الفنانة “دينا يسري” وإبداع متفرد في عالم الفن التشكيلي 

22/3/2021

2٬749

عالم الفسيفساء يرجع بنا إلى التاريخ بكافة مراحلة وقصور الأباطرة وغيرهم، نرى أن الحياة تم رسمها كمنمنات صغيرة باستخدام خامات صعبة التشكيل لجعل الحياة تنبض في العمل الفني الذي نراه وتكشف الحفريات الأثرية في الدولة الرومانية وغيرها هذا الفن ومظاهره والتي تبقى علي مر الزمن . إن الفنانة  “دينا يسري ” والتي تدرس التصوير الجداري والفن في الجامعة وتهوى الفن وتمارسه وتبدع فيه.
حينما نقترب من عالمها أحس أنني اقترب من واحة  في صحراء حياتنا حيث ترسو فيها القوافل وينتشر فيها الأمان. في لوحات الفنانة المبدعة “دينا يسري” نجد هذه الواحة التي صنعتها علي صبر وتؤدة واقتدار بالفسيفساء بخاماتها المتعددة، تلك الخامات صعبة التطويع والتكوين لكي تصبح جدارية أو لوحة فنية. الفنانة المبدعة لها رؤية في التشكيل واللون ومن خلال العجالة التالية سنجد أن العمل الفني يغير من أعماق من يشاهده بالتأكيد ويؤثر فيه .الفنانة تخلق العلاقات بين عناصر الحياة، فنجد العلاقة بين مفردات الطبيعة من أشجار وزهور وغيرها والمرأة ذلك الكائن الذي يمنح الحياة التجدد والاستمرار والبقاء والديمومة، إنها الأم والأخت والبنت والزوجة، تتوازى المرأة مع الأشجار في طرح الثمار والخير ولها كذلك الجذور العميقة في الأرض والعطاء بلا حدود، معان نحسها في رؤيتنا للوحات الفنانة المبدعة .
في لوحة ملائكية التكوين نجد فتاة تجلس في ظل شجر ملتف، تشابك الشجر يعكس تشابك الحياة من حولنا، ونكتشف أن الشجر ممتد كدرب طويل أمام بطلة اللوحة التي أعطتنا ظهرها في انكباب علي نفسها، الضوء في اللوحة رائع وهو يتباين مع تشكيلات أغصان الشجر في سماء اللوحة، روعة وبهاء نلقاهما في هذا العمل الفني.هناك لوحة أخرى نرى فيها الشجر وباب مفضي خلالها. الأغصان تظلل على المكان وكأننا في مقدم الليل أو في ساعات الغروب، اللون الأحمر في أسفل خلفية اللوحة هو لون الدفء، لون الحياة والحماس والحركة، تساعد الغصون علي الوصول إلى أعلى كامتدادات للسماء، درجات السلم هى درجات الدخول لعالم خاص في قلب الشجرة ، عالم نراه يشع نورا من القلب ونحن نريد أن ندخل هناك، إن اللوحة عبارة عن قصة قصيرة لها مفرداتها التي تريد أن تنقل لنا حالة وتنجح في هذا نجاحًا كبيرًا.في لوحة أخرى نجد الشمعدان النابض بالحياة، نرى جمال اللون والتشيكل المعجز الذي يدل على أناة في التعامل مع الخامة لدرجة تفكرنا باللوحات الخالدات في عالم الفن، إذا رأينا التشكيلة اللونية ودقتها وتضافر الألوان الحمراء والبرتقالي والأصفر بدرجاتها مع ألوان أخرى مثل الأخضر والأزرق سنجد في تلك التوليفة اللونية معجمًا من الأحاسيس والمعاني – إن جاز هذا التعبير- يضعنا في قلب عمل فني باق ومستمر.في لوحة أخرى سنجد مايشبه بطلة اللوحة تقف في المنتصف وهي ترفع يديها وحولها تشكيلات تضعنا في قلب اللوحة وتذكرني هذه اللوحة بإبداع الفراعنة العظام علي المعابد والتي خلدها التاريخ.
إن انسياب التكوين وطريقة وقوف بطلة اللوحة وامتداد يديها في السماء تجعلنا معها فيما تفعله أو ترجوه. لقد خلقت الفنانة حالة من التفاعل الوجداني لمن يستبطن لوحاتها ويقترب من التكوين واللون والتفريعات التي تتوازى مع تفريعات الشجر كأنها خيوط من التعبير وزخم لوني وتشكيلي مؤثر .لقد أبدعت الفنانة وجعلتنا ندخل في عالم هذه التشكيلات التي أراها بمثابة الحلم الشفيف الذي لا نريد أن نخرج منه، يساعد على هذا غلبة اللون الأزرق بجماله وكماله ودرجاته وهو لون الراحة ولون التناغم، إنه لون الموج حيث نلقي بهمومنا هناك ونعود كأننا ولدنا من جديد.

أختم حديثي عن لوحة، نرى فيها بطلتها في جوف تكوين يشبه المحارة ونرى التشكيل البديع حواليها، إننا هنا أمام عالم من التشكيل الكوني وليس اللوني، كأننا نرى يد الطبيعة ترسم هذه اللوحة وتضع بطلة اللوحة يديها على وجهها في تعبير الانكباب علي الذات الأمر الذي يجعلنا نطلب منها أن تخرج من قوقعتها لترى جمال العالم حواليها.
لقد تفوقت الفنانة ” دينا يسري” وقدمت لنا هذه اللوحة التي نراها كعروق الذهب أو الماس في ثرائها الفني والتشكيلي. التوليفة اللونية من الجمال والبهاء بحيث نراها سيمفونية تتجمع في ركن من اللوحة وتمتد معبرة في خطوط في امتدادات كأنها ضربات سيمفونية الحياة. ونرى تفاعل الألوان في داخل اللوحة كموسيقي لها أنغامها التي تهمس للنفس في خفوت أو في نداء.أتمنى في هذه العجالة القصيرة، أن أكون قد ألقيت الضوء علي جوانب من معزوفات – أقصد إبداعات –الفنانة ” دينا يسري “، الفنانة التي تفجر من بين تشكيلات الفسيفساء روحًا نابضة تسري في قلب المتلقي وعقله وروحه.
ونجد أنفسنا مع عالم هذه الفنانة، نجوب عالمًا خاصًا، عالمًا يتفاعل فيه التشكيل مع اللون مع نبضات التكوين وباقي أجزاء اللوحة. إننا بحق نعيش حالة خاصة مع لوحات هذه الفنانة التي تبذل الجهد في التعامل مع هذه الخامات لنرى نورًا يشع من قلب اللوحات وموسيقى تنبعث من أرجائها فنظل نتذكر كل إبداعاتها ولا نساها، لأنها موسيقى الطبيعة وموسيقى الحياة  وموسيقى البشر تضافر الكل في أعمال هذه الفنانة المبدعة، فألف شكر وتحية  لهذه الفنانة على أعمالها الرائعة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*