التشكيلية نعيمة أشركوك….تبدع بلغة الألوان نصوصًا تشكيلية

2٬853

نعيمة أشركوك،من مواليد شفشاون،المغرب،لها بصمة خاصة فى عالم الفن التشكيلى المغربى والعربى تميزها عن غيرها، تعكس لوحاتها هموم الإنسان وانشغلاته اليومية،تجربتها الفنية تنبني على تمجيد المدرسة المستقبلية في الفن التشكيلي،التي ظهرت في القرن العشرين،هى الفنانة الوحيدة في المغرب التي تشتغل عليها وتعيد إحيائها من جديد وتجديد بريقها لما لها من سحر وجمال وتأثير قوي في المتلقي،تحاول بلغة الألوان أن تبدع نصوصا تشكيلية تحاكي الشعر في صمتها وخيالها ولغتها التي تتراقص كما تتراقص الألوان في لوحاتها .دخلنا إلى عالمها الفنى لنقدم لكم هذا الحوار الممتع والشيق مع الفنانة المغربية نعيمة أشركوك.

في البداية نود أن نعرف من هى نعيمة أشركوك ؟
نعيمة أشركوك،فنانة عصامية،مسقط رأسها مدينة الفن والجمال،شفشاون،المعروفة بالجوهرة الزرقاء والتي تتميز بطبيعتها الساحرة،فضلا عن طابعها المعماري الأندلسي،وهي محط إلهام للكثير من الشعراء والفنانين والمبدعين،وأعتقد بهذا الخصوص أن مدينة شفشاون كانت الفضاء المحفز،الذي ساعدني على أن تكون لي ملكة خاصة للفن، تنبني على روح الحرية والقيم الإنسانية والجمالية،والشاعرية،درست القانون وحاصلة على الإجازة في الحقوق تخصص القانون العام،و دبلوم الدراسات العليا للمهن القانونية والقضائية،شغلت منصب مديرة الشؤون القانونية ،ورئيسة اللجنة القانونية في الإتحاد الوطني لنساء المغرب،وعضوة في المكتب التنفيذي لجمعية فن وثقافات .
أؤمن بالحرية بمفهومها الواسع والإيجابي،لي رؤية داخلية ذاتية مكنتي من خلق أسلوب فني خاص، مطبوع بالقيم الروحية والإنسانية، يعتبر الفن التشكيلي بالنسبة لي، جزءً وانعكاسا لشخصيتي وعالما خاصا بي؛أترجم فيه مشاعري إلى ألوان وتعابير وأشكال ذات معاني عميقة.في البداية نهنئك على جائزة التميز للمبدعين العرب لعام 2018،فى العاصمة البريطانية لندن، ماذا عن لوحة ”سيمفونية الروح“؟
لقد شاركت في معرض ملتقى لندن الدولي للفن التشكيلي،بلوحة تحت عنوان ”سمفونية الروح“ وهي لوحة تجعلك تسبح من خلال معزوفات لونية، لها نوتاتها الخاصة لتجعلك تهيم في يم دافق من المشاعر الإنسانية التي تراود أي محب للحياة، بصفة عامة. لوحة تمثل الغليان الروحي لذات تفتح أبوابها للفرح رغم الجراح،عبر أهات متدفقة من بين خطوطها وألوانها ودلالتها بالنسبة للمتلقي،تتنوع من حيث المكان والزمان وكذا الشخوص والذوات،كل سيعزف نوتته على الوتر الذي يناسب لحظة تأمله،لكننا نجدها تلتحم حول سياق واحد ومحاكاة واحدة تتجلى في الذات الأنثوية ومحاكاتها للذات المكسورة والتقلبات التي تواجهها،من خلال تموجات لونية راقصة يغلب عليها الإحساس المرهف .
إنها بكل بساطة،سيمفونية تخالط هوس الإيمان  بالفرج والشعور بقرب الأمل والفرح والخيال المجسد لتناغم الذات باستخدام الرموز بأسلوب فني مختلف،في تكرار لبعض الخطوط والألوان الدالة والقوية، لتأكيد تيمة اللوحة العاكسة للقيم الإنسانية وتمجيد الحب رغم الشكوى ومساءلتها للحياة والوجود.

