التشكيلية المغربية زهرة زيراوي: تأمـلات في المـرأة وصورتهـا

4٬124

غازي انعـيـم

تعد الفنانة التشكيلية والشاعرة والقاصة والأديبة المغربية (زهرة زيراوي) التي تفهمت لغة الشكل ومدلولاته وأكدت ذاتها وتفردها عن الآخرين عندما كشفت عن موهبتها وهويتها التشكيلية في بداية تسعينات القرن الماضي، من الفنانات اللاتي تميزن ببصمة تشكيلية وأدبية، مما جعلها تقف باسقة في صفوف الكتاب والفنانين والفنانات بثقة وجدارة في مدينة الدار البيضاء بشكل خاص والمغرب بشكل عام.

وقد علّمت الفنانة (زهرة زيراوي) المولودة في الدار البيضاء عام 1940 نفسها بطريقة ذاتية منذ مراحل الطفولة الأولى عندما جذبتها الألوان المائية لعالم الفن التشكيلي لتأخذه كهواية جادة، وفي مطلع عام 1990 استعانت بدروس في الفن، وتتلمذت على يد الفنان العراقي (أحمد عباس) الذي كان ينظم دورات للفن في بيته بالمغرب، وتعلمت منه الخط واللون والتقنيات.

في هذه المرحلة نمت الفنانة (زيراوي) موهبتها وراحت تجرب على الخامات والأسطح كي تحصل على وسائط جديدة تعاونها في التعبير الفني وشحن لوحاتها بالإحساس الإنساني لكي تصل من خلال فرشاتها إلى قلوب المشاهدين.

بعد ذلك نقلت نشاطها الأدبي والتشكيلي من المغرب إلى بروكسيل، وأثناء إقامتها كانت مواظبة على حضور المحاضرات النظرية والعملية لكبار الأساتذة في الأكاديمية الملكية للفنون، وفيها تعرفت إلى مجموعة من الطلاب الذين كانوا يدرسون الفن، هذه الزيارات أتاحت لها بأن تطلع على تاريخ الفن وعلى عالم الألوان وكيفية التعامل معها.

كانت الفنانة (زهرة زيراوي) في هذه المرحلة تعمل على تشكيل لغتها الخاصة في الخط، واللون والتكوين.. وحققت خطوة مهمة في تاريخها الفني عندما بدأت تعرض أعمالها الفنية في إيطاليا وفينا وبروكسل. هذه الأعمال الفنية تقوم فلسفتها على موضوع الحلم والعلاقات الإنسانية والتفاؤل والحرية كأداة تعبيرية لما هو غير متحقق على أرض الواقع.

الكشف عن واقع الإنسان

الأسلوب الذي اتبعته الفنانة خلال مسيرتها الفنية يبقى شديد الارتباط بالتعبيرية الواقعية التي تعتمد على التقاليد الأكاديمية وتحويراتها، فمن خلال رسوماتها تظهر براعة الفنانة في التلاعب بالمشخصات والتكوينات حيث تعمل الألوان على أغناء العمل الفني وتجعله أكثر تعبيرًا عن المشكلات المحيطة بنا.

الكشف عن عذابات المرأة

إجمالاً تبدأ تجربة (زهرة زيراوي) من الكشف عن واقع الإنسان وعذاباته وبشكل خاص واقع المرأة العربية وعذاباتها.. والظلم الاجتماعي الذي تعاني منه في مجتمعاتنا، وهو الموضوع الذي يتكرر في مراحل الفنانة المختلفة، حيث تظهر المرأة وهي تتسيد مسطحات لوحاتها، مقهورةً ومنتصرةً على حدٍ سواء، وبهذه اللغة تحاول الفنانة (زيراوي) أن ترسي لغة تشكيلية مختلفة عمن سبقوها في الساحة التشكيلية المغربية، أو على الأقل هي مطالبة بأن تقدم لنا مشروع نص تشكيلي لا يتقاطع مع التجارب السائدة إلا لتتجاوزها، وقد نجحت (زيراوي) في ذلك، وهي تعترف بأنها لا ترسم النساء المعذبات بشكل دائم، وقد تكون المرأة عندها ” هي الحروب وهي السياسة، وقد تكون هي الفن والمحبة كما في لوحة المرأة القيثارة، وقد تكون هي التعبير عن الجمال كما في لوحة النائمة “. هذا الاعتراف المباشر يقودنا إلى أصالة هذه الفنانة، والى جرأتها.

(زهرة زيراوي) إنسانة وفنانة، حساسة وصادقة، تحاول، من خلال مضمون لوحاتها التعبير عن موقفها اتجاه عالم المرأة العربية الداخلي، وتحريك مشاعرنا وأحاسيسنا لعمل شيء إيجابي ليس للمرأة فقط، وإنما لنساء العالم، ومستقبل البشرية، والإنسانية بوجه عام، أي التحذير من الإساءة للمرأة والدعوة لإيقافها نهائيًا، وهنا نقلت الفنانة إطار موضوع لوحاتها من المحلية إلى العالمية عبر هذا المضمون.. أي نقله من الحالة الخاصة إلى الحالة العامة من خلال تصوير المرأة وهي منهمكة في تفاصيل حياتها اليومية، وحاولت من خلال اللقطات المختلفة التعبير عن وجوه النساء وعكس حالة الوجوم والشرود بسبب حجم المسؤولية والأعباء الملقاة على عاتقها، وبدا على البعض الآخر نوع من الرومانسية ونظرة حالمة.. فيها حميمية ودفء، عكسته ألوانها القوية ليؤثر في كل إنسان على وجه البصيرة، فموضوع الإساءة للمرأة الذي تتركه يمس كل إنسان.

