الإبداع النحتى فى معرض مشترك لرواء الدجوى و تامر رجب 

2٬441

النحت هو الحياة مجسمة ، جميلة ، مباشرة قريبة إلى القلب والعقل. النحت هو الإبداع الفنى فى أعلى صوره ، تقف أمام العمل النحتى وكأنك تقف أمام عدة لوحات فلكل زاوية لقطة ولكل إطلالة ضوء على أجزاء المنحوتة معني تستشفه وتظل تقلبه فى رأسك ثم تدور حول المنحوته في محاولة قراءة ماتخزنه من معان ولكن هيهات لك ذلك ، إنه الفن متعدد الرؤى ومتعدد المعانى. النحت هو معزوفة موسيقية خاصة سرها يكمن فى الكتلة وتفاعلاتها مع المحيط الذى يلف حولها ، تفاعلاتها مع الظل والضوء ، تفاعلاتها مع الفراغ وتفاعلاتها مع طبيعة المادة التى نحتت منها وفى خاتمة المطاف طبيعتها مع الفكرة التي يحاول الفنان إيصالها إلى المتلقين للعمل الفنى. تذكرت كل هذه المعانى وأنا أطوف بأرجاء المعرض النحتي المشترك لكل من الفنانة “رواء الدجوى” والفنان “تامر رجب” الفنانان يعزفان لغة خاصة فى هذا المعرض ذى الاسم الخاص “Non-dualism”  بمعنى الاتفاق أو لا انقسام ، وذلك في قاعة Art Talks آرت تووكس بالزمالك في معرض تم افتتاحه بالأمس وحتي  18 أبريل 2019.

تتواشج أعمال كل من الفنانة “رواء الدجوى” والفنان ” تامر رجب” في الحركة التي تمور بها المنحوتات ، حيث نجد ذلك التلاقي بينهما في الحركة وكأنك تحس بالمنحوتة تحادثك وتخبرك كيف جاءت إلى هذا العالم و كيف عانت ولاتزال تعاني وتظل تصمت في خشوع و تبتل أمام المنحوتة وتظل تتأمل أطياف المعاني أمامك تبثها الحركة التي تمور داخل كل قطعة نحتية . أمر ثان نجده بين الفنانين هو تفاعل الجسم البشرى مع المحيط أوالفراغ المحيط به، نرى ذلك فى توتر نلحظه في خطوط العمل الفنى وزواياه وأركانها ، لقد جاء شقى المعرض ليكونا منظومة واحدة متآلفة وقوية ومعبرة في الوقت ذاته. الأمر الثالث والأخير الذي يتواشج فيه شقى المعرض هو تفاعل المنحوتات مع موضوعات معاصرة نجدها في توتراتنا اليومية وكأن المنحوتات جاءت لتخبرنا أنها معنا تعانى كما نعانى وتتألم كم نتألم وتنشد الحرية من ربقة حياة ضاغطة .

يقابلنا حينما ندخل إلى صالة العرض ركن الفنانة المبدعة “رواء الدجوي ” حيث العديد من المنحوتات التى تعكس عدة جوانب ذات خصوصية ، نري التعامل مع المرأة في توحدها وفى جمالها وفي انسيابية ورشاقة حركات جسمها التعبيرية ونرى في الوقت ذاته تتوع الحركة وزخمها فى أرجاء المنحوتة وحولها وثالثا نرى جمال المعني الذى تتفاعل وفقا له المنحوتة مع باقى أعمال المعرض وكأننا هنا فى معزوفة موسيقية لها أجزاؤها وتصاعداتها ، فنقف ونغمض العينين ونلف فى المكان وفى الخيال معا ، إنها روعة النحت تتبدى أمامنا وكأننا أمام إحدي تماثيل عصر النهضة فى إيطاليا تطل علينا برونقها الخالد وببهائها الدائم.

فى منحوتة “إلي الحرية” تأمل معى طيران المرأة وكأنها تعزف سيمفونية وتغريدة الحرية وفي الوقت ذاته تتخذ من الشريط الذى تمسكه فى يدها ويتفاعل مع حركاتها سيمفونية أخرى تضفى على المنحوتة رونقا خاصا نرى فيه مركز الثقل وفى الوقت ذاته ارتعاشة نشوى السعى وراء الحرية يزيد من ذلك نوعية خام المنحوتة وقساوتها الأمر الذى يعكس لنا رهافة ودقة مبدعة هذا العمل وكأنى بها تقول لنا إن شاعرية المعنى تخرج من بين أصابعى موسيقى تعزفها منحوتاتى .في هذه المنحوتة نرى معنى خفيا يتمثل فى رشاقة جسم شخصية العمل الأمر الذى نلمح فيه سعى الفنانة لوضع النموذج لشكل المرأة وبنيانها أو وضع النموذج المتحذى.

فى العمل الثانى “تباعد” أو “انفصال” نتأمله ونضحك ونظل نلف حول المنحوتة التي تحكى القصة الخالدة من غضب المرأة من رجلها أومحبوبها فى ترابط أصل واحد يجمعهما كما أوضحت لى مبدعة العمل ألا وهو الحب نجد في حركات الرجل والمرأة وتباعدهما غضبا لن يلبث أن يزول ونضحك في أعماقنا ونحن نجد أنفسنا فى هذه المنحوتة المفعمة بالحياة وبالمعنى. ويتضافر لونها الضارب للون الأخضر فى التأكيد علي النماء للحب وإن تعقدت الظروف وحالت الحوائل.

