التشكيلي الفلسطيني محمد بشناق .. فنان من نوع خاص 1934 – 2017

3٬831

غـازي انـعـيـم

تفتحت عيناه على حياة يسودها البحر.. تشبع به وأثّر فيه، من حيفا إلى مدينة إبراهيم الخليل، ليبدأ رحلته مع الفن في تلك الأجواء الخالدة من حوله، وقد تزينت رحلة حياته بالعديد من الجوائز والشهادات التقديرية والميداليات.. وعشرات المعارض المحلية والخارجية التي كشفت عن عمق ثقافته وأصالة موهبته، إنه ابن حيفا، محمد بشناق، الذي حملته رياح الفن من مدينة الخليل، إلى مدينة عمان، ثم الكويت، وفي كل محطة كان يكتسب شخصية وملامح متجددة.

ويعد الفنان محمد بشناق صاحب بصمة خاصة مملوءة بالتنوع والثراء والتفرد.. وصاحب تاريخ فني طويل وحافل بالأعمال التي تمثل حالة خاصة في حركة التصوير والنحت.. ويعد أيضًا واحدًا من الذين أثروا الساحة التشكيلية الكويتية والأردنية بكثير من الأعمال التي ساهمت في وضع اللبنة الأولى في بنائهما.. كما أنه درّس الكثير من الفنانين الكويتيين وعلى رأسهم الفنان أمير عبد الرضا.

ـ فمن هو فناننا؟

ولد الفنان محمد بشناق في قرية ” الشيخ ” جوار مدينة حيفا العام 1934، وولدت معه الموهبة الفنية منذ أن وطأت قدماه الأرض.. وتعلق منذ نشأته الأولى.. بالرسم والنحت.. حيث كان يسهر ليالي رمضان لصناعة تماثيل صغيرة على أشكال السيوف والخشب.. واعتمد في صناعته للتماثيل الخشبية على أسلوب تجميع القطع الصغيرة وتركيبها، وعندما أحس والده بأن الرسم بدأ يبعده عن الدراسة رفض هذه الهواية، لكن حبه الشديد للفن وحلمه بأن يصبح يومًا فنانًا كبيرًا، في مجتمع لم يكن يعترف بهذا الفن، جعله يواصل هوايته بعيدًا عن والده.

بعد نكبة العام 1948 غادر بشناق مع عائلته إلى مدينة الخليل، وتفتحت عيناه على أحيائها القديمة ” والحرم الإبراهيمي الشريف ” الذي يجتذب إليه المريدين من كافة أنحاء فلسطين والعالم.

وفي الخليل درس الثانوية العامة في كلية الحسين، وفيها رسم مجموعة من اللوحات المستمدة موضوعاتها من الواقع الذي يعيش فيه.. وكان أبرز ما رسم من لوحات بأسلوب واقعي في هذه المرحلة، لوحة ( الإنسان )، وكان لتلك اللوحة التي مثلت انطلاقته الفنية، وقع مؤثر على الهيئة التدريسية.. ولشدة إعجابهم بها طلبوا منه إبقاءها معروضة في المدرسة مدة ستة أشهر..

كان لذلك القرار أثر عميق في تكوين شخصية محمد بشناق، عندما أوكل إليه مسؤولية لوحة الأسبوع في المدرسة، وتوالت النجاحات.. وبدأت شهرته في الذيوع في المدرسة، كبر الفتى وكبرت أحلامه في ذلك الوقت، أن يكون فنانًا له مكانة عالية، ونظرًا لعدم وجود كليات فنون، وعدم قدرته على متابعة هوايته في القاهرة، أو باريس، أو روما، اتجه بقلبه وعقله بعد الثانوية العامة إلى مدينة طولكرم، ودرس في معهد خضوري الزراعية سنة تأهيل تربوي، وأثناء دراسته لم ينقطع عن الفن وشجعه على ذلك أقاربه ومعارفه الذين كانوا يطلبون منه رسم أشياء تهمهم..

والذي أعطاه دفعة للأمام لوحة رسمها في العام 1952 لقرية قريبة من مسقط رأسه، وهي” قيسارية / حيفا ” ، حيث تنافس أقاربه على اقتناءها، وهذا شجعه على المثابرة.. فرسم عشرات اللوحات التي تمثل المدن، والأسواق، وتجمعات الباعة، وأصحاب المهن، والأماكن المقدسة، وكان من بين تلك اللوحات التي بذل في رسمها جهدًا ووقتًا وصل إلى ستة أشهر، لوحة تمثل المسجد الأقصى.