والمدقق في لوحاتها يلاحظ أن مجملها يعبر عن المرأة من الناحية السيكولوجية، وعلاقتها بنفسها من الناحية الجمالية والفنية، وعلاقتها بكل شيء حولها… فالمرأة في اعتقادها هي التي تصنع التوازن في الحياة، لأن الرجل والمرأة مكملان لبعضهما . وهذا واضح في سلسلة لوحاتها عن المرأة، والمدقق فيها يلاحظ تنوع الإيقاع من خلال كل عملٍ فنيٍ، حيث لم تخرج الفنانة عن معالجة جسم المرأة بأوضاعه وحركاته المختلفة وتعبيراته الحالمة ومشكلاتها الحياتية، فهي ترسمه بلا قيود أو رتوش، وبطريقة تشريحية جريئة.

وجوه تحمل البراءة وقوة التعبير

أخذت وجوه الفنانة (زيراوي) بتعبيراتها المختلفة دور البطولة على مسطحات لوحاتها، واستطاعت أن تترجم من خلال عنصر الوجه بعض الأحاسيس الإنسانية، لأن الوجه مرآة النفس ومفتاح الشخصية. ومن الواضح أنّ لوحاتها المتمثلة بالوجوه تحمل البراءة وقوة التعبير إلى جانب فلسفة الفنانة الخاصة.

هذه الأعمال الفنية لها مدركات متعددة، قد يكون لها بعداً إنسانيًا، أو عاطفيًا، أو نفسيًا أو أي شيءٍ آخر أكثر من أن يكون تواجدٍ أنسانيٍ في كيان العمل الفني. فمثلاً الشجرة التي يتفيأ بظلالها كل من المرأة والرجل لها أبعاد ودلالات أكبر من الشكل السطحي للموضوع، كما أن الشجرة بكثافة ورقها الأخضر وبسكونها تشعرنا بحالة من الحوار السري بين آدم وحواء وكأنَّ الشجرة التي تمثل الحياة والخصب والنماء والتجدد هي سرُّ المرأة. هذه اللوحة التي رسمتها الفنانة بحساسية مرهفة تعبر عما يجيش في صدرها من أحاسيس صادقةٍ تجاه ما تراه في الحياة من حركةٍ دائبةٍ ومتغيرةٍ.. والفنانة هنا محكومة ببيئتها، ونفسيتها، حيث تقول: ” مساحات القلق لا تملأها عندي اللغة وحدها… هناك أشياء في الذاكرة… في الماضي… في الراهن… لا تستطيع كل لغتي استرجاعها وبنفس القوة “.

وإذا كان بول كلي قال: ” أنا واللون شيء واحد ” أما هي فتقول: ” أنا واللغة واللون شيء واحد “.

الالتزام بالقضايا القومية

لم تقف الفنانة (زيراوي) عند موضوع المرأة، بل قامت بالتعبير عن موقفها الملتزم بالقضية القومية عندما تناولت على مسطحات أعمالها الفنية.. العدوان على غزة واستشهاد الطفل الدرة، وهذه الأعمال ما هي إلا سلسلة من الإدانات الصارخة لممارسات الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني، حيث قدمت الفنانة (زيراوي) من خلال هذه الأعمال الفنية المعنى المرتبط بالموقف الفكريِّ، الموقف الملتزم بالقضايا الوطنية والقومية، كما قدمت فكرة التمجيد الدائم للإنسان وحريته ورفضًا للظلم، من هنا يأخذ الرمز في أعمالها الفنية بعدًا لصالح رؤيتها الواقعية في خلق عالم جديد.

وهذا كله يؤكد لنا أنَّ الفنانة (زهرة زيراوي) رغم شاعريتها، وموضوعاتها الإنسانية، تربط بين فنها ومعاناتها، سواءَ كان ذلك الموقف علاقةً إنسانيةً أو تعاطفًا مع آخر. وهي هنا تقدم لغةً تشكيليةً لها خصوصيتُها، وتفردُها، ولها جوانبُها الخاصة المرتبطة بالواقع وبالحدث.

المهم في تجربة الفنانة (زيراوي)، التي رحلت في 23 / 10 / 2017 هو قدرتها على إظهار محبتها للناس بأسلوبٍ يتصف بالبساطة وسلاسةٍ في التناول، كما لعبت ثقافتها دورًا مهمًا في مجال انتقاء الجوهر بمقدرةٍ تعبيريةٍ واقعيةٍ هامسةٍ عندما رسمت النائمات والنائمين، والحالمات والحالمين..

كما أنها عبرت من خلال عناصر لوحاتها عن قليلٍ من الغضب وكثيرٍ من الحب، وهذه الثقافة تتوازى مع معرفتها بالواقع وتداعياته، وهي تسير بخطواتٍ جادةٍ ودائمًا تأخذنا إلى شواطئ جديدةٍ في الشعر والقصة والتشكيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*