فى العمل الثالث من أعمال الفنانة المبدعة “رواء الدجوي”  “حياة” ، نرى نماء من نوع ما ، فإن انسيابية خطوط جسم المنحوتة نفسها وحركة يديها وجسدها يعطيان لنا الانطباع بأن الحياة فى الرشاقة والجمال والبهاء ونرى حركة اليدين كشراع المركب الذى يقودنا نحو ذرى الفن الخالص ، إن حركة هاتين اليدين معزوفة خاصة لها ترانيمها التى تأخذ من العلو جلاله وتهديه إلينا وننظر ونعيد النظر نستقطر من المنحوتة معان عديدة حتي تدب فى قلوبنا حياة أخرى حياة تعلو علي حياتنا الدنيا إنها حياة ذات طباع إثيري جميل تأخذنا إلى عالم الفن الجميل.

تتفاعل المعانى داخل المنحوتات الأخرى والتي نرى فيها المرأة والحرية والحركة أيقونات ثلاثة تلف وتدور فى دوامات من البهاء والروعة تتوازى معها الخامات التى اختارتها فنانتنا القديرة من البرونز والبوليستر وهى الحاصلة على درجة الدكتوراه فى النحت.

إذا دخلنا إلى قاعة العرض فى شقها الثانى سنجد منحوتات أخرى رائعة أبدعتها يد الفنان “تامر رجب”وقد قال لى فى حوارى معه حول أعماله “ما بين كثير من الأفكار أجد نفسى مهتمًا بالأشياء التي تبعث على الحركة وأثرها،فالرياح وقوتها تؤثر في كل ما تقابله وتغير من ملامحه وصفاته الشكلية،وهنا يبدأ تفكيرى وتبدأ التجربة من خلال التأمل في حركة الرياح وتأثيرها على عملى النحتى،ومع البدء في تنفيذ العمل النحتى تظهر تلك التأثيرات،ولا أجد غير أن يكون العمل في حالة صراع مع تلك الرياح،إما أن يقف صامدًا أمامها متأثرًا بها،أو تجعله أسيرا لحركتها تحركه كما تشاء مهما كان حجمه وقوته في صورة تشكيلية معاصرة تخرج عن نطاق المألوف،معتمدًا في ذلك على ارتكاز التمثال على نقاط محددة تؤكد حالة الطيران،ومن خلال تأكيد حركة المستويات وتنقلها بطريقة إنسيابية؛لتؤكد حالة الصراع مع تلك القوة الغير مرئية،مستخدمًا ما في الطبيعة إما الإنسان وما يصدر عنه من تعبيرات مختلفة مضافًا إليها حالته الانفعالية،وذلك من خلال البورتريه،أو مستخدمًا الطائر ووقوفه أمام تلك الرياح وقدرتها على التأثير فيه على الرغم من ثباته أمامها،أو مستخدمًا تكوينات مجردة مستخدمًا الخامات المختلفة ما بين البرونز والرخام والجرانيت؛لتضيف كل خامة تأثيرا إضافيًا على الرؤية البصرية للتمثال”.

هنا نرى عزف الحركة أكثر ونجد كذلك تنويعات على معان أخرى ونتوقف أمام بعض نماذج هذا المعرض نتجاوب معها ونسمع همسها ونلمس الحركة الدائرة داخلها .
نرى في المنحوتات نظرة إلى شيء سامق نحسه وندور معه ، نرى فيها تلك النظرة الصامتة الصارخة أحيانا والتي تمور داخلها معانى مقاومة ما مع ماتعزفه الريح حولها. نرى الكتلة تمتد وتستطيل ويملأها تناغم  نحسه وندركه فى فراغات الكتلة وفى شكلها المصمت.
يعزف الفنان المبدع كذلك على اللون ، نرى اللون في المنحوتات يعكس بالتة ذات خصوصية نقف أمامها ، حيث نرى في التمثال الأزرق اللون الضراعة لشيء ما ونلمس عزف الريح في جنباته ونجد كذلك اللون الفضي الطقوسى وإحدى درجاته ونرى كذلك اللون الرمادى وكأننا فى معزوفة ألوان المنحوتات نرى فيها زخم معانيها وظلال ماتعانى منه وتمر به يزيد من ذلك تأثير الحركة.

ونلمح فى المنحوتات كذلك لغة خاصة للمقاومة ومناهضة شيء ما ولعل الفنان يريد أن يقول لنا بأن نتجلد وأن الشدة ستزول وأن لكل حالة نهاية وذلك بدفعنا للدخول فى هذه الحالة حيث نعاين ترديداتها ونسمع خفقاتها فنتوقف أملا فى فك اللغز فنرى ملامح الوجوه فى المنحوتات تأخذنا لبعد ثالث من المعانى. كذلك نلمح في المنحوتات إنسيابية الحركة ورشاقة التكوين وكأن كل منحوتة تحكي لنا قصتها التي نسمعها وننصت لها ونحن نراها ، فنحن نسمعها بعيوننا ونراها بآذاننا فى تجربة جمالية ذات أثر.

تنتهى جولتى في معرض ” لا انقسام ” لكل من الفنانة المبدعة ” رواء الدجوى” والفنان الرائع “تامر رجب” حيث تلاقت فى منحوتاتهما الحركة مع التوازن الداخلى والتفاعل مع الفراغ في تفاعل ضاف وعلي نحو جاذب ومؤثر، فكل الشكر للمبدعين على إضافتهما لعالم النحت وعالم الفن التشكيلى الجميل .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*