متى بدأت نعيمة أشركوك الدخول في عالم الفن التشكيلي ؟ ومن شجعك عليه؟
في البداية لابد من التأكيد أن أي لون من الفن والإبداع  هو هبة من الله سبحانه وتعالى،ولله الحمد والشكر على هذه النعمة الفنية التي وهبني إياها  الخالق، بحيث كنت في صغري مولعة بالرسم لحد التماهي،كنت أشكل لدى أفراد العائلة تلك الطفلة المتفردة بأحلامها ورؤيتها للأشياء،حيث كنت كثيرة التأمل والخيال،أعيش في عالم أخر ليس ذاك الذي غالبا ما يكون لدى الأطفال من لعب تلقائي وفوضى جميلة،لكني كنت مختلفة إن صح التعبير،ومن ثمة تولدت لدي ملكة الفن وتجدرت؛حيث كنت أرسم أحلامي الطفولية،مهما كانت تلك الخربشات والألوان ساذجة؛لكنها في نظري كانت جميلة،تعكس براءة الطفل. مع مرور السنوات صقلت الموهبة بالبحث والتجربة والتواصل والاستفادة من مختلف التجارب التي تتقارب ونسقي الفني وأحلامى وخيالي ونظرتي للأشياء والموجودات وإلى العالم .
التحقت  بالمجال الفني الاحترافي سنة 2016،بمناسبة اليوم الوطني للمرأة تحت شعار “ابتكارات المرأة والعمل الإنساني” الذي نظم بمركز الإدماج والمساعدة بالتشغيل لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة.
لقد كان الدعم المعنوي لوالدي رحمة الله عليه،سندا لي لتخطي الصعاب لكي تبقى الموهبة حية وهي الآن تتنفس وتكبر لتزهر في كل موسم ربيع، والآن أحظى بتشجيع والدتي الكريمة أطال الله في عمرها،هي أول متلقي لأعمالى الفنية واثق في رأيها وأفتخر به . فبدون الدعم والتحفيز لا يمكن لزهرة الفن أن تنمو بطريقة صحيحة .ماذا عن بداية اللوحة الفنيةالأولى؟
 أتذكر جيدا وأنا تلميذة في الصف الإعدادى وفي مادة الفنون الجميلة،رسمت عملاً مميزًا؛كان محط تنويه من طرف أستاذي آنداك،كان الموضوع هو رسم لوحة تندرج في إطار الخيال العلمي،فرسمت بكل حرية وخيال مجنح لوحة عن زراعة الأعضاء بكل عفوية وتلقائية،وما أملك من حس فني ورؤية عملية للمستقبل بالرغم من أن وسائل التواصل حينها كانت منعدمة الإطلاع على وجود هذه الفكرة في الواقع . وقد كانت محط إعجاب المحيطين بي، خاصة عندما شرحت الهدف الأسمى منها وهي تخفيف معاناة الإنسانية.هل تأثرت الفنانة نعيمة أشركوك بدراسة القانون فى منجزاتها الفنية؟
إن كل شيء نعيشه في حياتنا يؤثر علينا ويترك بصمته،فما بالك بالمسار الدراسي الذي يكون مجالا خصبًا لتكوين شخصية الفرد بشكل عام ، خاصة أنه قبل دراستي للقانون كنت حاصلة على باكالوريا تخصص العلوم التجريبية وما لذلك من تأثير في تطوير ملكات التحليل والمنطق ، ليصقل مع الدراسات القانونية التي ترسخ لدى الفرد القيم الأخلاقية والقيم الاجتماعية والالتزام باحترام الحريات والضوابط المجتمعية ،كل ذلك انعكس على شخصيتي الفنية التي عندما تتمرد على الواقع وعلى الفن السائد يكون تمردًا هادفًا أما إلعطاء منتوج جديد، والمساهمة في التغيير الإيجابى أو للدفاع عن قضية من القضايا الإنسانية والمجتمعية والوجودية مع احترام كل أشكال الإبداع السائد و الأسس الفنية واللونية.ماهي نظرتك إلى الفنانات التشكيليات وكيف تقيمين نتاجاتهن …؟
أنظر نظرة افتخار واعتزاز لكل امرأة؛لأنها رمز للعطاء والقوة بالإضافة إلى أن المرأة المبدعة هي امرأة مرهفة الإحساس وصادقة عندما تبوح بأحاسيسها وخبايا روحها في اللوحة،وشرسة عندما تدافع عن قضية تؤمن بها لتسمع صوتها لخدمة مجتمعها وحماية أسرتها . أنا احترم كل التجارب النسائية سواء في المغرب أو العالم العربي فلكل واحدة بصمتها ورؤيتها الفنية الإبداعية،و لن أقيم عمل الفنانات التشكيليات لأنه ليس هناك فرق بينها وبين الرجل،فالعمل هو الذي يفرض نفسه وليس جنس منتجه .من هو الرسام العربي أو العالمى الذي أثّر بكِ كثيرًا على المستويين الشخصي و الفني؟
في الواقع ليس هناك فنان محدد؛لأن كل فنان هو حالة منفردة ويقدم شيئا يختلف عن الأخرين،وتبقى أمور أخرى مثل الحظ أو الذكاء أوالظروف الخاصة بكل فنان،عوامل تصل به إلى العالمية وإلى جمهور كبير وكذا الاستمرارية أو التوقف عند نقطة معينة؛ لذا الأفضل ذكر الأسماء حتى لا أكون مجحفة في حق أحد من أساتذتي وأصدقائي الفنانين .من أين تستمد نعيمة أشركوك مواضيع أعمالها ؟ ومتى ترسمين لوحاتك ؟
للإبداع طقوس وعادات وحالة سيكولوجية وإحساس خاص، ليس في أي وقت او أي مكان ولابد أن يكون للفنان دافع شخصي أو فني أو إبداعي، فكل لوحة يجب أن تكون لديها قضية وتعبر عن ملمح إنساني وإحساس بالعالم والوجود وبالتالي يمكن التأكيد على أن لوحاتي دائما تنبني على قضية من القضايا الإنسانية والمجتمعية والوجودية،وفي رسمي مالمسة الأشكال إبداعية أخرى ترتبط بالشعر والفلسفة ومن ثمة يمكن التأكيد على أن اللوحة يجب أن تتغذى من ثقافات أخرى وعوالم أخرى ومن شعرية المكان وسحر الفضاء وما يخلفه لدى الفنان من تأثير وحافز على الإبداع لوحاتي تعكس هموم  الإنسان وانشغلاته اليومية،وهي عبارة عن صور لحظية للعواطف والأحاسيس في تفاعلها مع الواقع المعاش،والتي هي في تغير مستمر مما يعكس تنوع مواضيعها ، بألوانها الزاهية تتضمن تفاصيل كثيرة تحمل عدة أجزاء كلها قابلة للتحليل.
