الفنان الأردنى سـعـيـــد حـدادين،يســــافر عبر الوجــه إلى تخـوم الذات

8/7/2020

3٬419

كتب /  غـازى انـعـيـم
سـعـيـــد حـدادين ، فنـان الوجوه الحزينة والنائمة فى الحلم

من بين عدد قليل من فنانينا التشكيليين الأردنيين، يقف الفنان سعيد حدادين، فى مكانة متفردة، بثقافته العالية التى تجمع بين الفن والأدب والسياسة، تلك الثقافة التى اكتسبها من الاشتراكية التى التزم بها منذ صباه، حيث وضع نفسه فى خندق الدفاع عن العدل الاجتماعى، والانتماء إلى المواطنين البسطاء والفقراء والعمال والكادحين، وكان يحلم من خلال تعاطيه مع الفن أن يغير الواقع القائم إلى واقع أكثر إشراقًا وجمالاً، وأن يرسل من خلال فنه الراحة والطمأنينة إلى تلك الشرائح الاجتماعية ويكون لهم بمثابة مقعد مريح يركنون إليه بعد عناء التعب، كما يقول الفنان ماتيس.

فناننا من مواليد بلدة ماعين عام 1945 م، حاصل على بكالوريوس الفنون الجميلة من كلية الفوف ( الاتحاد السوفيتي ) عام 1974 م، بعد تخرجه عاد إلى الوطن ليعمل مدرسًا للرسم والتشريح فى معهد الموسيقى والفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة فى عمان من عام 74 إلى عام 1979 م، ومدرســًا لمادة التربية الفنية والرسم الحر والديكور فى عدد من كليات المجتمع ثم فى الجامعة الأردنية وبعد ذلك فى مركز تدريب الفنون الجميلة التابع لوزارة الثقافة، وإلى جانب ذلك كانت الكتابة النقدية رفيــقــًا لعمله الحقيقى كرسام كاريكاتور فى صحيفة الشعب اليومية.

وقد واجه الفنان وقتذاك بسبب رسوماته الملتزمة فى تلك الصحيفة شتى المشاكل والصعوبات والعراقيل، عندما سعى لترسيخ الخصوصيات الوطنية المرتبطة بالتوجه القومى والإنسانى، الذى كان المناخ العام المحلى والخارجى يعبر عنه، أى مناخ مواجهة العدو الذى يحاول أن يفرض وجوده وقيمه وأخلاقه.

وللفنان حدادين إلى جانب تجربة الكاريكاتور تجارب متعددة، لا نستطيع أن نحصرها فى اتجاه فنى واحد فهو واقعى بمفهوم البدء من الطبيعة والواقع المحيط به، حيث رسم مجموعة من اللوحات التى تصور الحياة اليومية للناس فى الريف وبساطة العيش، ورسم صورًا شخصية وحالات إنسانية، بالإضافة إلى تسجيله برؤيته الجمالية العديد من المناظر التى تمثل الطبيعة الصامتة أو الطبيعية الأردنية بلمساته الناعمة وألوانه الصافية، وطبيعة تلك المواضيع التى تميزت بالإتقان والبراعة اللونية، حتّمت عليه اختيار الأسلوب الأكاديمى أو الواقعية بمعناها الشائع.

وهو تعبيري بمفهوم الاهتمام بأن يصبح الإنسان جزءًا أساسيًا فى تكوين اللوحة وحاضرًا فوق مسطحها الأبيض من خلال الشحنة الانفعالية التعبيرية الصادقة، وهو تجريدى تعبيرى بمفهوم الاعتماد على علاقات الأشكال والألوان، أى أنه لا ينتمى إلى اتجاه محدد، يحصر نفسه فيه ولا يتعصب للواقعية الاشتراكية أو لأى اتجاه تشكيلى ساد فى مرحلة من المراحل، وإنما يرسم فحسب، واعيــًا مفهوم لغة الفن فى عصرنا، ومسيطرًا على أصول الصنعة، وهو ما يجب أن يكون عليه الفنان من دون حصر نفسه فى تقسيمات التعبير الفنى، لأنه دائم البحث عن اللغة التشكيلية التى يصب فيها عمله، ودائم البحث فى لغة الأساليب، وهو هنا يتفق مع ” ماتيس ” عندما قال: ” إننا لا نختار أسلوب فننا.. وإنما هى روح العصر تفرضه علينا “.