نشأ ” محمد بشناق ” على هذه المشاهدات بعين لاقطة تشبه عدسة الكاميرا التي ترصد كل تفاصيل المشهد، واختزنها في ذاكرته، وبدأ يحاكيها على الورق، وراح يعلم نفسه بنفسه في ” مدرسة البيئة والحياة “.

في العام 1954، سافر إلى الكويت يحمل إلى جانب فنه المتميز.. ما قرأ، ودرس، ولاحظ، ليعلمه لطلابه في مدرسة ” قتيبة ” وبعد ذلك، مدرسة ” المباركية ” ثم مدرسة ” معن بن زائدة “. وهكذا كان رائدًا في دوره التعليمي الهام، إذ رسخ العديد من المفاهيم الفنية عند طلابه، وفي جميع المراحل التعليمية التي مارس التدريس فيها، مؤكدًا على أصول التربية الفنية، وقد تتلمذ على يديه العديد من الفنانين الكويتيين.

وبذلك يعد الفنان محمد بشناق الذي كان من طبيعته الكرم، والإيمان بأن لطلابه وأصدقائه الحق في كل ما يملك من ثقافة، من أوائل الفنانين العرب الذين ساهموا من خلال التعليم برفد الحركة التشكيلية بأعداد كبيرة من المدرسين والفنانين، الذين أوفدوا للدراسة خارج الكويت، وبعد عودتهم مثلوا التجارب الرائدة للتجديد في الفن التشكيلي، وهكذا أسهم بشناق بوضع اللبنة الأولى في الحركة التشكيلية الكويتية.

أول معرض تشكيلي في الكويت

في العام 1956  أقام ” محمد بشناق ” أول معرض له في نادي الخليج العربي، الذي غير اسمه فيما بعد إلى نادي العروبة ، وهو أول معرض يقام في الكويت، وقد احتوى المعرض على موضوعات كلاسيكية تمثل البيئة الكويتية الصميمة.. والنشاط اليومي للأشخاص والأطفال.. وحركاتهم، وتعاملاتهم.. ولم يكن يكتفي بشناق، برسم المشهد كما هو على أرض الواقع، بل كان يضيف إليه المزيد من اللمسات الجمالية والخلفيات الفنية بضربات ريشته.

وقد بيعت كافة أعماله للأجانب وبشكل خاص ” للأمريكان “.. وبلغ أعلى سعر للوحته ” 250 روبية “. وقد ذاع صيته بعد هذا المعرض، واشتهر في أفق الحركة التشكيلية الكويتية.

في العام 1958 عقد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت، وأقيم على هامشه أول معرض لفنانين كويتيين وأطلقوا عليه ( معرض البطولة العربية )، وفي نفس العام أقام الفنان بشناق معرضه الثاني، فكانت مجموعة من لوحاته تمثل معاناة الفلسطينيين وتبرز نضالهم وكفاحهم من أجل استرداد حقوقهم ومقدساتهم المغتصبة وإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني.

أما المجموعة الأخرى فكانت مستقاة من البيئة الكويتية وتمثل: ” البحر، والصيد، والصحراء والحياة الشعبية، والأسواق، والمقاهي، وعالم الطفولة.. ” نابضة بالصدق والعفوية.. وعكست مسطحات لوحاته المشغولة بمهارة وأناقة.. روح الإنسان البسيط والأمكنة ببلاغة رائعة الحس.. يكاد المتلقي يغوص في تفاصيلها الحميمة.

كما عرض في هذا المعرض مجموعة من المنحوتات الخشبية، التي تشير إلى الحاضر بهمومه وإشكالاته وأفراحه.. ونلمس من خلالها المعاني الواعية، المليئة بالإخلاص للتراث ولحرية التعامل مع المادة بعيدًا عن المبالغة الأكاديمية.. واستحضر من خلال منحوتاته التي تتضح فيها القيمة الفنية العالية، والبساطة الدقيقة والمعبرة، البساطة الصعبة والمعقدة، الماضي البعيد، الذي أعاد إليه حياته الواقعية القائمة، وبهذا المعنى بايع الفنان عن قناعة وبدرجة كبيرة القيم الإنسانية المتفتحة، والمنبثقة من أعماق التقاليد الشعبية الراسخة..

