التشكيلية جميلة الهيب:أهدى رحلة ريشتى إلى كل امرأة

521

جميلة الهيب،فنانة فلسطينية أثبتت قدرتها على تحدى الصعاب والعراقيل إلى أن استطاعت تحقيق حلمها،هى حالة نادرة فى مجال الفن التشكيلى؛فنانة عصامية من الدرجة الأولى،اعتمدت على إرادتها وإيمانها بقدراتها وذاتها لتحقيق هدفها المنشود، تحمل تجربة غنية وشاقة فى نفس الوقت ولكنها مشرفة ،أسست لنفسها أسلوبًا خاصًا فى مجال الفن التشكيلى.أجرت صحيفة عرب 22 هذا الحوار مع الفنانة جميلة الهيب ليعرف القارئ كيف استطاعت إتخاذ القرار بالبدء من الصفر فى عالم الفن التشكيلى  .

 فى البداية نود أن نعرف من هى جميلة الهيب ؟
جميلة الهيب، من الجليل الأعلى فلسطين، أعيش الآن في كليفلاند أوهايو، تخرجت من جامعة أكرون، الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الفن التشكيلي، الفنون الجميلة .

متى بدأت الفنانة جميلة الهيب الدخول فى عالم الفن التشكيلى ؟  ومن شجعك عليه ؟
الحقيقة أننى لم أكن أمتلك  موهبة الرسم؛ لكننى كنت أعشق الفن، كنت أحاول منذ صغري أن أرسم أي شيء وكل شئ لكن لم أكن أعرف كيفية الرسم وطرقه. لم يكن من يدرس لنا  مادة  التربية الفنية لديهم الخبرة الكافية لتدريبنا؛ فقد  كانت المدرسة تقول ارسموا بدون أى توجيه ، كبرت وكبر حلمي معي أن أحمل ريشتي وألونى . لم يكن لدى ما يساعدنى على أن أمارس الرسم إلا أنها بقيت معي سنين طويلة، ثم جاء ذاك اليوم الجميل وكنت أسكن مدينة تورونتو, كندا ، ذهبت للمدرسة وبدأت الدراسة من جديد؛ كانت مدرسة ثانوية للكبار فقط كنا طلاب من جميع دول العالم منهم حامل الدكتوراه ومنهم المحامون والمهندسون وحاملوا الشهادات العليا.

بعد دخولي المدرسة حاولت أن أدرس graphic design. فدرست غرافيكا بالإضافة إلى المواد الأخرى، تخرجت بامتياز ولله الحمد،أذكر أخر يوم عند استلام الشهادة سألتني المدرسة ماذا ستفعلين الآن؟ كانت أستاذتي تشجعني وقالت يا جميلة:” يجب أن تذهبي لأحسن الجامعات لأنك طموحة ومجتهدة وسيكون لك مستقبل زاهر”،ثم قامت باحتضانى وقالت:” حققي حلمك أيتها السيدة المكافحة”  .

أخذت حلمي معي وشاءت الأقدار أن أنتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد سنين دخلت جامعة أكرون أوهايو لأكمل حلم لا أعرف ما هو بالضبط لكن أعرف بأنه متعلق بالفن، أخذت عدة دورات بالتصوير الفوتوغرافي الأبيض والأسود وكانت فرحتي لا توصف وأنا أشاهد النتائج بالتحميض، أخذت بنفس الوقت برنامج فوتوشوب وغرافيكا كان حبي له كبير خاصة أنني أعمل على ما صورته وحمضته لاوصله لشيء أكبر عشقت الأثنين معًا، لكن كان هناك شيء ما يقول لي حققي حلمك.

بدأت بدراسة الرسم ؛ أخذت جميع الدورات المتعلقة بالفن قبل أن أصل إلى الريشة والألوان وكان إجباريًا أن أدرس مواد أخرى حتى تُهيئنا لمرحلة أخرى .
في أول دورة  لى للرسم بالألوان كانت فى منتهى  الصعوبة خاصة وأنا لا أمتلك الموهبة كباقي الطلاب، في نهاية الفصل كان التقييم النهائي للبروفسور والطلاب قالوا:” بأنك كنت تعانين بهذه الدورة إلا أنك تستحقين درجة إمتياز بما حققتيه بطموحك،عندها بكيت وشعرت بأنني سأحقق حلمي الذى أحمله معى منذ الطفولة.
أذكر أن إحدى المدرسات للرسم زارتني في مرسمي وكانت فرنسية قالت لي يا جميلة:” يداك خلقت للريشة والريشة خلقت لتمزجي الألوان ابدعي أيتها المناضلة باللون” .