وعندما نتأمل تجربته الحرة الطليقة فى السنوات الأخيرة نلاحظ أن نزعته ميالة إلى التعبيرية التى وجدها أشد انسجامــًا مع طبيعته ومنهجه فى الحياة فاختار رسم الإنسان، وبشكل خاص الوجوه و( البورتريه ) كمحور رئيس لإبداعه، وهو غالبــًا ما يكون لأنثى… ولوحته التى تمثل هذا الجانب من خلال تشريح الوجه وتعبيراته وانفعالاته، هى اللوحة الأكثر إلحاحًا على الذاكرة، حيث نرى روح الفنان ( حدادين ) تطالعنا من خلال نظرات العيون الشاردة أو الساهمة الواسعة وما تضفى من غموض وخوف، أو من خلال تعبيرات الوجوه الرمزية التى تعبر عن الخوف واليأس، وعن الحزن والألم، وكأنها قد أرهقت وأنهكت.

والمدقق فى الوجوه التى رسمها ( حدادين ) فى السنوات الأخيرة يلاحظ أنه يدخل فى أغوار المأساة الإنسانية ويحولها إلى إيحاءات من الذهول والهلع والانفعال، وإلى حالة من تداعيات الصمت، ويلاحظ أيضــًا أنه يسافر عبر الوجه إلى تخوم الذات من خلال الخطوط الموحية المتنوعة فى اللون والشكل والحجم، والتى تموج بين السكون والحركة فى خلفيات داكنة بين الألوان الباردة والحارة تحمل بين طياتها بعدًا نفسيــًا دراميــًا، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مهارته العالية فى توظيف الخط واللون وتبسيط الأشكال والعناية بالتكوين والبناء عناية تجعل من اللوحة وحدة متماسكة رغم التضحية بالتفاصيل لصالح الحالة الإنسانية، مهما كان وضعها.

بعد هذا لا يسعنا إلا القول بأن الشحنة الانفعالية التعبيرية فى أعمال ( حدادين ) دراما داخلية، يتوقف المتذوق لأعماله أمامها طويلاً يعيش المأساة ويحس بها على وجوه أبطاله الذين قدمهم فى صياغات رصينة البناء، والتى تخلو من الثرثرة التشكيلية.

ويبقى موقف الفنان ( سعيد حدادين ) التعبيرى المليء بالأسى من الواقع المباشر هو موقف من الحياة، بل هى نظرة محددة إلى الواقع الاجتماعى، لأن الوجوه التي رسمها ليست للمتعة أو للتسلية، بل أراد من خلالها أن يعبِّر عن حالة عامة، وأن يكشف عن جانب ما من جوانب الواقع المرير والصعب الذى يعيشه الإنسان العربى.

أما بالنسبة للوحات ( حدادين ) المستقاة من الطبيعة فهى من النوع الذى يسهل التعرف عليه بألوانها وموضوعاتها البسيطة التى يمكن العثور عليها فى أى بيت مثل ” المزهريات، والورود، والكؤوس، والصحون، والفواكه بالإضافة إلى الطاولات والكراسى وبعض التماثيل النصفية.. هذه العناصر التى صورها ( حدادين ) بأداء عال ورؤى عميقة ضمن تكوين مبنى وفق تنظيم معين لم تكن نقلاً حرفيــًا لشكل ما.. بل كان يقوم بتجريدها ومراعاة صياغتها التعبيرية بخطوط وألوان مشبعة وذات كثافة عالية وظلال وأضواء قوية تبرز الشكل بقوة.

أخيرًا الحديث عن الفنان ( سعيد حدادين ) يطول وتكثر تشعباته لما يملك من لغة خاصة جهد فى تطويرها لأكثر عبر مسيرته التشكيلية، وجعلها مطواعة، لتكون تجربة فنية لها حضورها وبصمتها المميزة على خارطة التشكيل المعاصر وصل إلى قمة الإبداع والنجاح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*