كان اتجاه الفنان إلى مادة الخشب كونها رامزة للخصب وللمرأة، لذلك تشكل المرأة في مسيرة بشناق النحتية احد رموز الخطاب الجمالي وإحدى علامات فنه الحيوية.. فهي تمثل الوطن والخصب والخيال.. وهي الأم التي حملت الإبداع النوعي للبشر.. وهي في رؤية الفنان الجسد والروح على حد سواء.

ساهم في تأسيس المرسم الحر

في العام 1960 قررت إدارة المعارف الكويتية، بعد تزايد عدد الفنانين، أن تولي النهضة الفنية جانبا من اهتمامها، وذلك من خلال طرح فكرة إنشاء مؤسسة تجمع أولئك الفنانين.. وتتيح لهم فرصة تنمية مواهبهم.. وأطلق على تلك المؤسسة ( المرسم الحر ). ( مدرسة قتيبة سابقا ).

وقد ساهم الفنان محمد بشناق الذي اتصف بالبساطة والتواضع واحترام الناس الذين نزل بينهم، مما مكّنه من الانسجام معهم والتعبير عنهم بصدق.. بتأسيس المرسم الحر ووضع تصور لمدخله، وكانت الفكرة تقوم على أن يكون للمرسم ثلاث درجات قبل الباب، ومثلها بعد الباب، وبعد أن أستكمل بناء المرسم، أصبح مكانًا لتجمع فناني الكويت الرواد أمثال سامي محمد، وخليفة القطان، وعيسى صقر، وخزعل عوض، وعبد الله سالم، وعبد العزيز الحشاش.. وكان بشناق يذهب إليهم لأخذ بعض الاسكتشات معهم.. لا سيما أن المدرسة التي يعمل فيها كانت تطل على المرسم الحر، وكان المرسم القاعدة الحقيقية لانطلاقة الفنون التشكيلية في الكويت.

في العام 1963 وتحديدًا في 1 / 9 / 1963 أقامت ندوة الرسم والنحت الأردنية معرض للفنان بشناق في قاعة أمانة عمان، وكان المعرض الذي احتوى على تقنيات من الرسم والنحت والخزف، برعاية وزير التربية والتعليم ” حسن الكايد “.

وقد تناول بشناق على مسطحات لوحاته في هذا المعرض موضوعات تراثية.. وبورتريهات.. وأناس بزيهم المحلي المميز.. وواجهات المنازل، والمواقع الأثرية الشهيرة، وكان قد عشق رسم هذه الموضوعات منذ بداية نشاطه الفني؛ إذ كانت لوحاته الموسومة بـ ” الإنسان ” و” المسجد الأقصى ” سببًا في شهرته، كما أشرنا آنفا.

وفي نفس العام الموافق 22 / 10  أصبح بشناق أحد أعضاء ندوة الرسم والنحت الأردنية، ويحمل وصل سند قبض رقم ( 165 ).

في هذه المرحلة برز محمد بشناق بمنحوتاته الرمزية والتاريخية المستمدة من الواقع والتاريخ العربي.. وغلب على منحوتاته الصغيرة مراعاة النسب ودراسة التشريح للجسم الإنساني، كما عمل على ربط الكتل والخطوط والفراغات للوصول إلى الاتزان..

في العام 1966 أعلن المعهد البريطاني عن مسابقة في الكويت وتقدم بشناق إليها بتمثال من خشب الليمون وكان التمثال صغيرًا وارتفاعه لا يتجاوز العشرين سنتمر.. وبعد فوزه بالمسابقة تقرر منحه سنة تفرغ للدراسة في بريطانيا.

لقد كانت خامة الخشب عموما هي المرحلة الأولى التي أدرك بها محمد بشناق موهبته كنحات، وبما أن شخصيته الفنية تقوم على الفطرة الدءوبة التي لا تقف أمام خامة، فهذا الرجل الذي تعامل مع خامات النحت المتنوعة من ” خشب، وحديد، وحجر، وفايبر جلاس.. ” أدرك الفروق بين كل خامة، لكن توفر مادة الخشب جعل منها تفاهمًا خاصًا مع الفنان بشناق الذي اعتبر نفسه قبل كل شيء نحاتًا، وأضاف: ” النشوة التي تغمرني وأنا أمارس عملي كنحات لا يعادلها شيء، وحينما لا أجد نفسي راغبًا في النحت لأسباب عدة كالتعب أو ضيق الوقت فإنني اعمد إلى الرسم “.