كان تشجيع الأساتذة الكبار مصدر إلهامي لتحقيق الحلم، بعدها استمريت بالألوان حتى انهيت جميع الدورات وكنت في نهاية كل فصل أتلقى تهنئة من عميد الجامعة على النجاح. كان الأساتذة يقولون لي سنغلق عليك الباب لكي تمزجي الألوان فقط. كنت أجبر الألوان أن تتناسق مع بعضها البعض حتى ولولم تكن  تتناسق مع بعضها فقد فرضت عليها الجبر لتعطي جمالاً؛أعرف بأن قوتي المزج.
كان عندي أساتذة مميزين وكانوا يشجعونني كثيرًا حتى أتى أحد كبار الأساتذة البروفسور المميز” مارك سوبلاند” قال لي يا جميلة:” أنت إنسانة مناضلة يجب أن تنهي دراستك الجامعية بالفن وليس بالدورات فقط”. كان كلامه لي يزيدني ثقة فقلت له:” بأن ذلك من الصعوبة فلابد أن أبدأ من جديد لأن ذلك  معناه أنني سأدرس جميع المواد من رياضيات و تاريخ و جيولوجيا ومواد أخرى كثيرة” .

قال لي:” أنت خلقت للتحدي وهنا سيبدأ مشوارك الفني”. بصراحة كنت خائفة جدًا لأن هذا يحتاج مجهودًا  كبيرًا وأنا أم وزوجة وربة منزل لكن كلامه كان بالنسبة لي دافعًا كبيرًا ،سألت أولادي وقالوا أنت تستطيعي عمل كل شيء إبدأي من الآن ونحن معك للنهاية، كانت هناك تحديات وكان هناك من يحاول أن يفشلني ويقول بأن المواضيع الأخرى ليست ألوان سهلة سوف تفشلين!

وكانت هذه بداية التحدي، بدأت الدراسة الأكاديمية بكل جد واجتهاد كنت أدرس ليل نهار حتى أثبت لنفسى قبل الأخرين أني أستطيع ، كانت كالعادة كل نهاية فصل إمتياز وتهنئة من عميد ورئيس الجامعة وكذلك وصلتني تهنئة من الكونجرس الأمريكي، أنهيت دراستي بتفوق وإمتياز. خلال هذه الفترة مررت بظروف صعبة جدًا لكن كان عندي هدف وهوتحقيق حلمي والتحدي معًا. بعد التخرج مررت بظروف أصعب ، لكن إرادتي كانت أكبر  منها وحلمي الذي احمله سيظهر للعالم أجمع وأثبت جدارتي.

 الذات الإبداعية عند الفنان هل تمحورها المدرسة التي ينتمي إليها؟
خلال دراستي لم أتأثر كثيرًا بأي مدرسة كنت أمتلك أسلوبي الخاص فقد ابتكرت مدرستي لأنني أجمع عدة مدارس بأسلوب واحد وهذا ما ميزني،كنّا ندرس التقييم للوحات خلال الدراسة، كنّا نذهب للمتاحف ونقيم أعمال أهم الفنانين العالميين مما أعطاني القدرة على نقد العمل الفني بشكل أكاديمى  .

 ماهي أول لوحة لك ؟
كانت أول لوحة لى عبارة عن زهور بألوانها الزاهية ؛ إلا أنني لم أكن راضية عن هذا الأسلوب؛ فانتقلت لابتكار أسلوب جديد حيث أدخلت مواد مختلفة مثل الرمل و التراب و العقيق أو اَي شي أجده مناسبًا ليساعدنى فى إظهار العمل الفنى بشكل جذاب؛ لهذا تميزت بهذه المواد. خلال دراستي كان لي لوحة في متحف كليفلاند أوهايو وهو من أهم أول عشر متاحف بالعالم من هنا كانت بداية أخرى لم أتوقعها.

