافية بين يديه ينحت بها الحدث ويخترق بعدستها حواجز الصورة السطحية نحو الجمال الأعمق والأنضج.لدى الفنان (فيصل الريس) تجربة فوتوغرافية مميزة تشكلت منعرجاتها عبر عشرين عامًا من الخبرة والتعامل مع فنون الحياة في بلده الإمارات وخارجها من خلال أسفاره الكثيرة فأصبح بمقدوره أنْ يوازن بين المتطلبات التي تفرضها طبيعة الصورة الفوتواغرافية المستمدة من المشاهد الحقيقية والتي يعالجها المتلقي بصريًا باعتبارها وصفًا لحدث وقع بالفعل وبين أنْ تتحول هذه الصورة للقطة فنية معاصرة بكل الأبعاد الجمالية والتشكيلية على مستوى الشكل والحركة والمضمون المرئي الثري بالقيم المفاهيمية في مسارات إبداعية تخلق عالمه الفني الفريد الذي يتقاطع مع الواقع لكنه لا يخضع لمنطقه بل يقوم بترويضه خالقًا عالمه بمكوناته القيمية الخلاقة ذات الأفكار التي تتوغل في المحتوى وهو بهذا المعنى يبدع حكايته الخاصة ويسردها سردًا بصريًا عبر لوحاته الفوتوغرافية بمفردات تنتمي إليه وحده.

بين شوارع الدول وأزقة الحياة تنقل الفنان (فيصل الريس) مكرسًا وقته للانتقال من مستوى معرفي إلى آخر أوسع وأرحب ليقدم سرديته البصرية للعالم وللناس وللشوارع وللثقافات وللبلدان لينصهر الكل ويذوب في بوتقة فيصل الريس ذي العين الثاقبة والمشروع الفني المفتوح والثري بإمكانيات الحياة والذي يعتبر تصوير الشارع جزء منه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*