الأنثى المؤلهة في رسومات التشكيلية الليبية ريم المنير

15/4/2021

0

رياض إبراهيم الدليمي

من عمق الألم يولد الأمل، ويشع الفرح أنوارًا وأنجمًا تتلألأ في سماوات لوحات التشكيلية الليبية ( ريم المنير ) ومن بين ركام الحروب والأزمات والخوف والتشظي وصراع الهوية ينبعث الجمال بوصفه فنًا ورسالة وإثبات وجود وديمومة حياتية ودينامية عجلة التاريخ لتمضي وتتسارع الخطى لتلحق بالزمن والإيقاع السريع لعجلة التقدم العالمية التي تتلاطم أمواجها واختراعاتها وابتكاراتها دون هوادة، وبالوقت الذي تخوض به عدد من الدول العربية صراعًا وجوديًا وهوياتيًا بفعل الحروب والصراعات من بينها السلطوية أو صراع الهوية والاجتماعية وفق التحولات الثورية على واقع راهن عاشته هذه الدول وشعوبها التي حكمته وجثت على صدوره أنظمة شمولية لم تكن الحريات إلا هامشًا ولم تكن الثقافة والإبداع والتنمية إلا شكلا ديكوريًا  يزين سلطاتها .الحركة التشكيلية الليبية لم تكن بعيدة عن هذا التهميش وعدم المبالاة طيلة عقود مسنين مضت حالها كحال الحركات الفنية في المجتمعات والدول العربية التي ترضخ تحت هذه الأيدولوجيات، إلا أنه مع ما ذكرناه هناك محاولات جادة ربما تكون فردية أو فئوية استطاعت أن تكسر هذا النسق الثقافي السائد لتواكب حركات الفن في الشرق والغرب، تركت بصمات فنية حقيقية في المشهد الفني الليبي، وبدأت منذ مطلع ستينيات القرن الماضي عدد من  المؤسسات والروابط  والجمعيات الفنية  التي تجمع بين التشكيل والمسرح وباقي الفنون الأخرى.ويمكن أن نشير اليها وبنظرة عاجلة إلى البعض منها (تأسس نادي الرسامين سنة 1960على يد مجموعة من الهواة ومحبي هذا الفن وكان مقره مغمورًا بإحدى الفرق المسرحية سرعان ما تركوه لمجموعة من الشباب من الجيل الجديد الذين تألقوا في المعارض المدرسية والمهرجانات الشبابية، منهم علي العباني، أحمد المرابط، محمد الحاراتي، خليفة التونسي، محمد الساعدي، يوسف القنصل، فتحي الخراز والصيد الفيتوري كانوا أعضاء في إدارة النادي، وكان يتردد على النادي مجموعة من الهواة منهم أحمد أبو صوة، مفتاح أبو طلاق، أحمد التركي، عبد القادر المغربي، علي عامر، عمر سويدان، بالإضافة إلى مجموعة من الشباب محبي هذا الفن وقد قاموا جميعا رغم الإمكانيات المتواضعة لعدة نشاطات جماعية ومعارض بجناح خاص بمعرض طرابلس الدولي سنويًا وأقاموا معرضًا بنادي الهلال بمدينة بنغازي.أقام الفنان الطاهر المغربي قبل أن يوفد للدراسة مع الفنان محمد عزو والفنان الأمين المرغني؛ أقاموا بمدينة طرابلس المعرض الليبي الأول. أسس الفنان على سعيد قانة قسم الفنون التشكيلية بالجامعة بمدينة طرابلس وأسهم في تخريج العديد من الفنانين سواء بقسم الفنون أو العمارة وكانت له إسهامات جادة بنادي الرسامين  ).خاض الفن التشكيلي الليبي مراحلا  بالتجريب لأساليب وآليات اشتغالاته وأدواته الفنية كأي حركة تشكيلية أخرى، وربما ما زال التجريب حاضرًا لدى العدد الكبير من الفنانين الليبيين ولهم أسبابهم ورؤاهم، وكذلك لابد من القول أن كثيرًا منهم أيضًا غادر مرحلة التجريب إلى مرحلة الاستقرار الأسلوبي المذهبي التشكيلي ليخط له اسلوبًا خاصًا به .اتسمت لوحات ( ريم المنير )  بالمحاولات التجريبية منذ خطواتها الأولى في هذا العالم الجمالي لكي تكتسب ثقافتها وتنصّع موهبتها وتصقلها بالتجريب الأدواتي والأسلوبي، وهذا أمر طبيعي لأي فنان موهوب لاكتشاف قدراته وكوامنه ليعيد تشكليها بالشكل الابداعي وليحقق معرفة أكاديمية وتقنية وثقافية في الحقل المعرفي الفني الذي يرمي الوصول إليه ويطمح أن يحقق ذاته الإبداعية وهويته الفنية، والحديث عن تجربة ( ريم ) التي بدأت خطواتها البكر من مشروع بحثها سنة 2008 الذي مكّنها على ضوئه من التخرج من  أكاديمية الفنون الجميلة بعد أن اكتسبت معرفتها وعلومها وصقلت مهارتها ، وازدادت ثقافتها واتسع  اطلاعها على تاريخ وفلسفة الفن وطرقه ومدارسه لكي تضع خطوتها وتشكل لحظة انطلاق حقيقية لها ولتكشف موهبتها ولتتخذ من الفن معرفة وإبداعا وليس فطرة .