وقد تنوعت أعماله النحتية فيما بين البورتريه والموديل الكامل، كما أنه تميز أيضا في تجسيد العاري، فجاء أسلوبه في عرض شخصياته النحتية شديد الخصوصية.. وكثير من تماثيله تتخذ وضعًا حركيًا مثل تماثيل راقصات الباليه التي تقف في شموخ وهي تشد جسدها الممشوق في دلال أنثوي وقور.

بعد الانتهاء من منحة التفرغ العام 1967 ، عاد بشناق إلى عمله في الكويت، ليبقى بين اللوحة والطبيعة كالناسك، واكتسبت ألوانه هناك دفئا تناسل من دفء الكويت، ووضوحًا أملته شمسها القوية وظلالها الكثيفة، واكتسبت لوحاته الكلاسيكية، المنفذة بالألوان المائية فضاءات لا متناهية، حيث تبزغ أطياف الكويت القديمة، جنبا إلى جنب مع المقهى القديم، والنجار، والصقّار، والغواصين، والصيادين، والمحار، والسفينة والرجال والأسواق والزوايا المهملة من شاطئ البحر..

وأسبغ فناننا على تلك اللوحات بدرجاتها الغامقة والفاتحة ( الظل والنور )، التي تتحرك من موضع إلى موضع في نعومة بالغة، وتبزغ العناصر أو تتوارى، خلف ستارة الظل الشفيفة، وينسج بشناق بهذين الحالين تحولات شعرية آسرة ما جعل منها دررًا تؤرخ لتلك الأماكن.

في نفس العام حلت نكسة حزيران، ومعها حدث تطور مهم في رؤية بشناق التشكيلية نتيجة للنكسة وللأحداث المتشابكة الدائرة من حوله.. وتحول الفنان إلى استلهام مآسي الواقع، والتشرد، وضياع العدل، وترك لخياله أن يعمل بحرية وعفوية ليخدم الشكل في الأخير.. وهنا حاول فناننا، المتنوع، والمتنقل من تجربة إلى أخرى.. أن لا يُستدرج إلى دائرة اليأس واجترار الحزن، لذلك أقام توازنا بين جودة الرسم وصدق التعبير، وفي اعتقادي أن بشناق لا يريد أن يكون أسير مذهب، أو مرحلة محددة، أو تجربة واحدة، ولا يمكن هنا حصر عمله في مذهب معين.. لهذا نراه دائم البحث عن مفردات تناسب هاجسه الجمالي والفني والتكنيكي.. لذلك كانت التعبيرية والرمزية هما الملاذ الذي لاذ به لإحكام التوازن بين الشكل والمضمون مع استعارات ” سريالية ” للتعبير عن الواقع..

في سبعينات القرن الماضي تطورت رؤيته التعبيرية في الرسم، فقدم التكوين المدروس والبناء المتماسك، وعالج الموضوع الإنساني عبر الصياغات المتينة وتحولت عناصره إلى حالات نابضة بالتمرد والحياة.

رائد التجديد في النحت

وإذا كان قد تجاوز الكلاسيكية في الرسم، فان تجاربه في النحت لم تبق كلاسيكية كما كانت في البداية، بل تابع تطويره ليقدم نحتا حديثا بصياغات متحررة، فكان رائد التجديد النحتي الذي يعتمد على مفاهيم الحركة والحيوية، ولهذا لم تتوقف عطاءاته الفنية.. وقد مثلت ولا زالت تمثل تجاربه النحتية علامة بارزة ضمن تجارب النحت المعاصر في فلسطين والأردن والكويت، عبر التطورات التي مرت بها.

وقد توج بشناق هذه المرحلة بفوزه بميدالية فضية عن العمل النحتي الذي شارك فيه بالمعرض العام الرابع بالكويت في العام1972، وميدالية برونزية للنحت عن مشاركته في المعرض الفني الأول لجمعية المعلمين الكويتية، وميدالية برونزية للنحت عن مشاركته في المعرض الخامس بالكويت سنة 1974، والجائزة الثانية عن مشاركته بتمثال الصمود والمقاومة في معرض الكويت السادس للفنانين التشكيليين العرب.

