الفنانة “راندا إسماعيل” ومعرضها الضافى ” ضفاف سمراء” بجاليرى جرانت

1٬958

هناك بعض لوحات الفن التشكيلي التي تقف أمامها وتراها ولاتترك فيك أي أثر أوحتي التوقف لثوان أمامها ، وهناك علي النقيض من ذلك لوحات للفن التشكيلي ، تنظر إليها وتجذبك إلي فلكها فلا تدري ماذا تفعل ، فتعود مرة أخري إلي هذه اللوحات حيث تحس بأن هناك إبداعا حقيقيا إنه الإبداع الذي يخاطب كل جوانحك ، بل يحتويك – أيها القاريء العزيز- فأنت تدور في فلكه ولاتتحدث إلا عنه . تنتمي لوحات الفنانة المبدعة “راندا إسماعيل” إلي هذه النوعية الأخيرة من اللوحات التي تبقي ويبقي أثرها في النفس، إنها لوحات مزجت بطمي النيل واختطلت بمشاعر ناسه وعناصر بيئتهم. نري لوحات معرض ” ضفاف سمراء” للفنانة والمقام حاليا في “جاليري جرانت” بوسط البلد ويستمر حتي نهاية الشهر الحالي وهو المعرض الفردي السادس لها – نري لوحات هذا المعرض لنجد العديد من الجوانب المختلفة ، أول ملمح نراه هي تلك البهجة التي تطفر بها لوحاتها والتي لاتزال ممتدة من معرضها السابق “بر أمان ” هنا نري الضوء الجميل ضوء الفجر أو ضوء العصاري يخيم علي اللوحات فيما يعطي الانطباع بالسكينة،  فتدخل المعرض كأنك تدخل قطعة من الجنة وارفة الظلال حلوة تستكين لها النفس ، تشم فيها رائحة النيل مختلطة بالورود التي نمت من قلب الصخور المحيطة به.
يشع من اللوحات نبض الروح المصرية حيث نري النساء والأطفال والبنات في غالبية أجزاء المعرض، نري شخوص اللوحات في ملابسهن الملونة الجميلة والتي تأخذ من البيئة المحيطة بهم بهجتها و رونقها في تواز نحسه وكأني بالفنانة المبدعة تجعلنا نسمع اللون و نري الأصوات ، بل إننا نجد أنفسنا معهم وكأننا نعرفهم و يعرفوننا.تحس بالروح المصرية في الألوان وفي الحركة المنبثة في كل لوحة وتتناغم فيه جزئياتها . هذا ولاتنسي فنانتنا والتي درست العمارة أن تكشف لنا عن معمار منازل الجنوب في مصر حيث البناء الهندسي الخاص المتفاعل مع البيئة وكأني بالفنانة تقول لنا إننا في بقعة تواءمت فيها كل عناصر المكان من أشخاص وجبال ومنازل وماء، فالمعرض بمثابة سيمفونية خرجت ولاتزال يتردد صداها في كل مكان.أما الجانب الأخر الذي نلمحه ، فهو الترابط الاجتماعي ، إن جاز لنا التعبير، فنري في كل لوحة تجمع ما إما بين أم وابنتها أو بين مجموعة من النسوة أو بين رجال و نساء ، في تركيز علي روح الأسرة الواحدة في مثل هذه المجتمعات و كأني أري الأسرة الفرعونية هنا ماثلة حيث البيت له قداسته وحيث الجيران يتفاعلون ويتحاورون ويعيشون سويا يقابلون الحياة يدا بيد . وكأني بالفنانة تنتقد من طرف خفي هيمنة عالم المدينة حيث الاغتراب والتباعد يفصل بين القاطنين حتي في المكان الواحد وتضرب لنا من خلال الفن والفن وحده النموذج علي التفاعل والتقارب بين الأفراد. نلمح في اللوحات الأم وابنتها الصغيرة ، المرأة وجارتها ، الأم والرضيع ، جلسات النساء بالقرب من الصخور علي شاطيء النيل ، النساء وجلسات السمر .. إلخ من لقطات حية من واقع جاء كأننا نراه ونسمعه ونحس به ،بل ونلمسه بقلوبنا قبل عيوننا وكأننا نعيش فيه.

وفيما يتعلق بالألوان ، تستخدم الفنانة “راندا أسماعيل”  باليتة لونية نري فيها ألوان البهجة وهي ألوان نشاهدها مقترنة بملابس العيد والاحتفال والمناسبات وكأني بالفنانة تريد أن تقول لنا في رسالة قصيرة” ابتهجوا بالحياة ، كما يبتهج أفراد هذه البقعة من مصر والذين تحوطهم الطبيعة ويتفاعلون معها” نري اللون الأصفر والبرتقالي والبنفسجي والأزرق بدرجاته ونري الألوان المزركشة كذلك ، الأمر الذي يدفعنا للإحساس ببراءة هذا العالم ونقائه. تدفعنا الألوان في الوقت ذاته إلي أن نحس بتغلغل الفن في روح هذه البيئة والتي ضربت المثل والقدوة لنا في جمال الروح والشكل معا ، فنجلس مع من يجلسون ونهرول مع من يهرولون ونتسامر مع من يتسامرون .

تمتلئ اللوحات كذلك بنبرة جميلة يمكن أن نسميها البساطة ، حيث تراها في المنزل ذي الدور الواحد وذي المعمار الفني الذي يناسب المكان ويتعامل مع مؤثراته ، نري البساطة في العمل حيث نري مراكب الصيد البسيطة والتي تساعد قاطني المكان علي توفير لقمة العيش ، نري البساطة في الحوار بين الأفراد في هذا المكان وكيف أن روح المحبة والتآلف بين الجميع كبارًا وصغارًا وبخاصة بين النساء ، إن الفنانة تضع المرأة في مكانة خاصة لأنها ببساطة هي عمود البيت وقوامه وأساس سلامته وراحته. معان لمستها الفنانة بريشتها وأخرجتها لنا في فن جميل.

ومن جميل المصادفة أن تمر خلال فترة المعرض مناسبة عيد الأم والتي نري أكثر من لوحة تمثل حنانها وحنوها علي أبنائها وتفانيها في سبيل راحتهم . إننا مع هذه المناسبة الغالية ، نجد في لوحات المعرض مايؤكد علي دورالأم المقدس كصانعة الجيل القادم وأساس  نهضته ، حيث الأم الحامل وهي تصحب ابنتها والأم وهي تحتضن أولاها والأم التي تحمل طفله الرضيع …إلخ من لقطات تنبض بالمعاني المؤثرة.

في إحدي اللوحات تري لقطة بانورامية تجلس فيها نساء علي شاطيء النيل حيث الصخور وحيث تلوح في الأفق الرمال والشجرو المنازل ، لوحة جامعة عكست في بانورامية غالبية عناصر المكان وتضعنا في رؤية عامة أمام البيئة التي تتناولها الفنانة  وتتواجد في الجنوب ، حيثما بدأت الحضارة و ترعرت .

تنتهي قراءتي السريعة لمعرض الفنانة المبدعة”راندا إسماعيل” والتي درست الهندسة المعمارية ودرست  الفن علي يد كبار الأساتذة ، اشتركت في أكثر من 60 معرضا جماعيا في مصر و لندن و روما و هلسنكي . أقامت ستة معارض فنية منذ عام 2011 و حتي الأن . فألف تحية وتقدير للفنانة المبدعة علي أعمالها الرائعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*