لوحات الليبية ( ريم ) عبارة عن مساحات لونية زاهية اذ تحاول أن تخلق من لوحاتها مادة ناطقة بجمال المرأة وذاتيها فتجعلها آلهة مقدسة في تكوينها الأنثوي الوظيفي أو من خلال وجودها وكيانها على سطح هذا الوجود، فاللوحة لديها هى ثمة أنثى اتسمت مفاتنها وملامحها وتكوينها  بالسمو الجمالي الإلهي فزينت عنقها ووجها وصدرها بألوان وظلال وبؤر اشعاع فضي وذهبي وحولت جسدها مزارًا ومقامًا تحج إليه الورود والفراشات وتداعبه شمس الصباح ودفئها فتزيده نورًا وبهاء وتجليّا فتغدو هذه الطلة البهية منبعًا للإشراق بألوانها الحادة والبراقة فيطوق عنقها وصدرها ملمس الورد وأطواق الزيتون والخضرة وكأن الطبيعة تغار من فتنها وأنوثتها فتحاول مشاكسة ألقها الأنثوي وفيضها الروحي فتضيف اليه من وهجها.وبنظرة أولى على لوحاتها سيشعر المشاهد بعناصر الجمال والتأله هذه دون عنوة، فتترك أثرها على ذات المتلقي وتشدُها اليه وتبهره ولا يمكن أن يحيد النظر عنها وتجبله أن يسرح ويمرح في حدائق هذا الجمال اللوني والشكلي، وينتج عن هذا التلاقي علاقة إيجابية فهي تسرق نظره ويسترق قلبه لها بعفوية دون عناء مما تحرك فيه الأحاسيس والمشاعر وفيضهما وتبقيه يلف ويحوم في فلك جمال لوحاتها، وهنا الحديث عن أكتر من لوحة جسدت فيها موضوعاتها ومثال على ذلك  نراه في  لوحات ( أمنيات ونور الطبيعة  وآدم وحواء ).بألوان الباستيل الطباشرية وأقلام التظيل والحبر وبخامة الورق والقماش تحاول الفنانة ( ريم ) أن تصنع لوحاتها التعبيرية والتي تجعل من ثيمة الألم المكنون في ذات المرأة  منابع تشكيل فني جمالي فتحوله إلى لحظة استعادة الروح فتصرخ لتفك نفسها من القيود الذي رمزت إليه بالحبل الملفوف على جسدها فهي تعبر عن وجودها رغم هذه الأغلال الاجتماعية والتأريخية، فتصور الألم والوجع بألوان فضية وحركات تعبيرية لليد والوجه للدلالة على أن هذه القيود سوف تنجلي ولن يطول مكوثها على رقبة المرأة لأن بجمالها الفضي النقي وبجمال فكرها وصبرها ستنقشع وتزال وتكسر كل هذه السلاسل وتطلق صرختها وكلمتها رافضة سياسة تكميم الأفواه وتقييد الفكر، لذا تجد أعمالها التي جسدتها بتقنيات فنية مختلفة ما بين الرسم على الورق من تخطيطات بأقلام الحبر السوداء والملونة وبألوان الزيت على مختلف الخامات وبأعمال شتى منها ( لوحة نساء وصرخة أنثى وزمن الكورونا وصبر امرأة  وتحدي وعناق الشمس وخلجات نساء ).بالإضافة لما سبق أنتجت مجموعة فنية رقمية تحت عنوان ( كرامتي ) فهى تؤكد في جل تشكيلاتها هذه على قضايا المرأة ومقاربة آلامها وهمومها وطموحاتها وأحلامها بأعمال فنية جديرة بالاهتمام والدراسة والتمعن فيها، وتقارب في هذه الأعمال علاقة المرأة بشريكها الرجل وعلاقة المرأة بالوجود وانتزاع حقوقها في البناء والتنمية وصناعة مجدها وألقها وإبداعها في الوجود المحتدم الذي يحاول أن يهمشها ويجلسها على دكة الانتظار كمتفرجة لا منتجة كما نشاهد ذلك في لوحتها ( تآكل جسد ) الذي صورته على أنه جسد مبتور ومتآكل وفي لوحة أخرى ( قلب نازف ) – وهي توظف الأسلوب الرمزي والوحشي والتجريدي في هذه الأعمال وتتقنها بحرفية –  لذا سيدرك المتلقي حجم الألم والكبت الذي يعتصر قلب وروح هذه الأنثى الآلهة كما تطمح أن تكون أو كما صورتها لنا الحضارات القديمة كحضارة وادي الرافدين ووادي النيل وباقي الحضارات الأخرى باعتبار المرأة  هى رمز للحب والجمال والخصب والأمومة وهي رحم الأرض التي تنبث وتنجب وتخصب وتخضر وتعمر هذه الأرض بثمارها اللذيذة وجمال زهورها وورودها وفيض أنوثتها، بالمرأة  بمثابة  قيثارة محلقة تعزف جمال الحياة ورونقها بأعذب الألحان، وهي فراشة مخضبة بأبرع وأزهى ألوان الكون والوجود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*