متى تحبى أن ترسمى وهل هناك وقت محدد للرسم ؟ لماذا؟
ليس لدي وقت محدد للرسم، ممكن أي لحظه آخذ ريشتي وأبدأ بالرسم بدون تفكير مسبق المهم أن أمزج ألواني وأعبر عن إحساسي على القماش الأبيض وأزينه. سعادتي عندما أنتهي من لوحة وأبدأ مرحلة جديدة فى لوحة أخرى.

الذات الإبداعية عند الفنان هل تمحورها المدرسة التي ينتمي إليها؟
أميل أكثر للتجريدية من اَي مدرسة أخرى؛ لكن موخرًا أضفت figures لأعمالي لكنها أشكال مبهمة وملهمة تأخذ مسارًا أخر. كل فترة أنتقل من مرحلة لأخرى لأن الفنان لا يجب عليه أن يتقيد بمدرسة واحدة حتى لا يصيبه الملل واستخدام الفنان لنفس الأسلوب لا يحقق الكثير للفنان؛ لهذا أنا متجددة بأفكاري وألواني  وكل شيء أحقق به ذاتى .

 ما هى مصادر الإلهام لديك؟
لا يوجد لدي اَي مصدر معين للرسم إلا أن مخيلتي لا تتوقف عن التفكير، ربما أرى شيئًا معينًا أفكر برسمه وسرعان ما يتحول لشيء أخر يرسمه خيالي أنا أرى الأشياء بطريقتي الخاصة؛وهذا ليس سهلاً ومن هنا يكون التشكيل وليس النسخ.

 كيف تقيّمى الحركة الفنية التشكيلية في فلسطين؟
أرى الفن في فلسطين على قدم وساق خاصة في غزة من كثرة الحصار بدأ الفن يزدهر ويضاهي أهم فناني العالم أتمنى أن تتاح لهم الفرصة للمشاركات خارج الوطن،هناك أيضًا حركة فنية في جميع الميادين في فلسطين وأعمال فائقة الروعة خاصة أنها بلاد الديانات ومناخها يساعد على الإبداع، خلال زياراتي للعالم العربي أرى الفن متقدم جدًا ويوجد حركات فنية بجميع المدارس،إلا أن هناك خوف كبير من المتطفلين على الفن خاصة من يستنسخ الأعمال أو يسرق الأفكار وهناك من يطلب من فنانين كبار الرسم وشراء اللوحات وهم يتوقعونها ويدونونها باسمائهم هذه مصيبة كبرى للفن والفنانين. خاصة الفنانين الذين درسوا أكاديميًا حتى حصلوا على الشهادة وبالنهاية المتطفلون يتنافسون مع الأكاديميين .

 ما هي مشاركتك في هذا الميدان على مستوى الفن التشكيلي؟
بعد تخرجي بسنة أقمت معرضي الأول بمدينة، أكرون أوهايو، كانت أول انطلاقة لي بالفن. بعدها تلقيت دعوة من الجزائر الشقيق وشاركت بمناسبة 8 مايو بمدينة سطيف. من هناك بدأت أتعرف على فنانين عرب. تلقيت عدة  دعوات  للمشاركة الفنية منها فلسطين، أسطنبول تركيا، إيطاليا، لبنان، المغرب، هولندا، ميشيغن، فلوريدا، كليفلاند، نيويورك وكندا.

بدأت أنظم معارض دولية بعد مشاركتي بعدة معارض وقد طلب عدد من الفنانين العرب بأن أعرض لهم أعمالهم في أمريكا. من هنا بدأت أفكر كيف أحقق الأهداف وتشاورت مع الأخ والصديق الفنان المحاضر الأستاذ ماجد مقداد، من غزة والذى له فضل كبير لمسيرتى الفنية من البداية. أقمت أول معرض جماعي باسم ” الوجه الأخر” وشارك ما يقارب مائه فنان من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منهم من أرسل أعماله ومنهم من حضر بعد أن وجهت لهم الدعوات الرسمية من بلدية أكرون أوهايو الولايات المتحدة. بعدها بأسبوع نظمت معرض أخر في مانهاتن نيويورك شارك فيه تقريبا ستون فنانًا.