في عقد الثمانينات اختلفت الموضوعات التي رسمها الفنان بشناق وذلك تحت تأثير الأحداث السياسية التي تلت احتلال بيروت، ومجازر صبرا وشاتيلا، والانتفاضة الأولى.. وقد طرأت بعض التعديلات على أسلوبه لتتلاءم مع الأحداث الهامة التي شغلت المواطن العربي.

ونستطيع القول بأن الفنان محمد بشناق، الذي أعطى الجوانب التعبيرية أهمية كبيرة، ركز على تصوير الإنسان الذي عانى من شتى صنوف القهر والقتل والملاحقة والخوف من المصير، وهكذا تبدلت الألوان في لوحاته.. وعكست خطوطه الجانب المأساوي كما في اللوحات التي تمثل المجازر التي ارتكبها العدو الصهيوني في كل مكان وخصوصًا مجزرة ” صبرا وشاتيلا “.

وقدم الفنان محمد بشناق، في هذه المرحلة، عشرات اللوحات بأساليب وتقنيات مختلفة.. مثلت التراث والفلكلور الفلسطيني..

كما خلدت ريشته جزءًا هامًا من قصة صراع الشعب الفلسطيني مع العدو الصهيوني، وأسطورة صموده في وجه آلة العدو العسكرية.. فرسم صمود ” المخيم الفلسطيني ” وعبر عن ” المقاتل ” و ” انتفاضة الحجارة ” و ” انتفاضة الأقصى “. ورسم مدينة ” القدس ” في عشرات اللوحات.. ولم يترك مناسبة إلا وتناولها على مسطحات لوحاته التي كانت تحمل تباشير مستقبل جديد.

كما استلهم من ذكريات طفولته وملاعب صباه في فلسطين لوحات غارقة في الألوان المبهجة والمتدفقة بمشاعر الحنين والشوق إلى المدن التي هجرها أهلها مجبرين.. ويتضح من خلال رسوماته التي تمثل المدن الفلسطينية، والمساجد، والبيوت، والشرفات، والحارات الضيقة وأسواقها التي تضج بالحياة.. أنه اعتمد كثيرًا على الذاكرة في استحضار تلك الصور التي لا يمكن أن تزول من مخيلة أهلها الذين عاشوا فيها.. وهو عندما يرسم مدينة الخليل العتيقة، وباب العمود في القدس والكرنيفة في قيسارية حيفا، وشاطئ يافا، وطولكرم، وغزة، ونابلس وباقي المدن الفلسطينية، التي مازالت ترزح تحت الاحتلال، إنما ليذكر أبناء شعبه بمدنه وأحيائه.. وهي شهادات على أن فلسطين عربية رغم المستوطنات المحيطة بها، ورغم الجدار العازل.

وحول تلك المدن التي رسمها بشناق من ذاكرته يقول: ” لا يمكن أن أنسى أي جزء شاهدته في فلسطين مهما بدا صغيرًا.. فأنا أتذكر مدينتي والمدن الأخرى كما أتذكر يومي الذي مضى لتوه “.

لقد سار الفنان محمد بشناق الذي فاز بالجائزة الثانية عن لوحة ( الصرخة ) في معرض الكويت السابع للفنانين التشكيليين العرب، والجائزة الثالثة للرسم في بينالي الإسكندرية 1984 م. في مسيرته الفنية منذ الخمسينات حتى الآن دون توقف.. وبلورت الأيام نظرته إلى أمور كثيرة مثرية وجدانه بتجارب متجددة، مثلت عالمه الخاص الذي يملك مفرداته، وأشكاله، ورموزه التي لا يمكن تقليدها، واستطاع عبر التطور الذي مرت به مسيرته الفنية، أن يعكس شخصية فنية من نوع خاص، لها أبعادها المستقلة ضمن تجارب الفنانين الكبار.

تعليق 1
  1. عصام ناصر االدين يقول

    المقال رائع ومفصل شكرا لمن ساهم بإعداده
    ولد الفنان في بلد الشيخ
    هاجر مع أهله الى بيروت عن طريق البحر من حيفا
    ثم انتقل مع العائلة الى دمشق ومنها الى مدينة الخليل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*