إن تجربتي الفنية تنبني على مشروع إبداعي يرسخ لقيم المستقبل والحداثة في المجال التشكيلي،كما يطغى عليها اللون الثقافي الذي يستهويني وهو الشعر لأنى أعتبره عالما ساحرًا للغاية فيه تصغي لهمس القوافي وجرسها الممتع والرنان وأعتقد أنه في هذا السياق أني أحاول بلغة الألوان أن أبدع نصوصا تشكيلية تحاكي الشعر في صمتها وخيالها ولغتها التي تتراقص كما تتراقص الألوان في لوحاتي .
وأعتقد في هذا السياق أن المتلقي هو الوحيد الذي بإمكانه أن يستنطق الروح الشعرية من كل نص تشكيلي على حدة وهذا يمنح اللوحة نوعا من الدينامية والحيوية والخصوبة في إنتاج المعاني حتى لا تكون لوحة جامدة وميتة وهذا جزء من سحر المدرسة المستقبلية ومتعة التشكيل ذو المنحى التجريدي والسريالي الذي ينثر الدلالات ورموز المعرفة أكثر ممن يقدمها بطريقة مباشرة .هل يحتاج الفنان التشكيلي إلى جو نفسي معين لكي يرسم ويُبدع؟
إن للزمان والمكان تأثير كبير على ميلاد اللوحة وإثراء معالمها وكذا اللحظة النفسية التي يعيشها الفنان فضلا عن الحدث أو الموضوع، ولكل فنان طقوسه الخاصة لتهيئ له ظروف اشتغاله،هي لحظات تأمل تتطلب بالنسبة لي سكونا تتخلله نغمات موسيقية هادئة وحالمة،وأحيانا أحتاج حتى لعبق المكان الذي يجب أن يكون زكيا،هي لحظات خلوة مع قماش أبيض،أحيانا كثيرة أرسم بيدي حتى أكون قريبة جدا من اللوحة أهمس لها بنبض أحلامي وأفرغ طاقتي الإيجابية مباشرة في قلب اللوحة التشكيلية مما يجعلني أتفاعل بشكل روحاني معها كقطعة من كياني وهو نوع من التواصل في لحظات الفرح والحزن.
ما هي المدارس التي تأثرت بها نعيمة أشركوك في مسارها الفني؟
مع أني لا أميل إلى التصنيف،لأن  لكل فنان منهجا ومدرسة خاصة به هو رائدها إلا أني وجدت نفسي ضمن المدرسة المستقبلية التي تستقي حدودها من النظرية النسبية لأن  لوحاتي تشكل سفرًا للروح وللمشاعر بعيدًا عن العالم المادي الملموس . تجربتي الفنية تنبني على تمجيد المدرسة المستقبلية في الفن التشكيلي التي ظهرت في القرن العشرين حيت أعتقد أنني الفنانة الوحيدة في المغرب التي اشتغل عليها وأعيد إحيائها من جديد وتجديد بريقها لما لها من سحر وجمال وتأثير قوي في المتلقي .
وتتأسس تجربتي على مشروع فني مستقبلي حداثي يأتي دائما بالجديد دون التفريط في الثقافة الفكرية والفنية والأكاديمية.وأنا في بحث مستمر قصد التحسين المستمر والإسهام في المجال الفني،و تمرير رسائل من شأنها الرفع من الرقي الإنساني.هل هناك خط أساسي يربط بين مختلف مضامين لوحاتك؟
رسالة نبيلة تعبر عن الذات والمجتمع والكون وقيم التعايش والسلام والتسامح وحب الخير للجميع في عالم تسوده الحرية والاطمئنان  ونبذ كل أشكال الظلم والعنف والكراهية والقبح المجاني في هذا العالم الذي أصبحت تسوده الحروب المرعبة والعنف والقيم المادية والبرغماتية،من خلال تجسيد عالم مفعم بفيض من الاشراقات الصوفية والعلامات المضيئة التي ترتبط بالإنسان والوجدان والقلب،بسحر ريشة تسافر في كل زوايا اللوحة  بالقيود بكل حرية حتى تترسخ معانيها بالطريقة الخيالية التي توحي أكثر ما تعبر عن فحواها بطريقة تقريرية أنها تحمل فيضا من الدلالات الفنية والإبداعية في الزمان والمكان على أجنحة من ألوان راقصة .
ماذا عن هواياتك الأخرى غير الرسم؟
حاليا الرسم يغطي على كل الهوايات لأنه يأخذ وقتا وتفرغا؛بالإضافة لحياتي المهنية والأنشطة الجمعوية،كما أني أهوى القراءة والسفر لأنه يمنحني الفرصة للانفتاح على الأخر،وترسيخ مبدأ التسامح وتوسيع أفاق الفكر باالإضافة إلى اكتشاف حضارات وشعوب ودول أخرى.كيف تقيمين التجربة التشكيلية المغربية في المرحلة الراهنة؟
المغرب بلد الفن والإبداع بامتياز وبشهادة عالمية والفن التشكيلي هو جزء منه لذا فإن ساحتنا الفنية غنية وواسعة وكل فنان يقدم أحسن ما عنده وما يؤمن به وعالمنا يستوعب الجميع،وأنا أقدرهم كلهم. وتجدر الإشارة إلى أن الوضع التشكيلي بالمغرب يتفاعل تصاعديًا بحركية الإبداع رغم الامتداد الذي مازال فتيا في بلدنا لمجموعة من التجارب الفنية؛لكن أصداء المعارض التي تنظم هنا وهناك نجدها تجسد تاريخ الفن برمته، من البدائية والفطرية،إلى الواقعية الكالسيكية،ومن الرمزية إلى التجريدية،ومن الوحشية إلى التكعيبة،إلى الحروفية والهندسية والتراثية،إلى كل الجذور الجمالية المؤسسة  للفن الحديث والمعاصر وهذا يجسد لواقع ثقافي متميز،والفنان المغربي يبقى على عاتقه دائما الأخذ بيد المجتمع والرقي به و بقيمه الجمالية والإنسانية وهذه رسالة فنية موحدة.

