الفقر والحرب يطفأن أيقونات ملائكة الأرض !

465

تحقيق : جوان تحلو سوريا /القامشلي

يتدرج  دل سوز في الطريق الذي كان يقتاده قبل عامين مع صديقه وزميل دراسته سعيد في كل صباح متوجهين إلى مدرسة الحي الذي يعيش فيه بمدينة القامشلي شمال شرق سوريا ،ووتر الإبتسامة تزداد طربًا مع صدى قهقهتهما وهما يتبادلان أحاديثهم التي بقيت متمترسة على جدار ذاكرة دل سوز منذ السنتين .

وهو يحمل في صباحاته اليوم أكياس متراصة بالجوارب ، ليكمل وجهته الى السوق بعيدًا عن شارع مدرسته الإبتدائية التي يتوق العودة إلى مقاعدها ، وتعطير أنفاسه برائحة الحبر والكتب.

يبسط جواربه بمختلف أحجامها وألوانها وأشكالها على بسطة البسيطة على جسر المدينة من الثامنة صباحًا ليعود في التاسعة مساءً منهكًا من طول يوم مليء بالكد والجهد.

ظروف المعيشة أجبرت دل سوز ذو الاثنا عشر ربيعًا على ترك حقيبته المدرسية واستبدالها بأكياس الجوارب ، وبيعها في السوق مع أخيه شفان لتخفيف عبء المسؤولية عن كاهل والدهما الموظف في البريد ، وعجز راتبه البالغ 35 ليرة سورية ، أي ما يعادل 80 دولار في سد احتياجات العائلة المؤلفة من سبعة أشخاص ، أربعة أولاد وبنت التي تحتاج لأكثر من 4000 ل س كمعدل يومي لثمن الخضرة.

الغلاء المعيشي مزق صبر السوريين بعد هبوط الليرة السورية وارتفاع الدولار الذي سجل أعلى ارتفاع ليقابل قيمة الدولار الواحد ب 537أمام الليرة السورية . اكتسب دل سوز خبرة كبيرة في بيع الجوارب التي استغرقت اكتسابها وقتًا طويلاً لا سيما أثناء مفاصلته مع تجار الجملة نظرًا لصغر سنه ويقول :” اضطر إلى سؤال العديد من التجار حتى أضمن ألا يغشوني في التسعيرة ليضمن لي مكسبًا كبيرًا , يتراوح بين 3000 إلى 4000آلاف في اليوم “.

يتبادل المراهق الصغير مع أخيه شفان البسطة ويتناوبان على إدارتها لا سيما في ساعة الغذاء ، ينتظر حوالي الساعة والربع قبل تسليم البسطة لأخيه بعد عودته من البيت . ولعل البسطة الممددة على الجسر تكون نعمة أمام اضطرار بكري الذي يبلغ 15 عاماً النازح القادم من حلب ، وفراره مع والدته وأخواته الأربعة بعد مقتل والدهما في قصف جوي على حي الفردوس قبل حوالي ثلاث سنوات على المدينة . يقول بكري الذي يعمل في بيع المناديل الورقية أنه يحلم في كل ليلة بمدرسته التي قصفت ولم يبقى منها إلا الركام ويضيف :” العديد من أطفال الحي وطلاب المدرسة قد لقوا حتفهم والبعض منهم سافر إلى تركيا ، و أوربا ،والبقية نزحوا إلى الأماكن الآمنة في البلاد.

صعوبة العيش تجبر بكري المشي ساعات طويلة في أسواق وشوارع القامشلي بحثًا عن مشتري لبضاعته البسيطة ، لتقوده قداماه بعد انتهاء اليوم إلى محل بيع الملابس المستعملة “الباليه ” الذي يعمل فيه أخوه أحمد الأصغر منه ,الذي حالفه الحظ أكثر من أخيه وعثر على عمل لدى أبو جميل صاحب المحل براتب أسبوعي يقدر ب 3000 ل س .

الفقر والحرب نسفا حلم بكري في أن يصبح لاعب كرة قدم ، والتي لازمته منذ سنوات الأولى لدخوله المدرسة كما يقول :” عشقي لكرة القدم سيبقى نابضًا في قلبي ، ألازم مشاهدة القنوات الرياضية مساءً بعد عودتي من العمل “.

ويتابع :” ظروفي أجبرتني أن أحل محل والدي في تحمل مسؤولية عائلتي وحفظ كرامتهم بعد أن خسرنا معيلنا ، و بيتنا وسيارتنا في حلب ، لم أعد أشعر بطعم الفرح ،والإبتسامة لن ترسم على وجهي بعد أن فقدنا كل شيء “.