سنه 2016 حضرت معرضًا ثالثًا في مدينة تورونتو بكندا، شارك فيه  حوالى 70 فنانًا أرسلوا أعمالهم وبدوري مثلتهم وأقمت معرضًا رائعًا.
سنة 2017 أقمت معرضًا في مدينه كليفلاند أوهايو برعاية الجالية العربية ورئيسها السيد بيير بيجاني. حضر فنانين من عدة دول عربية اشتركوا بأعمالهم وبدوري مثلت باقي الفنانين الذين لم يحضروا. بعد النجاح الكبير للمعارض بدأ ” الوجه الاخر ” يأخذ صدى وبتشجيع من عدة زملاء بأن أسجله رسميًا، قدمت طلبًا لتسجيل الجمعية ولله الحمد وافقوا عليها من جميع الجهات الرسمية الأمريكيه. حاليًا أنا رئيسـة جمعيّـة “الوجه الآخر” The Other Face المسجّلة في أمريكـا والتي تُعنـى بالفـن البصـري Visual Art .

بعد المعارض الدوليّة التي نظمتها في الولايات المتّحدة وكنـدا أسعى لبنـاء جسر ثقافـي بين القارّة الأميركيّة ودول العالم بإشراك فنّانيـن من الشرق الأوسط ، أفريقيـا ، أوروبا والأمريكتين. أطلقت عليه تسمية “الوجـه الآخـر”The Other Face لأني أردت أن أظهر الفـنّ الراقـي والوجه الثقافي و الحضاري لشعوب الشرق الأوسط والذي يحاكي الإنسان والإنسانيّة،عرض لي لوحات مؤسسة Gar Foundation ، ولدي معارض فردية وجماعيّة في أميركا وكندا . حاليا زرت المغرب لمدة أربعة شهور خلال شهرين ونصف أنجزت 30 لوحة لمعرض خاص  معـرض “تجلّيـات إمـرأة” عرض في الدار البيضاء بتاريخ 8 مارس حتى 25 مارس. لوحاتي في “تجلّيات إمرأة” تعبّر عن معاناة المرأة في الحياة وكيفية تأقلمها وتحدّيها للمصاعب دون استسلام لأي ظرف .

تحكي عن نهوض المرأة المستمر من الكبوات والإحباطات للسير في شموخ وعزّة فوق الجراح وفي طريق الإيمان والأمل المتجدّد والطموح الدائم الى الأعلى لبلوغ الفرح الكوني الإنسانيّ العارم .
في لوحاتي أرسم المرأة التي تتحدّى الحياة لتثبت نفسها أولاً ثم تؤكّد للعالم أنّها قادرة على كل شيء دون معونة من أحد وبأنّها تستطيع النجاح وتستحقّه .

ولأني أرسم الجمال، تظهر المرأة في لوحاتي بجمالها وزينتها رغم أنّي تعمّدتُ أن لا أظهر ملامحها تعبيرًا عن غموض وعمق أسارير النّساء. في بعض اللوحات تظهر المرأة سائرة الى الأمام لتحقيق أهدافها تعبيرًا عن استمرارها بالعطاء رغم طول الطريق ومشاقها. وفي بعضها الآخر أرسمها واقفة ، ثابتة بشموخ وصامدة بتحدٍّ. “تجلّيات إمرأة” هو دعوة لكل امرأة، أمّ، أخـتٍ، صديقة، زوجة، حبيبة لمواجهة الحياة بكل تجلّياتها وبما يسكنها من شجاعة ومحبّة. أهدي رحلةَ ريشتي .

ما هى مشاريعك القادمة فى عالم الفن التشكيلى ؟
خلال هذه الأيام أستعد  للمشاركة بعدة ورشات عمل فنية بالمغرب، نظمت معرضًا بالسفارة الفلسطينية بالرباط مع أخوة فنانين من فلسطين، الجزائر، لبنان والمغرب. المسيرة مستمرة هناك عدة معارض قادمة بولايات مختلفة وأنتقل بعدها على عدة دول بالعالم بإذن الله.

 أخيرا كلمة لمحبى الفن التشكيلى فى الوطن العربى
هدفي أن أحقق أحلام الكثير من فنانينا لنشر الفن بأوسع نطاق على مستوى العالم. بدوري أشكر كل من ساندني من قريب أو بعيد…وأهدي أعمالي لمحبي الفن والجمال وكل من يحاكي الإنسان والإنسانية. جميله الهيب

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*