 

ما هي مشاريعك القادمة في عالم الفن التشكيلي ؟
لدى مشاريع للمشاركة في معارض وطنية ودولية،وبالموازة المساهمة في إطار ورشات للرسم لفائدة الأطفال في وضعيات صعبة،اجتماعية ، صحية،والمشاركة في التظاهرات ذات الطابع الاجتماعي التي تهدف لتقديم الدعم الإنساني حسب الفئات المستهدفة بتخصيص ريع المعارض لفائدة الجمعيات الخيرية.
أخيرا كلمة لمحبي الفن التشكيلي في الوطن العربي
أود قبل ذلك أن أقدم الشكر الجزيل لموقع عرب 22 لاحتضانه الفن والفنانين وإعطائهم فرصة للتعريف بهم وبأعمالهم وكذا المساهمة في نشر الوعي الثقافي . لمحبي الفن التشكيلي في الوطن العربي أقدم لكم تحية عطرة وأقول لكم الفن التشكيلي هو إبداع إنساني،هبة من الرحمن،رسالة ، انتماء،هوية،حضارة ،هو وسيلة قوية للتعبير والتواصل بيننا باختلاف انتماءاتنا، لغاتنا عاداتنا وتقاليدنا سنبقى بشر نقدس الجمال وإن الفن هو الوسيلة الرقى والقرب لأرواحنا فهي المرسى الذي تحط به سفننا التي أتعبتها الحياة .

التعليقات مغلقة.