قرابة 630 ألف طفل يعملون ضمن شروط غير إنسانية، ليشكلوا ما نسبته 3% من إجمالي قوة العمل السورية ، وفق الدراسة التي أعدها المكتب المركزي للإحصاء بالتعاون مع جامعة دمشق ،ومعهد ” فافو ” النرويجي ومكتب اليونيسيف في دمشق، أشارت إن عدد الأطفال العاملين في سورية من الفئة العمرية 10 -17 عاماً، يقدر بحوالي 621 ألف طفل ليشكل هذا الرقم 17.8 % من إجمالي عدد الأطفال في هذه الفئة العمرية في سورية .

محمد علي عثمان أخصائي الصحة النفسية و التنمية البشرية حذر من الآثار النفسية والجسدية للفقر والحرب على الأطفال وأكد أن الطفل الذي يعمل في سن مبكرة يتعرض لأخطار جمة تنتج عنها آثار جسدية ونفسية نتيجة ظروف العمل غير الآمنة و الضغوط والاستغلال والعنف بشتى أشكاله (الجسدي، المعنوي والجنسي)، ما يؤثر سلبًا على مشاعره و عواطفه محدثة سلوكيات اجتماعية وأخلاقية جديدة تغدو بفعل الكم مكونًا أساسيًا من مكونات عملية التنشئة الاجتماعية لدى الطفل مترافقة مع اكتسابه عادات سيئة كالتدخين ولعب القمار والسرقة والجنوح وغيرها من الآفات غير الحميدة “.

عثمان يشير أن الواقع الذي تعيشه البلاد وظروف الحرب أجبرت الأسر السورية ذوي الدخل المحدود إلى تشغيل أطفالها لتحسين وضعها المادي وتأمين مصادر دخل إضافية مضحية بصحته ونموه وبراءته ، و معرضة إياه لصنوف شتى من العنف لدرجة الإعتداء و التحرش الجنسي, ويضيف :” نظرًا لقلة دخل الأب قد تضطر الأم للبحث عن فرصة عمل هي أيضا ، وتترك أطفالها بمفردهم دون رعاية وغالبًا تكون معيشتهم في فترة غيابها في الشارع ، وبالتالي يصبح هؤلاء الأطفال فريسة سهلة للانحراف”.

وتابع الاخصائي النفسي منوهًا من خطورة عمل الأطفال في البيئات الزراعية والحيوانية وتعرضهم للإصابة بالعديد من الأمراض كالبلهارسيا، والآثار الضارة الناجمة عن تعرضهم للمبيدات الحشرية . وأشار إلى إن العمل في مجالات التصنيع والورش يكون دائمًا مرتبطًا باستخدام مواد متعددة الأحماض والقلويات والمذيبات العضوية والمنظفات ومواد الصباغة والدباغة ، وما ينتج عن هذه المواد من التهابات جلدية وحروق وأمراض عضوية أخرى، خاصة بالنسبة للدم والجهاز العصبي والجهاز الدوري .

ومع تفاقم الأزمة وعجز المنظمات الدولية المعنية بإنقاذ الطفولة يبقى الأمل معولاً على الجهود الفردية التي قد يحظى بها 1 من 1000 وكان سردار ممن سخى القدر بكراماته عليه ليكون ضمن المجموعة الصغيرة المؤلفة من 40 طالبًا من اليتامى والفقراء ، لينال نصيبه من المبادرة التي تبناها بعض أساتذتهم وبعض الخيرين ممن في الخارج من أبناء مدينة القامشلي وتكفلهم بمصاريف الأربعين طالبًا حتى إتمام دراستهم الجامعية .

سردار يتلقى الدعم المادي السنوي من المبادرة منذ الثلاث سنوات ويخصص له كغيره من الطلاب من مختلف المراحل الدراسية ، مبلغاً سنويا 500 دولار شرط بقائه محافظًا على تفوقه الدراسي ، وتكفل المبادرة إبعاده عن مستقبل معتم ومصير مجهول قد يواجه نظرائه ممن في سنه ، في بلد نحر الدمار آمال المغيبين في الداخل والخارج ممن تلونت أحلامهم بالدم ، ليكون النصيب الأكبر من الخوف على ملائكة الأرض براعم غد محفوف بالألم ومبتور الأمل ، بعد أن حفرت الحروب طريقها إلى معظم البلاد العربية وتسببت حسب إحصائية اليونيسف بإصابة 4.5 مليون بالإعاقة، وشردت 12 مليون وعرَّضت 10 ملايين للإكتئاب والصدمات النفسية، والصدارة فيها كانت لدول العرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*